مقالاتمقالات الرأي

الشيخ سالم الشيخي في ميزان الإمام القرضاوي

بقلم: فرج كُندي 

كثيرا ما ذَكر الإمامُ الراحل العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله (1926 – 2022) أسماءَ بعضِ تلاميذه النجباء وكلهم علماءُ نجباءُ، ولَكَم خصَّ الإمام بعضَهم بالذكر والثناء في مجالِ تخصصهم ونِطاق عملِهم، وقال عن بعضهم: (إنه أعلم مني في تخصصه) ومنهم فضيلة الشيخ الدكتور سالم عبد السلام الشيخي عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وعضو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.

لقد خصَّ الشيخ الإمام القرضاوي فضيلة الشيخ سالم الشيخي بتقديم نفيس لكتابه (نظرية القضاء الشرعي خارج ديار الإسلام تأصيلاً وتنزيلاً تطبيقات على بعض أحكام التفريق القضائي في بريطانيا) الذي نشرته دار الكلمة سنة 2016م.

وهو أطولُ تقديم قدَّم به الإمام القرضاوي رحمه الله لكُتُب غيره من العلماء والمفكرين.

افتتح الإمام القرضاوي رحمه الله التقديم للكتاب بالحديث عن الشخصيات التي يتعرف  عليها المرء في حياته وعن تنوعِ غاياتِهم وتعدد مذاهبِهم وتضاربِ أفكارِهم التي تعبرُ عنها أقوالهم وأفعالهم وتنطِقُ بها أخلاقُهم وتصوراتُهم.

تحدث الإمام القرضاوي في مفاضلة عن هؤلاء الناس الذين يتعرف عليهم الإنسان من حيث الصلات ودرجاتها ودرجاتهم؛ فذكر منهم من يمر عليك مَرَّ السحاب الذي يسقيك بالغيث وينبت الزرع ويحيي الموات، ولكنه لا يطيلُ البقاءَ معك فتظل تذكره بالخير وتدعوا الله بما يحقق له الآمال ويزيل عن الألم ويظل محمود السيرة، مذكوراً بنَقاء السَّرِيرة.

في حين هناك آخرون يمرون بك أول أمرهم ظاهرُهم حسنٌ وقولُهم معسولٌ وباطنُهم غير واضح حتى تأتي المجتمع نكبةٌ من النكبات أو المحنة من المحن فهنالك يظهر المرء على حقيقتِه بلا لَبس ولا غُموض وينكشف أمرُه لأهل الحق.

وأضاف الإمام القرضاوي رحمه الله صنفا آخرَ من الناس قال: “ومن الناس من تعدُّ معرفتُهم والاقتراب منهم والتقارب معهم والانتفاع بما لديهم فضلاً من الله إليك ونعمة من الله عليك، هؤلاء هم أصدقاء العُمر وأصفياءُ القلب وأشقَّاءُ الروح. بمجرد أن تتعرف إلى أحدهم وتكتشف شخصيتُه المخبوءة، تعلم أنَّك حصَلْتَ على كنزٍ عظيمٍ لا يقدَّر بثمن من المال ولا بأعراضٍ من الدنيا؛ بل هو هَدية من الله لك تفضَّل بها عليك وساقَها لتكون بجوارِك أو في دائرتِك إذا احتجتَ إليه وجدتَه، وإذا سألته أجابَك وإذا كلَّفته بأمر قال: لك سمعنا وأطعنا.

وإنّي لمُحتاجٌ إلى ظِلِّ صاحبٍ …. يرقُّ ويصفو إن كَدَرْتُ عليه !

هذا الصديق تجتمع عدة شخصيات في إهابه، حين ترزق به، أو يصبح واحداً من أسرتك؛ بل يصبح أقرب إليك من أخيك وشقيقك، كما قيل : رُبّ أخٍ لك لم تلده أمك ” .

ثم يذكر الإمام القرضاوي _ رحمه الله _ في كلام طويل ومفصَّل مجموعة من الصفاتِ في هذا الصديق نذكرها اختصاراً:

إنّه رجل:

فأوّل ما تلحظه فيه أنه (رجل)، وكلمة رجل لها معنى معروف في اللغة، وهو الإنسان البالغ من الذكور، ولكن ليس هذا المعنى هو المراد من كلمة رجل، بل المراد منه ما نستشفه من قوله تعالى: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا}.

 

رجل عالم

يقول الإمام القرضاوي رحمه الله: فإذا كان الرجل (عالما) فقد ضم إلى الرجولة مزيةً أخرى لها قيمتها عند الله، وقيمتُها عند الناس. إنها قيمة العلم؛ فهو رجل عالم.

عامل بما علم:

وهذه صفة اقتران العلم بالعمل وهي صفة العالم العامل لأن العلم ليس مجردَ ثقافة وإطلاعٍ؛ بل العلم الحقيقي هو العلم الذي يعمل به صاحبه.

معلم لما يعلم:

يميز الإمامُ القرضاوي العالمَ الحقيقيَّ بأنه بعد أن يحصل العلمَ يجب أن يكون معلماً للعلم داعياً إليه ولا يكون كبعض حملة العلم المتعبدين به، ولكن العالم هو من يحمل العلم ويعلمه ويدعوا إليه.

عالم ربّاني:

وفي هذا يتحدث القرضاويُّ عن صفاتِ العالم الرباني الذي يسألُ اللهَ أن يكونَ معلماً للناس ينفعهم بعلمه، ويحل لهم حلاله ويحرم عليهم حرامه، وهذا دليل الربانية التي ينشرها للناس، ويذكر أن العالمَ الرباني هو مَن جمع   بين أمور ثلاثة:

  • العلم الذي يؤسّس،
  • والعمل الذي يحرس،
  • والتعليم الذي يبني ويربّي.

 

اقتران الدعوة والتزكية والتعليم:

يقول: الإمام القرضاوي أهم ما قام به رسول الله صلي الله عليه وسلم هو مهنة التعليم والتزكية، وكذلك كانت دعوة إبراهيم من قبله {رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }. وبعد سَرْدِ الإمامِ لأوصاف هذه الشخصية المعْجِبَة وقبل أن يلج الإمام القرضاوي في التقديم للكتاب يتحدث بشكل صريح عن هذه الشخصية التي ذكر بعض أوصافها فيقول: هذه الشخصيةُ شخصيةٌ ليبيةٌ تعرفتُ عليها في أثناء عملِنا في جلساتِ المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث الذي دعا إليه وشارك في تأسيسه ثُلَّةٌ من علماء الإسلام.

ثم يقول: هذه الشخصية هي شخصية الأخ الحبيب العالم المجاهد الداعية المعلم  سالم عبد السلام الشيخي ، لذي كان قوةً للمجلس لما عنده من علم شرعي مؤسَّسٍ على أهلِه من علماء المدينةِ ومكةَ وشنقيطَ والمغربِ والسودانِ وغيرهم، وعنده دراسةٌ طيبة في علم الفقه والأصول، وعنده دراسات أصيلة في علم التفسير والحديث والإسلاميات.

هذه شهادة إمام العصر الإمام المجدد الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله في فضيلة الشيخ الدكتور سالم الشيخي حفظه الله، وكفى بها شهادة.

حق للمجتمع الليبي ولعلمائه وطلبة العلم فيه أن يفخروا بهذه التزكية وحق للشيخ سالم الشيخي أن يحمدَ الله عليها، وأن يسألَه التوفيقَ والسدادَ في السيرَ على دربِ العلماءِ والمصلحين

قال الشاعر:

لا نسألُ اللهَ إلاَّ أنْ يدومَ لنا  وأنْ تَزِيدَ مَعالِيهِ وإنْ كَمُلَتْ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى