أسباب الفساد من وجهة نظري… فهل من مشارك للرأي حول هذه الظاهرة .

أ. مصباح الورفلي
ليست ظاهرة الفساد التي تضرب العالم اليوم – وبخاصة في دوله المتخلفة – مجرد انحرافات فردية عابرة، بل هي سلوك تاريخي متجذر، تشكّل عبر قرون طويلة من الخوف والهلع ومنطق الغنيمة. إنها نتيجة طبيعية لسياسات عاجزة، لم تنجح في بناء إنسانها ولا في إشراكه، بل تعاملت معه كموضوع للوصاية وأداة للنهب، لا كشريك في البناء والتراكم.
المشكلة، في تقديري، لا تبدأ من الفساد نفسه، بل من البيئة التي تُنتجه وتُغذّيه. فحين نقرأ التاريخ بعمق، نجد أن الفساد يرتكز على ثلاث دعائم نفسية واجتماعية واضحة: الخوف من الفقر، والجشع، ومنطق الغنيمة. وهذه ليست صفات طارئة في الإنسان بقدر ما هي استجابات لواقع مختل، يفقد فيه الفرد الإحساس بالأمان والاستقرار.
لكن لماذا تتجذر هذه المرتكزات؟ هنا تكمن العقدة الحقيقية. فالأمر يعود إلى ثلاث حقوق أساسية إذا اختلّت، اختل معها ميزان المجتمع كله:
أولها: السكن والاستقرار. حين يعجز المواطن عن تأمين بيت يحفظ كرامته، يتحول القلق إلى دافع خفي يدفعه للبحث عن أي وسيلة، مشروعة أو ملتوية، لضمان مأوى له ولأسرته.
ثانيها: التأمين الصحي والتكافل. المرض المفاجئ، في غياب منظومة عادلة، لا يكون مجرد أزمة صحية، بل كارثة مالية تدفع الإنسان إلى تكديس المال بأي طريقة، خوفًا من يوم لا يجد فيه من يعالجه.
ثالثها: حق العمل وتكافؤ الفرص. حين يُغلق باب الرزق العادل، وتُحتكر الفرص، يصبح الفساد في نظر البعض طريقًا بديلاً، لا خيارًا أخلاقيًا بل ضرورة مفروضة.
في هذه البيئة، لا يعود الفساد استثناءً، بل يتحول إلى سلوك شبه طبيعي، يبرره الناس لأنفسهم تحت ضغط الحاجة والخوف من المستقبل.
وعلى النقيض من ذلك، تدرك الدول المتقدمة أن هذه الملفات ليست خدمات ثانوية، بل هي من صميم أمنها القومي. السكن، والصحة، والعمل، ليست شعارات انتخابية فقط، بل ركائز استقرار الدولة. ولذلك تُبنى عليها البرامج، وتُحسم بها الانتخابات، وتُقاس بها كفاءة الحكومات.
المواطن، في نهاية المطاف، لا يبحث عن سلطة ولا عن شعارات كبرى. ما يريده بسيط وواضح: بيت يضمن كرامته، عمل يكفل له العيش، ونظام صحي يحميه عند الضعف. أما المشاريع الضخمة التي تُرفع لافتاتها، من طرق وجسور وصفقات، فكثيرًا ما تتحول – في غياب الرقابة والعدالة – إلى بوابات مفتوحة لشرعنة الفساد، لا لبناء الدولة.
هنا تتضح الحقيقة المؤلمة: الفساد ليس فقط نتيجة أخلاق فاسدة، بل هو في جوهره نتيجة سياسات فاشلة. فإذا أرادت الدول أن تحاربه بصدق، فعليها أن تبدأ من جذوره، لا من مظاهره.




