اجتماعيةعاممقالاتمقالات فكرية

الفكر .. محلي ومستورد.

الأستاذ / فهمي هويدي
نحن بحاجة إلى قراءة رشيدة لفكر الآخرين، الذي يطلق عليه البعض أسم ،، الفكر المستورد،، في محاولة تجريحه بالجملة ، واصطناع تصادم بينه وبين الفكر المتوارث. الأمر الذي يصور الموقف باعتباره مؤديا إلى تناقض ضروري بين ( المحلي ) و ( المستورد) . أي بين الإسلام وأية أفكار أخرى لدى غير المسلمين.
ورغم أننا نتشكك كثيرأ في مقاصد تلك الصيحات الي لا تكف عن التحذير من الفكر الدخيل أو المستورد، إذ أنها لا تصدر عادة إلا في ظل محاولات سد النوافذ والأبواب وتطويق عقول البشر، بحجة حمايتهم من الجراثيم الوافدة من الخارج، فضلاً عن أن أكثر القائلين بمحاربة الفكر المستورد يستهدف في حقيقة الأمر مصادرة أي فكر من أي نوع، ومصادرة العقل ذاته في نهاية الأمر …
أقول إنه رغم ذلك فإننا إذا افترضنا حسن النية وبراءة القصد ، فلا بد أن نقرر من البداية أن ثمة مغالطة كبرى في صياغة مقولة الفكر المستورد أو المحلي.
ذلك أن مبدأ التقسيم الجغرافي للفكر الإنساني هو قلب مخل للمنطق، فضلاً عن أنه قد يؤدي إلى الإضرار بإسلام ذاته، الذي هو في الأساس دين موجه للبشر كافة، يتجاوز قيود وحدود الزمان والمكان، والتسليم بذلك المبدأ يقود منطقياً إلى قوقعة الإسلام ضمن حدود بذاتها، ويشجع الأخرين على رفضه، بحجة أنه – من وجهة نظرهم – فكر مستورد!
وتلك مقولة تتردد في زماننا عند البعض منا، خصوصاً أولئك الذين أعماهم التعصب، ودفعتهم كراهية الإسلام والمسلمين إلى افتعال المعارك و اختلاق ذرائع تقطيع الأوصال وتشويه الجسد العربي الإسلامي.
ليس هناك ما يمكن أن نسميه فكراً محلياً وآخر مستورداً، وإنما هناك فكر نافع يجب أن نسعى إليه ونلح في طلبه، وفكر ضار يجب أن نقاومه ونتصدى له بكل وسيلة.
وفيما يسمونه فكراً محلياً أو تراثيا، ما هو نافع وما هو ضار. وما يطلقون عليه فكراً مستورداً لا يخلو – ايضاً- مما هو نافع ومما هو ضار.
وهذا هو المنطق الإسلامي الذي عبر عنه الحديث الشريف في قول النبي عليه السلام:الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها . وهو قول يرد في بلاغة وبساطة على مزاعم الزاعمين من دعاة أغلاق الأبواب والنوافذ، وفرض الوصاية على ضمائر المسلمين.
إن هذه الرواية المشوبة بالخوف والذعر من الأخرين، لم يعرفها المسلمون في سنوات الدعوة ألأولى، رغم كل التحديات التي كان يمثلها الآخرون بالنسبة إليهم، ورغم المواجهة المتصاعدة بين الحضارة الإسلامية الوليدة، وحضارات الفرس في الشرق، والروم واليونان في الغرب. لقد كانت بعض فنون الحرب هي أول ما اقتبسه المسلمون الأوائل عن الحضارات الأخرى.إذ إن الرسول عليه السلام طلب من اتباعه أن يحفروا ( الخندق) وهو نمط فارسي ، أثناء معركته مع المشركين في غزوة الأحزاب. وكان الصحابي سليمان الفارسي هو الذي اقترح الفكرة.
