مقالاتمقالات تربوية

التدبر القرآني وأثره في التربية(14)

 

أ. محمد العوامي

“الشورى وتربية الأمة للقيادة الرشيدة”

《غزوة أحد أنموذجا》

الشورى هي أحد أهم المبادئ الإسلامية التي حث عليها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وقد تبلور مفهوم الشورى في الإسلام على أنه حق لجميع المسلمين في المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية التي تتعلق بمستقبلهم.

وقد حفل القرآن الكريم بالشورى، وجعلها مبدأ من المبادئ التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، ففي الكتاب الكريم سورة عرفت باسم سورة الشورى، وقد وردت فيها آيات عديدة تحث على الشورى، منها قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (سورة الشورى، الآية 38)
وقوله تعالى:
{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (سورة آل عمران، الآية 159)

وهذه الآيات وغيرها تؤكد أن الشورى هي منهج حياة في الإسلام، وأنها ركيزة أساسية في نظام الحكم الإسلامي.

وقد كان للشورى دورٌ بارزٌ في تربية الأمة الإسلامية على القيادة الرشيدة.
فقد أراد الله تعالى أن ينشئ أمةً راشدةً قادرةً على قيادة البشرية، وكان من أهم وسائل تحقيق ذلك أن يربيها على الشورى.

لقد طبقت الشورى في الإسلام منذ عهد الرسول ﷺ، فكان ﷺ أصحابه في جميع الأمور، حتى في الأمور العسكرية والسياسية المهمة،
ومن الأمثلة الواضحة على دور الشورى في تربية الأمة الإسلامية للقيادة الرشيدة، ما حدث في غزوة أحد. فقد كان رأي الرسول ﷺ أن يقيم المسلمون في المدينة المنورة ولا يخرجون لمواجهة المشركين، ولكن الشباب الأبطال ألحّوا على الرسول ﷺ أن يخرجوا للقتال، فاستجاب الرسول ﷺ لرأيهم.
وكانت النتيجة أن هُزم المسلمون في هذه المعركة، وقتل فيها عدد كبير من الصحابة، منهم عم الرسول ﷺ حمزة رضي الله عنه.
ولكن الله تعالى لم يُعاقب المسلمين على خطئهم في هذه المعركة، بل أكد لهم أهمية الشورى، فقال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 59]. فهذه الآية الكريمة تؤكد أن الشورى هي الأساس الذي يجب أن تقوم عليه حياة المجتمع المسلم، حتى لو أدى ذلك إلى اتخاذ قرارات قد تكون خاطئة في ظاهر الأمر.

وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، استمر الخلفاء الراشدون في تطبيق الشورى، فكانوا يستشيرون الصحابة في جميع شؤون الدولة.

واليوم الأمة الإسلامية تعاني من عدم تطبيق الشورى.

قال سيد قطب رحمه الله مبينا أهمية الشورى: وبهذا النص الجازم: …وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ..}… يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم حتى ومحمد رسول الله ﷺ – هو الذي يتولاه… وهو نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكا في أن الشورى مبدأ أساسي، لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه.. أمّا شكل الشورى، والوسيلة التي تتحقق بها، فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير وفق أوضاع الأمة وملابسات حياتها. وكل شكل وكل وسيلة، تتم بها حقيقة الشورى – لا مظهرها – فهي من الإسلام…… ولم يكن رسول الله ﷺ يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء الخروج.. فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة، التي رآها، والتي يعرف مدى صدقها، وقد تأولها قتيلا من أهل بيته، وقتلى من صحابته، وتأول المدينة درعا حصينة…. وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة للشورى.. ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات. لأن إقرار المبدأ، وتعليم الجماعة، وتربية الأمة، أكبر من الخسائر الوقتية….ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة، أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف، وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشئ أمة، ويربيها، ويعدها لقيادة البشرية…وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة، أن تربى بالشورى، وأن تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ – مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة – لتعرف كيف تصحح خطأها، وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها. فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ…..كان الإسلام ينشئ أمة ويربيها، ويعدها للقيادة الراشدة، فلم يكن بد أن يحقق لهذه الأمة رشدها، ويرفع عنها الوصاية في حركات حياتها العملية الواقعية، كي تدرب عليها في حياة الرسول ﷺ ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى، ويمنع تدريب الأمة عليها تدريبا عمليا واقعيا في أخطر الشؤون – كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة نهائيا، وهي أمة ناشئة تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب – ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر وله كل هذه الخطورة – لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشؤون، لكان وجود محمد  ﷺ ومعه الوحي من الله سبحانه وتعالى – كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ظل الملابسات الخطيرة لنشأة الأمة المسلمة……مهما تكن الأخطار المحيطة.. لأن هذه كلها جزئيات لا تقوم أمام إنشاء الأمة الراشدة، المدربة بالفعل على الحياة؛ المدركة لتبعات الرأي والعمل، الواعية لنتائج الرأي والعمل.. ومن هنا جاء هذا الأمر الإلهي، في هذا الوقت بالذات……(*)

