الحروب الصليبية على المغرب الإسلامي

فرج كُندي
رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث
من المعروف أن الحروب الصليبية هي تلك الحروب التي شنتها أوروبا على العالم الإسلامي من منطلق تعصب ديني، ورد فعل على ما حل بالكنيسة المسيحية من انكماش نفوذ وتراجع واضمحلال؛ بسبب هزيمتها وتراجعها أمام الفتوحات الإسلامية، التي وصلت إلى مشارف عاصمة الإمبراطورية، ومقر كنيستها القسطنطينية.
شملت تلك الحملات كل أرض فيها إسلام ومسلمين جعلت من آسيا الصغرى والأندلس وشمال إفريقيا ميدانا لهذه الحملات، كما كان المشرق الإسلامي الميدان الآخر.
وأشهر الحملات ما قام به لويس التاسع سنة 1270م على تونس، التي تعرف بالحملة الثامنة مع ما كان عليه أميرها أبو عبد الله محمد الحفصي من علاقات ودية مع حكام أوروبا المسيحيين جعلت المؤرخ المقريزي يقول عنه: (لا يصلح أن يلي أمور المسلمين).
انتهت الحملة الصليبية الثامنة على تونس بسبب كثرة الأمراض بين صفوف الجنود، وموت لويس التاسع في تونس سنة 1270م، ولم تغب أهمية شمال إفريقيا عن أطماع الصليبيين وعلى رأسهم (رومان لول- lull roman) الذي تعلم اللغة العربية وأجادها وتبنى مشروع التبشير- التنصير – بالمسيحة في شمال إفريقيا، وأوصى مجمع فينا الكنسي (1312-1311م) بالقيام بحملة صليبية تعبر إسبانيا إلى شمال إفريقيا للوصول إلى مصر ودخول بلاد الشام.
باشر لول حملته التنصيرية الأولى في شمال إفريقيا، بعد أن عبر إلى تونس؛ قادما من مدينة جنوى الإيطالية سنة 1292م. إلا أنه اُتهم بالشرك والدعوة للكفر؛ فحكم عليه بالإعدام ثم خُفف إلى النفي، إلا أنه لم يلبث إلا خمس سنوات ليعود سنة (1307)؛ معاودا الكرة إلى شمال إفريقيا، فنزل مدينة بجاية مُصرا على تنفيذ مشروع تنصير المسلمين والبربر منهم بالتحديد، فلم يجد إلا الصد والثورة ضده، فألقي به في السجن لمدة ستة أشهر، ثم يطرد مرة ثانية من البلاد فنزل تونس، وأصر على العودة إليها للمرة الثالثة سنة (1315م)، فنزل بها مدة، وما لبث أن انتقل إلى بجاية؛ فكانت فيها نهايته رجما بالحجارة سنة (1316م).
استمر المغرب الإسلامي يحتل مكانة في فكر دعاة ومؤججي الحروب الصليبية؛ مما جعله عرضة للغزوات والحملات المتكررة دون انقطاع، منها حملة (لويس الثاني البربوني) سنة 1390م، التي اتجهت نحو المهدية وحاصرتها لأكثر من شهرين أُجبر فيها أصحاب تونس بالتعهد بعدم تعرضهم للمسيحيين في بلادهم بأدنى أذى.
لم تتوقف الحملات الصليبية على المغرب الإسلامي حتى إن المؤرخين يقولون: “إن الحروب الصليبية نقلت ميدانها من المشرق إلى المغرب في القرن الخامس عشر على وجه التحديد، من خلال تزعم الإسبان والبرتغاليين لهذه الحملات التي مكنت الإسبان من احتلال بعض الأجزاء الساحلية للجزائر، في حين احتلت البرتغال أجزاء من سواحل الغرب الإفريقي”.
وفي الأندلس كانت الحروب الصليبية ضد الوجود الإسلامي، التي عرفت في الأدبيات الإسبانية بحرب الاسترداد، والتي ذكتها الشعرات الصليبية، وما صاحبها من أعمال إبادة وتنكيل بالمسلمين باسم المسيحية والصليب، وقد انتهت بمحاكم التفتيش وما ارتكبته من فظائع دونتها المصادر المسيحية، من خلال دعوات الباباوات لاستئصال الإسلام من الأندلس وبقرارات من الملوك الأسبان من قتل وإجبار على ترك الإسلام، رغم المعاهدات والتعهدات بحماية معتقدات المسلمين واحترام مساجدهم، إلا أن حملة التنصير والتعذيب والتهجير للمسلمين ازدادت وخاصة بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس سنة 1492م، وظهور ما عرف بمحاكم التفتيش، التي تجبر المسلمين على ترك دينهم، والدخول في المسيحية، أو التعرض لأبشع أنواع التعذيب أو الهروب إلى سواحل شمال إفريقيا هربا بدينهم وأرواحهم.
وما منع الإسبان من احتلال شمال إفريقيا تنفيذا لمشروعهم الصليبي التنصيري، إلا التدخل العثماني بدعوات من مناطق شمال إفريقيا، التي تمثل ليبيا وتونس والجزائر حاليا.
وتعد مرحلة الاستعمار المعاصر مرحلة من مراحل الحروب الصليبية من خلال الحملات التنصيرية – التبشير – التي قامت بها الدول الاستعمارية سواء الاستعمار الإيطالي في ليبيا (1942- 1911)، والاستعمار الفرنسي لتونس (1956- 1881)، والاستعمار الفرنسي للجزائر (1830- 1962)، والاحتلال الفرنسي للمغرب (1912- 1956)، وأول هدف وآخر هدف لهذه الحملات التي شعارها الصليب؛ هو تحويل المسلمين إلى النصرانية طوعا أو كرها، أو القضاء عليهم بإفنائهم عن بكرة أبيهم، ولعل المجازر التي ارتكبتها الحملات الصليبية والاستعمار الحديث في شمال إفريقيا وباقي بلاد الإسلام؛ لدليل حي على إجرام هذا المشروع، الذي لم ولن يتوقف إلا إذا تسلح المسلمون، واستعدوا الاستعداد المادي والمعنوي والعقائدي، الذي يمكنهم من صد أي محاولة لإعادة الكرة عليهم، وليحذروا من غزوهم بأي صورة من صور الحملات المباشرة بالغزو العسكري، أو غير المباشرة بالغزو الثقافي والفكري في عصر العولمة وعصر الاتصالات وهجوم الأفكار المنحرفة، التي آخرها فكرة الإبراهيمية وما سوف تأتي به الأيام القادمة أشد وأنكى.




