اجتماعيةعامقضايامقالاتمقالات الرأي

إغلاق المسجد الأقصى ومضيق هرمز

د. محمد الصغير
رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ

عند المقارنة بين النفط والمال، في مقابل العقيدة والمقدسات، فلا شك في انحياز أرباب المال والأعمال إلى البترول والدولار، لكن أن يضعف رباط العقيدة عند أصحابها، وتقل الحمية للمقدسات عند المتدينين فهذا متغير خطير، ومرده إلى نقص الإيمان ورقة الدين؛ ويظهر هذا الأمر جلياً الآن، إذا وضعنا في كفتي الميزان: إغلاق المسجد الأقصى من قِبل الصهاينة، وإغلاق مضيق هرمز من قِبل إيران، وذلك في أتون الحرب الدائرة في المنطقة الآن.
والجميع يعرف أن إيران لجأت إلى إغلاق المضيق من باب التضييق على التجارة الدولية، ومنع إمدادات النفط والغاز للأسواق العالمية، بما يحقق لها ورقة ضغط لإرباك الاقتصاد العالمي كله، ولإجبار الخصم على إيقاف الحرب والرجوع للتفاوض.
أما سبب إغلاق الصهاينة للمسجد الأقصى وفي شهر رمضان، حيث منعت التراويح وصلاة العيد، فلم يكلف الاحتلال نفسه مؤنة بيان أسبابه، مكتفياً بأن ظروف الحرب تفرض ذلك، وكأنه يخشى على المصلين من القصف والانفجار، في الوقت الذي ما زال قصفه وقتله مستمراً في غزة منذ أكثر من عامين، وبحصيلة من الشهداء زادت عن سبعين ألفاً، وأضعاف ذلك من الجرحى، ولو كانت غارات إيران هي سبب خوف الاحتلال، فإن الصواريخ التي قصفت بها جيرانها في الخليج، أضعاف ما قصفت به الأرض المحتلة، ومع ذلك لم تغلق المساجد بل كانت عامرة بالتهجد والاعتكاف.
بل نستطيع القول إن من النتائج الأولية التي حققها الاحتلال من الحرب إغلاق المسجد الأقصى، والذي لم يتمكن من بداية الاحتلال من إغلاقه بقرار منه، وتعطيل صلاة الجمعة إلا في أربع جُمَعٍ منذ احتلاله:

– الجمعة ‏الأولى: كانت في 9-6-1967 بعد يومين من احتلال القدس، وكانت قواته العسكرية التي احتلت الأقصى ما تزال جاثمة عليه.
– الجمعة ‏الثانية: في 14-7-2017 عقب عملية أبناء الجبارين الثلاثة في الأقصى، فأعلن الاحتلال حينها إغلاق المسجد الأقصى، وبدأ التحضير لفرض الأبواب الإلكترونية، قبل أن يضطر للتراجع عنها بعد ذلك بأسبوعين.
– الجمعة ‏الثالثة: كانت يوم 13-6-2025 حين طرد المصلين، وأغلق الأقصى بالتزامن مع حرب الـ12 يوماً على إيران.
– ‏الجمعة الرابعة: كانت في 20-6-2025 ضمن ذات الإغلاق السابق.

والآن اقترب الإغلاق من إتمام شهر كامل، بل قوبلت كل محاولات الاقتراب من باحات الأقصى بالعنف والترهيب من قِبل الجنود المكلفين بإغلاقه.

صرح الباحث في شؤون القدس زياد بحيص (وهو ابن الشهيد محمد حسن بحيص الذي اغتاله الموساد في عام 88) أن “إسرائيل استغلت شهر رمضان لتسريع التغييرات في المسجد الأقصى، عبر اختبار إجراءات جديدة تعزز سيطرتها على الموقع، وأشار إلى أن هذه الخطوات تشمل توسيع اقتحامات المستوطنين، وإضعاف إدارة الأوقاف الإسلامية، والتساهل مع ممارسات متطرفة داخل باحات المسجد، وإعادة تعريف مفهوم “الوضع القائم” لتبرير التغييرات التدريجية التي بدأت منذ عام 1967، وتحويل الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم، وذلك بهدف تغيير هُوية المكان”. ا.ه‍

وحول هذه السابقة الخطيرة أجرى الإعلامي الشهير تاكر كارلسون مقابلتين مهمتين:
الأولى: مع البروفيسور الصيني “جيانغ تشين” الذي صرح له عن مخطط سري لإجراء أعمال حفر تحت المسجد الأقصى تمهيدًا لهدمه، ووفقًا لتوقعاته.
والثانية: مع الرئيس السابق للكنيست الإسرائيلي “أبراهام بورغ” الذي تحدث عن خمس محاولات إسرائيلية على الأقل نفّذتها جماعات استيطانية لتفجير المسجد الأقصى وقبة الصخرة منذ عام 1967م.

ولو رجعنا للمقارنة بين إغلاق هرمز وإغلاق الأقصى، سنجد أن إغلاق المضيق حرّك المياه الراكدة، وفتح الأبواق المغلقة، وانتفض له كل أصحاب المصالح، أما إغلاق قِبلة المسلمين الأولى، وثاني المسجدين بعد المسجد الحرام، وثالث المساجد التي يُشد إليها الرحال، فقد فعلها اللئام ومرت على المسلمين مرور الكرام، فلم نجد ردة الفعل اللائقة بهذا الـجُرم الكبير.
واتفق على هذا الخذلان الأداء الرسمي والظهير الشعبي، وربما لو استمر الوضع على حالته، لاستمرأ العدو الأمر ومضى في مخطط هدمه لا يلوي على أحد، أو استغل الحرب والقصف فادعى سقوط صاروخ عليه تعجيلاً بهدمه وإنشاء هيكلهم المزعوم على أنقاضه.
وبدت البغضاء من أفواههم بما يوحي بذلك، ومن ذلك ما نشره عضو اليمين المتطرف “موشيه فيغلين” على حسابه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي: “إغلاق المسجد الأقصى أمام المسلمين يتم دون أي اعتراض، وهذا دليل على تصرف إسرائيل كقوة إقليمية.”
مساندة المقدسيين ودعم المرابطين في جنبات القدس هو واجب الوقت، مع وجوب تحرك شعبي كبير يضع المسؤولين أمام مسؤوليتهم الدينية والتاريخية عن القدس الشريف، وقد ظهرت مؤخراً تحركات من بعض القادة والمؤسسات، نأمل أن تكون طليعة مباركة لموقف جامع يفك الأغلال عن مسرى نبينا الكريم ﷺ.

Related Articles

Back to top button