ولقد كان لتربية الأمة الإسلامية على الشورى أثرٌ كبيرٌ في تطورها وتقدمها، فقد استطاع المسلمون في عهد الخلافة الراشدة أن يحققوا إنجازات عظيمة في مختلف المجالات، وذلك بسبب التزامهم بنظام الشورى وتطبيقهم له في جميع شؤون حياتهم.
واليوم، فإن الأمة الإسلامية بحاجةٍ ماسةٍ إلى العودة إلى الشورى، وتطبيقها في جميع شؤون حياتها.. فالشورى هي السبيل الوحيد لإعداد الأمة الإسلامية للقيادة الرشيدة، وتحقيق التقدم والازدهار.

■ تتمثل أهمية الشورى في تربية الأمة للقيادة الرشيدة في الآتي:
• الشورى تنمي روح المواطنة والمشاركة في الرأي والعمل؛ فالشورى تجعل كل فرد في المجتمع يشعر أنه جزءٌ من الكل، وأنه له حقٌ في المشاركة في اتخاذ القرارات التي تتعلق بمستقبله، وهذا الأمر يعزز روح المواطنة والمشاركة في الرأي والعمل، ويؤدي إلى خلق مجتمعٍ متماسكٍ وقويٍ.
• الشورى تنمي روح المسؤولية وتحمل تبعات الرأي والعمل؛ فالشورى تجعل الفرد مسؤولاً عن رأيه وعمله، ويجب عليه أن يكون على استعدادٍ لتحمل تبعاتهما، وهذا الأمر يساهم في تنمية روح المسؤولية وتحمل تبعات الرأي والعمل لدى الأفراد، ويؤدي إلى خلق مجتمعٍ ناضجٍ ومسؤولٍ.
• الشورى تنمي روح الصبر والتحمل؛ فالشورى قد تؤدي إلى اتخاذ قرارات قد تكون خاطئة في ظاهر الأمر، ولكن من المهم أن يكون الفرد صبورًا ومتحملًا، وأن يسعى إلى إصلاح الخطأ في المستقبل، وهذا الأمر يساهم في تنمية روح الصبر والتحمل لدى الأفراد، ويؤدي إلى خلق مجتمعٍ قويٍ وقادرٍ على مواجهة التحديات.
• ترسيخ مبدأ العدل والمساواة بين الناس؛ فالشورى تجعل الناس شركاء في اتخاذ القرارات، وبالتالي تساهم في تحقيق العدالة والمساواة بينهم، وتعزيز روح التعاون والترابط بينهم.
• تشجيع التفكير النقدي والإبداع: فالشورى تتطلب من الناس التفكير في القضايا المطروحة ومناقشتها، وبالتالي تساهم في تشجيع التفكير النقدي والإبداع لديهم.

إن الأمة الإسلامية اليوم بحاجةٍ ماسةٍ إلى العودة إلى الشورى، وتطبيقها في جميع شؤون حياتها. فالشورى هي منهج حياة في الإسلام، وهي ركيزة أساسية في نظام الحكم الإسلامي، فهي تؤدي إلى العديد من النتائج الإيجابية، وتعزز الوحدة الوطنية، وتساعد على الوصول إلى أفضل القرارات.

(*) بتصرف من كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب تفسير سورة آل عمران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى