العلماء بين المشيخة ووراثة النبوة

الشيخ د. سالم الشيخي
علَّمتني تجربة الحياة وبالخصوص العمل في الإصلاح الأسري، والانخراط ببعض الأعمال العلميّة والعُلمائيّة المؤسسيّة، أنّه ليس كلُّ من تزيّا بزيِّ العلماء، ولا كلُّ من تصدَّر للحديث عن قضايا الإسلام وأحكامه، يكون وارثًا حقيقيًّا للنبوة، وإنّما قد يكون ممن يُوصَفون بالمشايخ على معنى مجتمعي خاص، فالمشيخة – بمعناها الشائع اليوم – قد تتحوّل عند بعض الناس إلى منصبٍ اجتماعي أو صورةٍ شكليّة لها طقوسها وهيبتها وامتيازاتها، بينما وراثة النبوة مقامٌ رساليٌّ وأخلاقيٌّ وتربويٌّ وسلوكيٌّ، يقوم على العلم المستخلص من أنوار الوحي، والمتزيِّن بتوجيهات النبوة وأخلاقيّات المرسلين.
علينا أن نوقن أنّ العالم حتى لو تلقّى علمه من مصادره، وأخذه بمناهجه، وحفظ متونه، وتعلّم قواعده وأصوله فإنّه مُطالَب- قبل أن يكون شيخًا في أعين الناس- أن يكون وارثًا للنبي ﷺ في علمه وحاله وأخلاقه وسلوكه وهديه ومنهجه ومواقفه واهتماماته قدر المستطاع؛ أن يكون وارثًا للنبوة في بيته، ومع أهله، وفي عمله، وفي مسجده ومؤسسته، وفي جميع معاملاته، فالعلم الحقيقي ليس تراكُمًا للمعلومات والمحفوظات، بل هو تحوُّلٌ في الشخصية العلميّة، وتهذيبٌ لنفسها، وانضباطٌ بالهدي والقيم والأخلاق التي بُعث بها النبي ﷺ، ونزل بها الوحي من عند الله.
العلماء – كما في الحديث النبوي – ورثة الأنبياء، وهذه الوراثة لا تعني وراثة المعلومات والمفاهيم فقط، بل هي وراثةٌ للرسالة الإلهيّة في روحها ومقاصدها؛ فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يُبعثوا ليُنشئوا طبقةً اجتماعيّة متعالية، ولا ليؤسّسوا لأنماطٍ جامدة من التدين، بل بُعثوا رسل هداية، ومنارات نجاة، وكانوا رحمةً للناس، وقدوةً لهم في جميع مجالات حياتهم الخاصة والعامة.
إنّ الذي نراه في واقعنا أحيانًا هو تحوُّل بعض العلماء إلى شيوخ بالمعنى الاجتماعي الضيّق: صورةٌ لها طقوسها، وهيبةٌ لا تحتمل النقد، ومكانةٌ لا تقبل الحوار. شيخٌ يضيق صدره بالمخالفة في أدنى درجاتها، ويتعامل بعصبية مع الأسئلة إذا جاءت على غير مزاجه، وقد يشعر بالإهانة إن لم يُعامل بوصفه عالمًا له سمته الخاص وهيئته المميِّزة. لكن هذه المظاهر – مهما كانت مشروعة في أصلها – لا تصنع وارثًا للنبوة إن لم تُرافقها أخلاق النبوة وسمات أصحاب الرسالة.
إنّ أخطر ما في هذا التحوّل أن تتحوّل القسوة في البيت، وسوء الخلق مع الأهل، والغِلظة في المعاملة مع الناس، وردود الأفعال المتشنجة عند كل خلاف، إلى انتصارٍ للنفس تحت غطاء الدفاع عن مكانة العلماء ومنزلة الدين. نعم نحن لا نقبل أيّ مساس بمكانة العلماء، لكنّنا لا نقبل أيضًا أن يتحوّل العلم الشريف إلى أداةٍ للهيمنة المعنويّة على الآخرين خاصة في بيوتنا ومؤسّساتنا ومساجدنا ومدارسنا، لا نقبل أن يفقد العلم الروح التي تجعله وسيلةً للهداية ومنهجًا للنجاة، ووعاءً للرحمة بعباد الله أجمعين.
إنّ الفارق الجوهري بين المشيخة المزعومة ووراثة النبوة هو أن الأولى قد تكتفي بالهيئة والمكانة والدور الاجتماعي، بينما الثانية تقتضي تحوّلًا داخليًّا عميقًا في نفس العالم، ينعكس في الارتقاء بأخلاقه، وسعة صدره عند الخلاف، وعدله مع الناس كافّة، ورحمته في الدعوة إلى دينه، وصدقه مع نفسه قبل الناس، فوارث النبوة لا يخاف النقد، بل يفرح بالحق حيثما ظهر، ولا يستنكف عن الاعتراف بالخطأ، ولا يتعالى على من يخالفه؛ لأنّه يعلم أنّ قيمة العلم في أثره السلوكي والأخلاقي، لا في رمزيته الاجتماعيّة.
وخلاصة القول: نحن بحاجة إلى علماء يذكّرون الناس بميراث النبوة في أخلاقهم قبل أقوالهم، وفي مواقفهم قبل فتاواهم، وفي بيوتهم قبل منابرهم. علماء إذا رأيتهم ذكّروك بسيرة النبي ﷺ في حلمه وتواضعه ورحمته، لا بمجرد صورة الشيخ وهيبته، فهذه هي وراثة النبوة الحقيقيّة، وما عداها – مهما بدا برّاقًا – قد لا يكون إلا مشيخةً بلا روح، ومكانةً بلا رسالة، ومظهراً بلا أثر.



