إنارة العقل… والثبات حين تتبدّل المواقف
أ. مصباح الورفلي
لا شكّ أن إنارة العقل ليست ترفًا فكريًا، ولا زينة لغوية يتباهى بها الخطاب العام، بل هي شرط أساس لفهم الواقع، وتمييز الثوابت عن المتغيرات، وضبط العلاقة الدقيقة بين النص والحدث، وبين المبدأ والظرف. فالعقل الذي اتّسع أفقه بالعلوم والمعارف، وأحسن تقدير الاستدلالات، وفهم أسباب الأحكام، قادر وحده على إسقاطها على الواقع المعاصر دون إفراط أو تفريط.
إن تبصّر العقل لا ينفصل عن فقه الواقع، ولا عن تقدير المآلات، ولا عن السؤال الجوهري: أين يكون الثبات؟ ومتى تُقدَّر الرخص؟ ومتى يصبح التنازل انحرافًا لا اجتهادًا؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها إلا العلماء الربانيون، الذين تحرروا من غواية المناصب، وسلطان الشهرة، وضغط السياسة، وأهواء البلاط.
في مقابل هؤلاء، يطفو على السطح نمط آخر من الخطاب الديني والفكري، خطاب يتلوّن مع الأحداث، ويتبدّل بتبدّل الرياح السياسية، ويعيد إنتاج نفسه كلما تغيّر ميزان القوة. خطاب يُغلف التراجع بعبارات المصلحة، ويبرّر الانقلاب على الثوابت بفقه الضرورة، حتى تصبح الضرورة هي الأصل، ويغدو الاستثناء قاعدة.
إن من أخطر ما تشهده الساحة العربية اليوم هو هذا التداخل المريب بين الفتوى والسياق السياسي، حيث تُعاد صياغة الأحكام لا استجابة لمقاصد الشريعة، بل انسجامًا مع مزاج السلطان، أو تهيئة للرأي العام لقبول اصطفافات وتحالفات جديدة، كانت إلى وقت قريب موصوفة بالتحريم أو الخطر أو الخيانة.
ولهذا فإن الفترة المقبلة حُبلى بمتغيرات كبيرة ستفرضها تحالفات سياسية قائمة وتتشكل تفرض معها متغيرات على مستوى الفتوى الدينية تتعجّب لها الألباب.
لهذا لسنا أمام تغيّر طبيعي نابع من اجتهاد علمي رصين، ولا أمام مراجعات فكرية شجاعة تُبنى على نقد ذاتي صادق، بل أمام تدرّج مدروس في تطويع الوعي الجمعي. يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم، ثم تمييع التصنيفات، ثم إسقاط الأحكام السابقة بوصفها “مرحلية”،وأن من تم تصنيفهم وفقها قد تراجعوا في مجامع مغلقة؛ لينتهي الأمر بفتوى جديدة، مناقضة لما قبلها، لكنها تُقدَّم بوصفها فقه المرحلة ومتطلبات الواقع.
هذا التحول لا يحدث فجأة، لأن الصدمة ترفضها العقول السليمة، لكنه يُمرَّر عبر التراكم البطيء، حتى تألفه الدهماء، ويستأنس به بعض علماء الطلب، ثم يصبح هو السائد، وتُتهم الأصوات الثابتة بالجمود، أو التطرف، أو الحاقدين على العلماء المتبصّرين الذين قضوا بالحق والدين، أو عجزهم قصورهم عن فهم المنهج القويم.
غير أن أصحاب الألباب النيرة يدركون أن المتغيرات – وبخاصة السياسية منها – لا يجوز أن تتحول إلى مشرط تُقطع به ثوابت الدين، ولا إلى ذريعة لمخالفة مقاصده الكبرى. فهم يعلمون أن الثبات لا يعني العناد، ومداهنة أهواء السلطان، كما أن المرونة لا تعني الذوبان، وأن الفتوى التي تُفصّل على مقاس السلطة، سرعان ما تتحول من اجتهاد إلى أداة.
نحن على أعتاب أحداث جسام، وتحولات عميقة، ستُفرض فيها رؤى جديدة، واصطفافات غير مسبوقة، وستُختبر فيها مصداقية الخطاب الديني والفكري. وحينها سيظهر الفارق جليًا بين عقلٍ مُنارٍ بالحق، ثابتٍ على المبدأ، وعقلٍ آخر يُجيد التبرير، لكنه فقد بوصلته.
وفي زمن الالتباس، تبقى إنارة العقل، والالتزام بالثوابت، هما خط الدفاع الأخير عن وعي الأمة، قبل أن تُختطف الفتوى، ويُعاد تشكيل القيم تحت لافتة المصلحة، بينما الحقيقة أبعد ما تكون عنها.