وبعد أن تخطى المسلمون حدود الجزيرة العربية، وانتصروا على الفرس والروم في عهد عمر بن الخطاب، كان المجتمع الإسلامي لايزال على ثقته بنفسه، ويعامل الحضارتين إما من موضع المغلوب أو موضع الندية. وأبقى الخليفة عمر على كل النظم والدواوين التي أنشأها الفرس والروم في العراق والشام ومصر، ونقل بعضاً منها إلى الجزيرة العربية.
لكن التفاعل الفكري الحقيقي حدث في العصر العباسي ( أواخر القرن الثاني الهجري أو الثامن الميلادي) ، عندما أمر الرشيد أن يلحق بكل مسجد مدرسة تعليم العلوم بأنواعها. ثم جاء المؤمنون فأنشاء( بيت الحكمة)- ضالة المؤمن- في بغداد، وفيه بدأت أول وأكبر حركة لا استيراد الفكر، بترجمة كتب الفرس والروم واليونان إلى العربية. وكان من شروط صلح المأموم مع(ميشيل الثالث) أن يعطيه مكتبات الآستانة، وفيها عثر على كتاب بطليوس في الرياضة السماوية الذي ترجمة على الفور إلى العربية باسم(المجسطي).
‏في بيت الحكمة هذا حظيت علوم اليونان بأكبر قسط من الاهتمام، ومنه خرجت ترجمات مؤلفات كالينوس و ثييوقراطس ، وامكيدس، وأرسطو، وغيرهم. ( لاحظ أن علماء السنة هم الذين أطلقوا على أرسطو المعلم الأول، واعتبر أبو نصر الفرابي المعلم الثاني) وقتئذ تسلح العقل العربي علوم الفلسفة والمنطق وهي أبرز(الأفكار المستوردة) من اليونان، وكان المتكلمون والمعتزلة بوجه خاص هم أول من هذا السلاح في الدفاع عن الإسلام وقيامه وعقائده وشرائعه، في مواجهة التيارات التي حاولت خلال العصر العباسي أن تشد عقول المسلمين إلى ما قبل الإسلام. ‏إلى معتقدات زرادشت وماني ومزول ‏وغيرهم.
‏لكن هذا الوضع لم يدم طويلا ‏فظهر أيضا من يعارض الأفكار المستوردة. قالوا عنها أنها حكمة مشوبة بالكفر! وأخرجها المتطرفون من أهل السنة من نطاق العلوم. ‏قائلين إن العلم كلمة لا تنصرف إلا إلى معنى واحد ، هو العلم الموروث عن النبي عليه السلام. وما عدا ذلك ‏أم خارج عن مجال العلم إطلاقا، وإما معرفة لا تنفع ولا تستحق التحصيل. واعتبروا المنطق نوعا من الضلال والزندقة، وشاع تعبير(من ‫ تمنطق تزندق) وفرقوا بين علوم العرب، وعلوم الأوائل أو القدماء(التي كانت تشمل علوم الرياضة والفلك والفلسفة والطب والإلهيات).
وسئل أبو صلاح الشهرزوري عن رأي الدين في الاشتغال بالمنطق والفلسفة، فقال في فتوى شهيرة : ( إن الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة…وإما المنطق فهو مدخل الفلسفة ، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعاليمه مما أباحه الشارع ) وهاجم الإمام الغزالي حجج الفلاسفة في كتابه ( تهافت الفلاسفة) ورد عليه ابن رشد مفنداً حججه في ( تهافت التهافت) .
لكن هذا الجدل الفكري لم يؤثر على المسيرة ، وظل المفكر العربي ثابت الأقدام ، لم يهتز في أعماقه شئ . ويصف الأستاذ عباس العقاد في كتابه ( التفكير فريضة إسلامية) موقف الفلاسفة المسلمين في تلك المرحلة بقوله إنهم : ( خاضوا غمار الأفكار الأجنبية بين يونانية وهندية وفارسية، وعرضوا لكل مشكلة من مشاكل العقل والإيمان . وتكلموا عن وجود الله ووجود العالم ووجود النفس. وخرجوا من سبحاتهم الطويلة في هذه المعالم والمجاهل فلاسفة مسلمين أيضاً، دون أن يعنتوا أذهانهم في التخريج والتأويل.
