عاممقالاتمقالات تربوية

القرآن والسنة والتراث .. ودعاوى التحديث (4 من 4)

د. عطية عدلان

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

عادة ما يخرج الحداثيون على الناس في حالة من الاختيال والانتفاش؛ وربما كانت هذه الهيئة المصطنعة إحدى أهم وسائل الإرهاب الفكري الذي يمارسونه على المسلمين، فَمَنْ سمع منهم أو قرأ لهم أخذته رعدة من هول ما يسمع وما يرى، ومِن وقْعِ الفرقعات اللفظية التي لها ما للرطانة من اختلاب الألباب واستلاب الإعجاب، حيث يكثرون من ذكر مصطلحات غربية غريبة عن مسامع المسلمين، من مثل “الفيلولوجيا” و”الهرمنيوطيقا” و”المينوفينولوجيا”، وغيرها، مع بعض الألاعيب اللفظية التي تعتمد على الاشتقاق البرّاق؛ عندئذ – وتحت سطوة الإبهار – تكون منافذ المتلقي قد تفتحت كما تتفتح الإسفنجة، وتهيّأت لامتصاص كل ما يقترب منها، بينما هؤلاء في واقع الأمر ليسوا سوى حواة وملاعبي قرود.

قد خبرنا هؤلاء فوجدناهم قد وقعوا في فخ الانبهار الذي يريدون إيقاع المسلمين المحصَنين الغافلين فيه، فمن قرأ لهم أو سمع منهم، وكان له شيء – ولو قليل – من الاطلاع على أقوال المستشرقين الحانقين على الإسلام والمسلمين، من أمثال جولدتسيهر وشاخت وأرنست رينان ونيللينو ومرجليوث وغيرهم؛ تأكد له أنّهم ليسوا سوى مقلدين عميان، يمشون وراء هؤلاء الخبثاء معصوبي الأعين، ونحن نراهم وكأنّهم الذين أبدعوا الإبداع ذاته، هذه – مع الأسف – هي الحقيقة، حقيقة الحداثيين العرب، من أمثال حسن حنفي ونصر حامد أبو زيد ومحمد عابد الجابري وعبد المجيد الشرفي ومحمد أركون وغيرهم.

لقد غفل هؤلاء – أو بالأحرى تغافلوا – عن حقيقة واضحة وضوح الشمس الساطعة، وهي أنّ تراث الأمة الأوربية – ومثلها سائر الأمم خلا أمة الإسلام – شيءٌ، وتراثُ أمّتنا شيء آخر مختلف؛ فتراثنا نشأ ونَمَا عبر تراكمية علمية، تواصلت مراحلها وتزاحمت مناكبها، واطَّرَد تيَّارُها الجارف، بلا انقطاع يفصل اللاحق عن السابق، ولا اضطراب يضعضع الطريق أو يخخل المسار، هذه المسيرة المباركة توسطها الإسناد كما يتوسط العمود الفقريّ جسد الإنسان الكامل، وعَضَّدَها تواترُ هيكلِها العامِّ ونظامِها الكلّيِّ، تواترًا يجعل من هذا الهيكل العام وهذا النظام الكليّ قوةَ جذب كتلك التي تتوسط المجرة وتنتظمها فتمسكها من الاندثار وتحْرِزُها من الانحلال، هذه هي الحقيقة التي تُعَدُّ مصدر قوة وثقة لهذه الأمة كما تُعَدُّ شاهد حقّ وعدل على جدارة هذا الدين بأن يكون رسالة عالمية خاتمة، ولولا ذلك لما تحقق لهذه الأمة ما وصفها الله به: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً ‌وَسَطاً ‌لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة: 143).

وعلى كثرة النوائب التي حلّت بالأمة منذُ نشأتها إلى يوم الناس هذا؛ لا يمكن لدراسة جادّة صادقة أن تقف على هوة في المسيرة تمثل انكسارًا حادًّا أو انقطاعًا صارخًا، فلم تزل حلقات الإسناد متصلة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصر التدوين، بل وظلّت ممتدة حتى طعنت في القرون المتطاولة بعد عصر التدوين، ومنذ عصر التدوين – بل قبله – لم تزل طبقات الفقهاء وطبقات المحدثين وطبقات المفسرين وطبقات المذاهب، لم تزل متصلة، كل طبقة تسلم إلى التي تليها وتمسك بذيل التي تسبقها، فكل راو في كل طبقة وكل فقيه في كل مذهب معروف من هم شيوخه ومن هم تلاميذه وفي أيّ مرحلة تقع مؤلفاته.

ومن فضل الله على هذه الأمة – إضافة لما مضى – أنّها جاءت في مرحلة وضعت فيها البشرية قدمها على طريق صاعد تستعصي فيه المسيرة العلمية على الكوارث التي تعصف بالحقائق الراسية، ثمّ إنّ هذا الدين تحديدًا – ربّما لأجل عالمية الرسالة وبقائها – اختصّه الله بنعمة كبيرة، وهي أنّه سبحانه تولى بذاته العليّة حفظ كتابه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا ‌لَهُ ‌لَحافِظُونَ) (الحجر: 9)، بخلاف الأمم التي استحفظها الله على كتابه: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ ‌بِمَا ‌اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ) (المائدة: 44)، وحفظ الكتاب حفظ للسنة؛ لأنّه لا يتصور عقلًا أن تكون السنة بيانًا للقرآن ثم يحفظ القرآن ولا تحفظ السنة، وحفظ السنة حفظ للقرآن ومن أدوات حفظه.

أمّا ما خلا أمة الإسلام من الأمم فالأمر فيها على الضدّ والنقيض، وليست الأمة الأوربية بأقلّ من غيرها عرضة لما تعرضت له الأمم من تشوهات خلخلت وضعضعت بنية التراث، على كلّ المستويات، العلمي والادبي والديني، والفرق بين تراث أهل الكتاب وتراث المسلمين كالفرق بين قلعة صلاح الدين في القاهرة وآثار قوم لوط في قرى المؤتفكات، فلا يعرف سند لأي كتاب مقدس عندهم ينسب للرب، لا العهد القديم ولا اناجيل العهد الجديد، لا يعرف لواحد منها سندًا ولو كسند الحديث الضعيف الذي يتوقف عن العمل به جلّ علماء الأمة الإسلامية، ولا ينكر باحث ولو كان غير جاد ولا صادق أن ينكر أنّ التراث المسيحيّ تعرض لكوارث من النوع الذي يقصم فقار المرويات ويضعضع بنية الدين.

وهذا هو العامل الحاسم في توجه العلوم الإنسانية في الغرب إلى آلات الحفر المعرفي علها تقترب من بعض اليقين في بعض ما حملته المسيرة العلمية والدينية والأدبية من آثار، فنشأت المدارس اللسانية، والمذاهب البنيوية، واخترعت المعدات التي تحفر في صحراء التاريخ الأوربي لتصل إلى ما يمكن أن تبني عليه شيئًا من اليقين، مثل الفيلولوجيا، والهرمنيوطيقا، وغيرها، فهم في حاجة إليها أمّا نحن فلسنا بحاجة إلى شيء من ذلك؛ وما حاجة الصحيح لدواء العليل؟! ولو قال أحد بأنّه بالإمكان استيراد بعض أجزاء من هذه المعدات وتركيبها في جسم “أصول الفقه” بشروطنا لا بشروط المورد؛ فلربما ساغ ذلك، أمّا أن يقفز الحداثيون كالقرود العارية من كل ستر؛ فرحين بما أوتوا، ومطالبين بتنحية يد الأوائل؛ ليتسنى لهم الدخول بمعدات “شلايرماخر” و”دلتاي” و”هايدغر” و”غادامير” و”دي سوسير” و”ليفي ستراوس” و”ميشيل فوكو”، من أجل اكتشاف ما لم يكتشفه الصحابة والتابعون وسلف الأمة اجمعون من القرآن؛ فهذا أقل من أن نصفه بالخرف والهذيان، ومدعوه أقلّ وأذلّ من أن يقال لهم اخسئوا.

ولعلها مناسبة تحتم علينا قبل المضيذ قدمًا أن نقف عند بعض هذه المصطلحات وقوفًا سريعًا؛ ليس على وجه القبول أو الردّ، فإنّ الإشكالية ليست في الآلية المحايدة، إنّما الإشكالية في المنهج التشكيك عند المستشرقين وأذنابهم وأبواقهم من الحداثيين، فهذه نبذة سريعة عن أهم تقنيات الحفر الحداثي.

أولًا الفليلوجيا

التحليل الفيلولوجي هو منهج علمي يهدف إلى فهم النصوص من خلال دراسة لغتها وتاريخها وسياقها الثقافي الأصلي، أي محاولة الوصول إلى المعنى الأقرب لما قصده المؤلف في زمن إنتاج النص، وما يفعله الباحث الفيلولوجي عملياً يتلخص في الخطوات الآتية: الخطوة الأولى: تحليل اللغة الأصلية للنص: المفردات ومعانيها في عصرها .. تطور دلالة الكلمات عبر الزمن .. الخصائص النحوية والبلاغية، الخطوة الثانية: فحص النسخ والمخطوطات: مقارنة النسخ المختلفة للنص .. كشف الأخطاء الناتجة عن النسخ اليدوية .. محاولة إعادة بناء النص الأصلي الأقرب “وهذا ما يسمى أحياناً: التحقيق النصي، الخطوة الثالثة: دراسة السياق التاريخي والثقافي: البيئة الفكرية لصاحب النص .. المصطلحات الرائجة في عصره .. الأحداث السياسية أو العلمية المؤثرة، الخطوة الرابعة: تحليل المصطلحات الفنية: فكثير من العلماء يستخدمون مصطلحات لها معنى خاص داخل مدرسة معينة، ولا تُفهم بدقة إلا بالعودة إلى سياقها العلمي.

