عاممقالاتمقالات الرأي

الدولة والنخبة والدبلوماسية في سوريا الحديثة

 

 

الكاتب: د. طالب عبد الجبار الدغيم

 منذ نشوء الدولة السورية الحديثة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، لم يتشكّل القرار الخارجي ضمن فضاء سيادي مكتمل، بل تبلور في سياق ضغوط دولية، وتوازنات مفروضة، وتحولات متسارعة في النظام الدولي. وقد جعل هذا الواقع الدبلوماسية السورية ميدان توتر دائم بين طموح الاستقلال السياسي، وقيود القوة، ومحدودية الإمكانيات والموارد. وإن مقاربة الدبلوماسية السورية بوصفها مرآة لبنية الدولة نفسها، ولطبيعة العقد السياسي الداخلي، وللعلاقة بين السلطة والمجتمع. وتأتي هذه المدونة في سياق فرضية مفادها أن القرار الدبلوماسي السوري تشكّل تاريخياً ضمن سياق غير متوازن ومتوتر بين الفكرة الوطنية وموازين القوة الدولية، وقد انعكس هذا التوتر في تذبذب السياسة الخارجية بين خطاب سيادي كثيف الرمزية، وممارسة براغماتية مقيدة بشروط القوة.

  • الجذور الفكرية للدبلوماسية السورية والفكرة الوطنية

ارتبط تشكّل الدبلوماسية السورية الحديثة بتبلور الفكرة الوطنية في سياق مقاومة الانتداب الفرنسي منذ عام 1920م. فقد انطلقت السياسة الخارجية السورية المبكرة من تصورات سيادية تؤكد حق تقرير المصير، وترفض الوصاية الأجنبية، وتسعى إلى تثبيت الاعتراف الدولي بالدولة الناشئة في المشرق العربي بعد خروج العثمانيين من أراضيها، وخضوعها للوصاية من المنتصرين في الحرب العالمية الأولى (بريطانيا وفرنسا). وكانت النخبة السياسية السورية (الكتلة الوطنية والأحزاب اليسارية والإسلامية حينذاك) في الأربعينيات والخمسينيات تنظر إلى الدبلوماسية بوصفها امتداداً للنضال الوطني، وأداة لترسيخ الاستقلال وبناء شبكة علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والكبرى.

غير أنّ الفكرة الوطنية نفسها لم تكن متجانسة، بل حملت في طياتها توترات بين النزعة القومية العربية، والتصورات القطرية للدولة السورية، والانفتاح على مشاريع وحدوية أوسع. وقد انعكس هذا التوتر في تذبذب الخيارات الدبلوماسية بين التركيز على الإطار الوطني، والانخراط في مشاريع إقليمية كبرى، أبرزها تجربة الوحدة مع مصر. وفي هذا السياق، لم يكن القرار الخارجي نتاج مؤسسات مستقرة، بل نتيجة تفاعل بين رؤى أيديولوجية متنافسة داخل النخبة السياسية السورية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي.

في مرحلة الانتداب الفرنسي وما تلاها من سنوات الاستقلال الأولى، لم تكن وزارة الخارجية السورية جهازاً بيروقراطياً مستقراً، بل كانت فضاءً سياسياً نخبوياً تتقاطع فيه دبلوماسية الاعتراف الدولي مع صراعات الشرعية الداخلية وهشاشة السيادة. ففي ظل غياب دولة مكتملة الأركان، أدّت السياسة الخارجية وظيفة مزدوجة: مقاومة الوصاية الخارجية من جهة، والسعي إلى تثبيت كيان سياسي ناشئ من جهة أخرى.

ولقد برز في هذه المرحلة دور شخصيات مثل فارس الخوري، الذي تولّى حقيبة الخارجية أكثر من مرة خلال الأربعينيات، ومثّل نموذج الدبلوماسي القانوني. فقد استثمر الخوري أدوات القانون الدولي ومنابر الأمم المتحدة لتكريس الاعتراف بسوريا دولةً مستقلة ذات سيادة، رابطًا السياسة الخارجية بمفهوم الشرعية القانونية لا بالقوة المادية. وقد كان الخوري يتحرك باسم دولة تسعى إلى التأسيس والاستقلال الوطني.

إلى جانبه، لعب جميل مردم بك، الذي تولّى وزارة الخارجية ورئاسة الحكومة، دور الدبلوماسي المفاوض في مواجهة الانتداب الفرنسي. فقد قاد مفاوضات الاستقلال، مجسّداً دبلوماسية النخبة المدينية التي حاولت انتزاع أكبر قدر من السيادة ضمن توازنات دولية غير عادلة. غير أن هذه الدبلوماسية، رغم براعتها التفاوضية، ظلّت محكومة بحدود القوة الاستعمارية وبضعف القاعدة الاجتماعية للدولة الناشئة. ولا ننسى الأدوار التي لعبها زعماء وطنيين أمثال هاشم الأتاسي وخالد العظيم ورشدي الكيخيا في بلورة المشهد الدبلوماسي وصياغة الرؤية الدبلوماسية الخارجية في سوريا خلال مرحلتي الانتداب الفرنسي والاستقلاال.

وهكذا، تشكلت الفكرة الوطنية السورية، وقد كانت مشوبة بتوترات داخلية عميقة. فقد تداخلت فيها النزعة القطرية مع القومية العربية، والتصور الدستوري الليبرالي مع الموروث السلطاني العثماني، ما حال دون تبلور تصور موحّد للدولة وحدودها ووظيفتها. ومن منظور فلسفة الدولة، يمكن القول إن سوريا نشأت كـدولة سابقة على الأمة السياسية، أيّ كيان قانوني لم يسبقه توافق اجتماعي راسخ حول معنى الانتماء والشرعية. وانعكس هذا الخلل التأسيسي مباشرة على قيم الدبلوماسية والعلاقات الدولية، التي افتقرت إلى قاعدة داخلية صلبة تسند خطابها الخارجي. فغدت السياسة الخارجية السورية ميداناً لإسقاط لصراعات النخب، أكثر منها تعبيراً عن إرادة اجتماعية وثقافية سياسية متبلورة.

  • النخب المدنية وإشكالية التمثيل وبناء الدولة

في مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني عام 1946م، انتقلت النخب المدنية السورية من موقع المعارضة الوطنية إلى موقع إدارة الدولة الناشئة، دون أن تمتلك أدوات التحول من نخبة معارضة إلى نخبة حكم وطني مؤسسي. فقد ورثت هذه النخب دولة ضعيفة البنية، ومحدودة الموارد، ومثقلة بتناقضات اجتماعية ومناطقية، دون أن تنجح في تفكيك هذه التناقضات أو إعادة دمجها في مشروع وطني جامع.

وفي مرحلة الاستقلال (1946–1949)، برزت شخصيات مثل سعد الله الجابري، الذي شغل حقيبة الخارجية ورئاسة الحكومة، وعبّر عن انتقال السياسة الخارجية من خطاب التحرر إلى خطاب الدولة الوطنية. غير أن هذه المرحلة كشفت سريعاً عن مأزق الدبلوماسية السورية: دولة مستقلة قانونياً، لكنها هشّة مؤسسياً، ما جعل القرار الخارجي عرضة للاهتزاز أمام الضغوط الإقليمية والدولية.

  • الانقلاب العسكري وتحول الدولة إلى بنية أمنية

مثّل صعود النخب العسكرية إلى السلطة منذ عام 1949 نقطة قطيعة حاسمة في مسار الدولة السورية. فمن منظور فلسفة السلطة، انتقلت سوريا من دولة تسعى – ولو نظرياً – إلى التمثيل السياسي، إلى دولة تؤسَّس على منطق السيطرة والطغيان العسكري (العسكرتارية). وقد أعاد هذا التحول تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الداخل والخارج.

في هذا السياق، تحوّلت الدبلوماسية من مجال تفاوضي عقلاني إلى أداة وظيفية في خدمة الأمن السياسي للنظام والطرف العسكري الذي يحكم. وأُعيد تأطير السياسة الخارجية ضمن منطق الصراع الوجودي، حيث اختزلت المصالح الوطنية في بقاء السلطة، والعمل على بناء التحالفات الخارجية وفق معيار الولاء والسند وليس المصالح المتبادلة، والندية على قدم المساواة. وأدّى ذلك إلى تهميش البعد الاقتصادي والثقافي للدبلوماسية، وإلى إفراغها من بعدها المؤسسي، وتحويلها إلى جهاز تنفيذي خاضع لاعتبارات أمنية آنية، ما قلّص قدرتها على قراءة التحولات الدولية بمرونة تاريخية. وفي كل مرة يسعى فيها جنرال للانقلاب داخل المؤسسة العسكرية، ينال الدعم من دولة إقليمية وأخرى دولية، وهو حال الزعيم الذي تحالف مع المحور الأمريكي والسعودي والمصري، والحناوي الذي جاء بدعم بريطاني وعراقي، بما يخدم مصالح وسياسة تلك الأطراف، وأهمية سوريا في قلب تلك المصالح، وهكذا.

