القرآن الكريم دستور القيم الذي يبني ولا يهدم

بقلم: د. علي محمد محمد الصلابي
ومن خصائص القرآن الكريم أنّه كتابُ الإنسانيةِ كلِّها؛ الذي خاطب الله تعالى به جميعَ البشر إلى يوم القيامة، فلم يُقيّد بزمان، ولا بمكان، ولا جنس ولا طبقة، بل هو موجَّهٌ إلى الثقلين، خاطبهم جميعاً بما يسعدهم في الدنيا والآخرة من العقائد الصحيحة، والعبادات الحكيمة، والأحكام الرفيعة، والأخلاق الفاضلة؛ التي تستقيم بها حياتهم.
ولقد تضافرت نصوصُ الكتاب والسنة وإجماعُ الأمة على عالمية القرآن. (عظمة القرآن الكريم، محمود الدوسري، ص (110))
ومن الآيات التي صرحت بعالمية القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقرآن مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ [الإسراء: 89]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقرآن مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 27]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بَوَكِيلٍ﴾ [الزمر: 41].
فالقرآن لا يخاطِبُ صنفاً واحداً من البشر له تجاه عقلي أو نفسي معين، مغفلاً عن عداه من الأصناف ذوي الاتجاهات المتعددة، كلا، إنه يخاطِبُ كل الأصناف، ويشبعُ كلَّ الاتجاهات الإنسانية السوية، في توازنٍ لا يقدر عليه إلا منزل القرآن، وخالق الإنسان.
1 ـ إن طالب الحقيقة العقلية يجدُ في القرآن ما يرضِي منطقه، ويأخذ بلبه إذا سمعه يصيح بالعقل أن ينظر ويفكر في ملكوتِ السماواتِ والأرض، وما خلق الله من شيء.
- وأن يعتمـد على البرهـان وحـدَه فـي العقـليات. قـال تعـالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:111].
- وعلى المشاهدة والتجربة في الحسيات، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 185].
- وعلى الصدق وتوثيق الرواية في النقليات، قال تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف 4].
ويكفي أنَّ مشتقات العقل مثل ﴿يَعْقِلُونَ ً وتَعْقِلُونَ﴾، ذكرت في القرآن ثمانياً وخمسين وذكرت مشتقات الفكر سبع عشرة مرة، وذكرت كلمة ﴿الأَلْبَابِ﴾، أي: العقول ستّ عشرةَ وهذا غير الآيات التي اشتملت على كلمات ومشتقات أخرَ مثل: «النظر»، و«الاعتبار» و«التدبر» و«الحجة» و«البرهان» و«النهى» و«الحكمة» و«العلم» ونحو ذلك مما يبحث عنه طلاّب الحقائق العقلية، فلا يجدونه في كتاب ديني غير القرآن.
2ـ والباحث عن الحقيقة الروحية يجدُ في القرآن ما يرضي ذوقه، ويغذي وجدانه، ويشبِعُ نهمه وتطلعاته في افاق الروح، في مثل قصة موسى والعبد الصالح، الذي قال الله فيه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65].
يجد الباحثُ عن «الإيمان» في الخطاب القرآني ما ينشئ الإيمان البصيرَ بالله ورسالاته ولقائه وجزائه، ويطارِدُ الجحود والشك والنفاق، ويقيم الأدلة الناصعة على وجود الله تعالى، وعلى وحدانيته، وعظيم قدرته، وبالغ حكمته، وواسعِ رحمته، وعلى بعثه رسله ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. وعلى عدالة الجزاء في الآخرة: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: 31].
ويجلي له القرآن مصيرَ المؤمنين نجاةً وحياةً طيبةً في الدنيا، وفلاحاً في الآخرة، ومصيرَ المكذّبين: شقاء في الدنيا، وعذاباً في العقبى. (كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟، يوسف القرضاوي، ص (60))
الإيمان في القرآن يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق، ويسامح ولا يتعصب، فهو يوجب الإيمانَ بكلِّ كتاب أنزل، وبكلِّ نبي أرسل، قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285].
3ـ والحريص على القيم الأخلاقية يجدُ في القرآن ضالته وطلبته، وإذا كان موضوع الأخلاق هو «الخير» فالقرآن قد دلَّ على «الخير» كما هدى إلى «الحق» وقد جعلَ فعلَ الخيرِ إحدى شعب ثلاثة لمهمة المجتمع المسلم، قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج 77].
ولكنّه لم يكتفِ من المسلم بفعل الخير، بل طلبَ منه أن يدعو إلى الخير، ويدلّ عليه، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: 104].
4ـ وعاشق القيم الجمالية يجد في القرآن ما ينمّي حاسته الجمالية، ويغذّي شعورَه الفنّي، وذلك بما لفتَ إليه القرآن الأنظارَ من الاستمتاع بجمال الطبيعة في السماء، ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: 16]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: 5]. وجمال الطبيعة في الأرض ابتداء من جمال النبات، قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: 5]. وقال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: 60]. وجمال الحيوانات ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: 6]. وجمال الإنسان ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: 3]. وجمال المخلوقات كلّها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88].
ووراء ذلك كلّه ما احتواه أسلوب القرآن ذاته من جمال بياني معجز في نظمه ومعناه، وفي شكله ومضمونه، وصفه المشركون أنفسهم فقالوا: إنّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدِقٌ، وإنّه يعلو ولا يعلى عليه. (الإيمان بالقرآن الكريم، د. علي الصلابي، ص49)
المراجع:
الإيمان بالقرآن الكريم والكتب السماوية، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير – دمشق، ط1، 1431هـ – 2010م.\
- عظمة القرآن الكريم، محمود بن أحمد بن صالح الدوسري، دار ابن الجوزي – الدام، ط1، 1426هـ.
- كيف نتعامل مع القرآن العظيم، يوسف القرضاوي، دار الشروق، 1421ه – 2000م.