ثانيًا: الهرمنيوطيقا

الهرمنيوطيقا مصطلحٌ فلسفي يُقصد به علم التأويل وفهم النصوص؛ أي: القواعد والمناهج التي تساعدنا على تفسير المعاني الكامنة في النصوص الدينية أو الأدبية أو القانونية أو الفلسفية، وفهمها في سياقها الصحيح، والهرمنيوطيقا تقوم على سؤال مركزي: كيف نفهم النص؟ هل نفهمه وفق قصد القائل؟ أم وفق سياقه التاريخي؟ أم وفق تجربة القارئ وفهمه الخاص؟

مراحل تطور الهرمنيوطيقا باختصار:

1. مرحلة التفسير الديني: خاصة تفسير الكتب المقدسة.

2. المرحلة الفلسفية الحديثة: مع شلايرماخر ودلتاي، حيث أصبحت نظرية عامة لفهم النصوص.

3. الهرمنيوطيقا الفلسفية المعاصرة: مع هايدغر وغادامير، حيث توسع المفهوم ليشمل فهم الإنسان للعالم كله، لا النصوص فقط.

الهرمنيوطيقا واللسانيات والبنيوية كلها تدور حول مشكلة المعنى وكيف نفهم النص، لكنها تختلف في زاوية النظر والمنهج، فنقطة الالتقاء العامة هي أنّ الثلاثة تشترك في سؤال واحد تقريباً: كيف يتولد المعنى داخل النص أو اللغة؟ فالهرمنيوطيقا: تركز على فهم النص وتأويله، واللسانيات: تدرس بنية اللغة التي يُبنى بها النص، والبنيوية: تبحث في الأنظمة والبُنى العميقة التي تنتج المعنى، أو بعبارة أخرى: اللسانيات والبنيوية تدرسان كيف صُنع النص، والهرمنيوطيقا تركز على كيف نفهم النص.

ومع تطور اللسانيات الحديثة (خاصة بعد سوسير)، بدأ الاهتمام باللغة كبنية لها قوانينها الخاصة، مما أثّر في الهرمنيوطيقا من جهتين، الأولى: توسيع فهم النص؛ إذ لم يعد النص مجرد وعاء لمعنى ثابت، بل صار بنية لغوية تتشكل عبر: الدلالة .. السياق .. العلاقات بين الكلمات، وهذا دفع بعض الهرمنيوطيقيين إلى الانتباه إلى التحليل اللغوي الدقيق قبل التأويل، الجهة الثانية: نقد الفهم النفسي القديم، فالهرمنيوطيقا الكلاسيكية كانت تميل إلى فهم قصد القائل، أما اللسانيات فأظهرت أن اللغة نفسها قد تنتج معاني تتجاوز نية الكاتب.

أمّا علاقة الهرمنيوطيقا بالبِنيوية فهي أكثر تعقيداً؛ لأنها علاقة تقاطع وصراع في الوقت نفسه، فنقاط التقاطع تتمثل في أنّ كليهما يهتم بالنص لا بالواقع الخارجي فقط، وفي أنّ كليهما يرى أن المعنى لا يُفهم بشكل سطحي، فكلاهما تجاوز فكرة القراءة الحرفية المباشرة، أمّا نقاط الاختلاف فهي العميقة؛ فالبنيوية تقول: المعنى نتاج بنية لغوية أو ثقافية موضوعية، لا حاجة للرجوع إلى مقاصد المؤلف أو تجربة القارئ، فالنص نظام مستقل بذاته، والهرمنيوطيقا الفلسفية تقول: إنّ الفهم عملية حية بين النص والقارئ والتاريخ، فلا يوجد معنى منفصل عن تجربة الفهم، والإنسان وتاريخه جزء من عملية التأويل.

ثالثا: الفرق بين الفيلولوجيا والهرمنيوطيقا

والفروق بين الفيلولوجيا والهرمنيوطيقا فروق جوهرية وكبيرة وإن كانت نقاط الالتقاء كثيرة، فمن حيث الهدف الأساسي التحليل الفيلولوجي هدفه الرئيس: استعادة المعنى الأصلي للنص كما فُهم في زمنه الأول، ويركز على: ماذا كانت تعني الكلمات آنذاك؟  .. كيف كُتب النص؟ .. ما النسخة الأقرب للأصل؟ .. ما قصد المؤلف في سياقه التاريخي؟ فالسؤال إذن هو: ماذا قال النص فعلاً؟ أمّا التحليل الهرمنيوطيقي فهدفه الرئيس: فهم معنى النص في عملية التفاعل بين النص والقارئ والسياق؛ فهو يهتم بـ: كيف نفهم النص اليوم؟ .. ما الأفق الثقافي للقارئ؟ .. كيف يتشكل المعنى عبر التاريخ؟ وإذن فالسؤال هو: كيف نفهم النص الآن؟ أمّا من حيث طبيعة المنهج فالفيلولوجيا: منهج لغوي تاريخي .. يركز على النص ذاته .. يحاول تقليل ذاتية القارئ .. يهتم بالمخطوطات واللغة، أمّا الهرمنيوطيقا فهي: منهج تأويلي فلسفي .. يركز على عملية الفهم .. يعترف بدور القارئ .. يهتم بالمعنى والتفسير.

 

Related Articles

Back to top button