وقتئذ يصف العلامة الهندي أبوالحسن الندوي في كتابه ( الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية) لم يكن المجتمع الإسلامي يعاني من مركب النقص ، فأخذ ما أخذ، والذي رآه غير جدير به صاغه في قالبه أولاً، ثم وضعه في مكانه.
حقق تفاعل الحضارات أهدافه. وكان المسلمون يتقدمون بثقة، مدركين أنهم أولى من غيرهم بالحكمة وأنهم مدعوون للسعي وراء العلم والمعرفة أينما كانت ( ولو في الصين) وكان شعارهم هو قولهم المأثور ( خذ ما صفا ودع ما كدر).
ولو أنهم استجابوا لدعوات رفض الأفكار المستوردة والتيارات الدخيلة، لما أضافوا شيئا إلى حضارة الإنسان. لكنهم نهلوا من بحار المعرفة بغير تردد واستوعبوا ما هو إيجابي ومفيد من افكار الآخرين، ثم كان جهدهم العظيم والخلاق فيما بعد، الذي تلقفته أوربا في بداية عصر النهضة. وشهد فيلسوفهم جوستاف لوبون أن أوروبا لم تعرف المدنية إلا بعد أن مرت على لسان اتباع محمد.
حدث ذلك قبل أن يلقي المسلمون أسلحتهم واحداً تلو الآخر. وقبل أن يتحولوا من غالبين إلى مغلوبين ومن أنداد إلى تابعين.
تحتى كان المشهد المحزن والتعس ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر ( الثاني عشر الهجري) والإمبراطورية العثمانية أصبحت جسّدا ينخر فيه السوس، وتسري فيه عوامل التحلل والاندثار.
وهي مفارقة تثير الانتباه، أن تكون بعض فنون الحرب( الخندق) هي أول ما نقله المسلمون عن غيرهم وهم في ذروة إيمانهم بالدين على عهد رسول الله، وأن تكون هذه الفنون ذاتها هي ما حاول المسلمون نقله عن الغرب وهم في قمة الضعف والوهن ، بعد ذلك باثني عشر قرناً.
ولكن شتان مابين المواجهتين. فبينما كانت الصيغة في العصر الإسلامي الأول هي نقل الخبرة العسكرية في البداية، ثم التفاعل الفكري والحضاري بعد ذلك، بدأت المواجهة في القرن التاسع عشر بنقل فنون الحرب وانتهت بالتخبط الفكري الذي ما زلنا نعاني من آثاره.
في البدء حاول السلطان العثماني سليم الثالث أن يعيد تنظيم جيشه ويدخل فيه الأسلحة الحديثة، فتصدى له دعاه رفض ( الأفكار المستوردة ) ، اصدر المفتي العثماني عطاء الله أفندي فتوى بأن ( كل سلطان يدخل نظامات الإفرنج وعوائدهم ، ويجبر الرعية على اتباعها، لا يكون صالحاً للملك) ، على اعتبار أن ثياب الجندي الحديثة تعد في حكم التشبه بالنصارى، وهذا إثم عظيم . وقد عزل السلطان سليم بالفعل بسبب محاولته هذه عام 1807.
توقفت جهود السلطان سليم بعد أن استقدم خبراء من أنحاء أوروبا لبناء جيشه وإنشاء بعض الصناعات الحربية ، وبعد أن كون أول فرقة نظامية في الجيش التركي عام 1796. ولم تستأنف هذه الجهود إلا بعد أن نجح خلفه السلطان محمود الثاني في القضاء على الانكشارية عام 1826.
كان التوجه إلى الغرب هو سمة بارزة في العالم الإسلامي، باعتباره المخرج الضروري للنهوض من الكبوة، وبينما كان السلطان محمود يواصل جهوده لبناء جيش حديث في تركيا، نصب محمد علي باشا حاكماً على مصر ( 1805) وبدأ محاولة مماثلة، وأنشأت تونس جيشاً نظامياً، وافتتح أحمد باشا باي الأول مدرسة للعلوم الحربية لتخريج ضباطاً وطنيين بهذا الجيش، كان يديرها أحد الإيطاليين. وأدخلت أسرة القاجار التي حكمت إيران في القرن التاسع عشر النظم العسكرية الأوربية على جيشها، وفتحت لذلك كلية للعلوم والفنون سنة 1852، كان أساتذتها من الأوربيين.