وفي فترة الخمسينيات وبداية الستينيات، تولّى وزارة الخارجية وزراء مثل صلاح الدين البيطار ومعروف الدواليبي، حيث تزاوجت الدبلوماسية مع الأيديولوجيا القومية والاشتراكية الصاعدة. وفي هذه المرحلة، تحوّلت السياسة الخارجية من دبلوماسية الاعتراف وبناء الدولة إلى دبلوماسية المشروع الأيديولوجي، ولا سيما في سياق الوحدة مع مصر (1958–1961). وهنا فقدت وزارة الخارجية جزءًا كبيرًا من استقلاليتها، إذ أُخضعت لمركز قرار فوق وطني، ما مهّد لانحسار الدور المؤسسي للدبلوماسية لصالح القرار السياسي العسكري.

  • الحرب الباردة وارتهان القرار الخارجي

في ظل الاستقطاب الدولي الحاد خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وجدت سوريا نفسها مندمجة في نظام تحالفات غير متكافئة. فمن منظور الواقعية السياسية، شكّل التحالف مع الاتحاد السوفييتي محاولة لتعويض الضعف البنيوي للدولة، لكنه في الوقت ذاته رسّخ تبعية استراتيجية حدّت من استقلال القرار الخارجي.

ولقد باتت الدبلوماسية السورية في تلك المرحلة أسيرة منطق المحاور، ومتمحورة حول إدارة الصراع العربي–الإسرائيلي، وطموحات الولايات المتحد في ملئ الفراغ الأمني في الشرق الأوسط، وكانت تلك الرؤية السورية على حساب بناء استراتيجية خارجية متعددة الأبعاد. وأدّى هذا التمركز الأمني إلى إضعاف القدرة على الاستثمار في الدبلوماسية الاقتصادية، أو بناء شبكات علاقات مرنة مع قوى دولية صاعدة.

كما عمّق احتكار القرار داخل دائرة ضيقة من النخبة العسكرية – الأمنية – الحزبية، فجوةً معرفية بين الدولة السورية والعالم، حيث أُديرت السياسة الخارجية بعقلية صراعية ثابتة، وبمنطق أيديولوجي، فترى هذا الجنرال مع ذاك الحزب أو تلك الدولة، ولم يكن هناك عقل استراتيجي قادر على التكيّف مع التحولات البنيوية في ماهية النظام الدولي.

ويمكن القول إن الدبلوماسية السورية بين 1920 و1963 أدّت دوراً تأسيسياً بالغ الأهمية، لكنها ظلّت أسيرة معادلة غير متوازنة؛ نخب تمتلك الوعي الدبلوماسي والقدرة التفاوضية، مقابل دولة ضعيفة البنية ومجتمع لم يُدمَج بعد في مشروع سيادي جامع.

  • الدبلوماسية السورية في عهد نظام الأسد (1970–2024)

مثّل وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 نقطة تحوّل جذرية في بنية الدبلوماسية السورية، إذ انتقلت السياسة الخارجية من كونها مجالاً متأثراً بتقلّبات النخب والانقلابات إلى أداة مُدمجة داخل نموذج الدولة الأمنية. فمنذ انطلاق ما سمي “الحركة التصحيحية”، أعاد النظام السوري تعريف الدبلوماسية بوصفها “دبلوماسية سلطوية” تخدم استقرار السلطة، وليست تعبيراً عن عقد اجتماعي أو إرادة وطنية تعددية. وبذلك، أُخضعت السياسة الخارجية لمنطق العقل الأمني، حيث باتت تُدار من مركز القرار الرئاسي، ضمن شبكة ضيقة من الولاءات، مع تراجع استقلالية وزارة الخارجية بوصفها مؤسسة.

في هذا السياق، لعبت شخصيات دبلوماسية بارزة أدواراً محورية، لكن ضمن هوامش محددة سلفاً. فقد شكّل عبد الحليم خدام أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، خصوصاً في إدارة الملف اللبناني والعلاقات العربية. وجسّد خدام نموذج الدبلوماسي السياسي، الذي يجمع بين التفاوض الخارجي وتنفيذ الرؤية الأمنية للنظام، حيث كانت الدبلوماسية امتدادًا مباشرًا للقرار السياسي المركزي. وأما فاروق الشرع، فقد مثّل الوجه الدبلوماسي الأكثر حضوراً للنظام السوري على الساحة الدولية، لا سيما خلال مرحلة مفاوضات السلام في مدريد وواشنطن. غير أن دوره، رغم طابعه التفاوضي الرفيع، ظل محكومًا بسقف استراتيجي صارم، إذ جسّد الدبلوماسية السورية بوصفها دبلوماسية إدارة الصراع لا حله.

ومع انتقال السلطة إلى بشار الأسد عام 2000، بدا في البداية أن ثمة محاولة لإعادة تدوير الدبلوماسية السورية بلغة أكثر حداثة وانفتاحاً، خصوصاً عبر شخصيات مثل وليد المعلم، الذي مثّل نموذج “الدبلوماسي البيروقراطي” الملتزم بخطاب الدولة الرسمي في مواجهة الضغوط الغربية.

وبعد عام 2011، دخلت الدبلوماسية السورية مرحلة الانكماش الوظيفي، حيث تحولت من إدارة المصالح إلى تبرير البقاء السياسي والدفاع عن شرعية متآكلة. وأصبح دور وزارة الخارجية، ومن تبقّى من الدبلوماسيين، محصورًا في الدفاع الخطابي عن النظام داخل المنظمات الدولية، بينما انتقل القرار الحقيقي إلى الحلفاء الخارجيين، خصوصًا روسيا وإيران.

  • الدبلوماسية السورية بعد سقوط نظام الأسد؛ إدارة التناقضات وإعادة التوازن

مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر عام 2024، ودخول سوريا مرحلة سياسية انتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، شهدت الدبلوماسية السورية تحوّلاً نوعياً في منطلقاتها ووظائفها، إذ انتقلت من كونها أداة لتبرير البقاء السلطوي إلى محاولة إعادة تعريف السياسة الخارجية بوصفها مجالاً لإعادة إدماج الدولة السورية في النظامين الإقليمي والدولي. وقد تجلّى هذا التحول في الخطاب والممارسة الدبلوماسية التي قادها وزير الخارجية أسعد الشيباني، والذي مثّل جيلاً مختلفاً من الدبلوماسيين، سعى إلى تجاوز ثنائية المحور الواحد، والانفتاح المدروس على تعددية الشراكات.

في هذا السياق، ارتكزت الاستراتيجية الدبلوماسية الجديدة على منطق التوازن المرن بين المحاور، بدل الارتهان الصلب لأي قوة كبرى. فمن منظور الواقعية المركّبة، أدركت القيادة الجديدة أن موقع سوريا الجيوسياسي لا يسمح بسياسة خارجية تصادمية، ولا بسيادة مكتملة في المدى القصير، بل يفرض مقاربة تراكمية تقوم على تنويع العلاقات، وإدارة التناقضات الدولية بدل الانخراط فيها. وقد انعكس ذلك في إعادة فتح قنوات الحوار مع القوى الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بهدف تخفيف العزلة والعقوبات، بالتوازي مع الحفاظ على علاقات محسوبة مع روسيا والصين، بوصفهما فاعلين دوليين لا يمكن تجاهلهما في معادلات إعادة الإعمار والأمن الإقليمي.

وعلى المستوى الإقليمي، سعت الدبلوماسية السورية الجديدة إلى إعادة الانخراط في الفضاء العربي. غير أنّ هذه الدبلوماسية، رغم خطابها المتوازن، ظلّت محكومة بقيود بنيوية ثقيلة: هشاشة الداخل، وتعدد مراكز التأثير الخارجي، واستمرار الملفات الأمنية المتشعبة مع لبنان والعراق والخليج وإسرائيل. ومن ثم، يمكن توصيف هذه المرحلة بأنها دبلوماسية انتقالية، تحاول الانتقال من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “إعادة التموضع”، دون أن تمتلك بعدُ كامل أدوات السيادة أو الاستقلال الاستراتيجي.

تُظهر التجربة السورية أن الدبلوماسية نتاج عقد سياسي داخلي، ونخبة قادرة على تحويل الفكرة الوطنية إلى مؤسسات، وعلى ترجمة الموقع الجيوسياسي إلى قوة تفاوضية. وإن إعادة بناء الدبلوماسية السورية إلى حيز الاستقلال الاستراتيجي، تقتضي إعادة تأسيس الدولة ذاتها؛ دولة القانون، والمؤسسات، والشرعية التمثيلية، والقادرة على إنتاج سياسة خارجية عقلانية، وبراغماتية وواقعية، ومتعددة المسارات.

 

 

Related Articles

Back to top button