واستلزمت الإصلاحات العسكرية الجديدة اصلاحا في نظم التعليم وبرامجه، وتطلب الأمر ترجمة كثير من الكتب الأوروبية في مختلف العلوم والفنون، واستقدام المدرسين الأجانب و إيفاد البعثات إلي أوربا. وكانت هذه التجربة هي القنطرة التي عبر فوقها الفكر الغربي إلى العالم العربي والإسلامي.
وكان العالم الإسلامي في حالة إفلاس حضاري مفجع. أوقفته مبهوراً أمام مختلف مظاهر الحضارة الغربية. وبدأ كما لو كان المسلمون – كما يقول الأستاذ العقاد- يعيشون في سجن مغلق، يخشون أن يمدوا أصبعا إلى أي شئ فيه ، فينطلق منه شيطان متربص أو مارد محبوس.
في ذلك الوقت، كان المسلمون يسألون رجال الدين ، وزحف الحضارة الحديثة يدير رؤوسهم: هل يجوز قدح الكبريت؟ وهل يجوز استخدام غاز الاستصباح في إنارة المساجد؟ وهل يجوز وضع التلفون في المعاهد الدينية ؟وهل يجوز تعليم الجغرافية وعلوم الطبيعة في المدارس؟ وهل يقبل شرعا استخدام المطبعة؟وهل يجوزلبس القبعة؟ .. وهكذا!
وإزاء حالة الإفلاس هذه تفاوتت مواقف المفكرين والفقهاء والمسلمين . بين رافضين لكل ما هو غربي، كما حدث في محاولة تنظيم الجيش التركي. أو داعين إلى الاستسلام للغرب والارتماء في احضانه، ومن هؤلاء (السير) أحمد خان مؤسس جماعة عليكرة ، وأحد أبرز عماء مسلمي الهند في القرن الماضي . وكان مما قاله ( لابد أن يتجه المسلمون إلى قبول هذه الحضارة ( الغربية) ، حتى لا تعود الأمم المتحضرة إلى ازدرائهم)!
وكان الموقف الثالث يدعوا للاستفادة من الغرب دون الاستسلام له.ومن أعلام هذا الاتجاه محمد إقبال في الهند وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في مصر وخير الدين التونسي في تونس. وقد عبّر محمد اقبال عن موقفه في ديوانه ( ارمغان حجاز) بعد عودته من رحلة الدراسة العليا في إنجلترا وألمانيا ، فقال: ها أنذا كسرت طلسم العصر وأبطلت مكره
التقطت الحبة وأفلتت من شبكة الصياد
ويشهد الله أنني كنت في ذلك مقلدا للنبي إبراهيم،
فقد خضت النار بثقة واطمئنان وخرجت منها محتفظا بهويتي.
أيها السادة: إن الحضارة الأنسانية ليست حكرا على أحد. إنها جماع جهد كل الشعوب منذ هبط آدم وحواء على الأرض. والحضارة الغربية التي نخشى الاقتراب منها، كنا نحن أول من ساهم في إذكاء نارها ونورها.
لماذا الخوف والتردد إذا، والتمسح في شعارات لن تقودنا إلا إلى المزيد من العزلة والتخلف ، بل والانتحار البطيء؟
ثمة مخاطر ومحاذير هذا صحيح ، ولكن لماذا لا نقتحم الميدان ونحن واعون لهذه المخاطر والمحاذير . . لماذا لا نسعى إلى التقاط الحبة دون أن نسقط في شبكة الصياد ، كما يقول اقبال.
إن المهم هو ماذا نأخذ وماذا نترك.
المهم أننا إذا غيرنا ثيابنا ، لا نغير من جلودنا وعقولنا.
المهم أن نأخذ أثمن ما عندهم ، ولا نفقد أعز ما نملك!
عن كتاب: القرآن والسلطان
للكاتب: فهمي هويدي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى