المعلوم من الدين بالضرورة التأصيل والتنزيل

د. عطية عدلان.
حمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فإن أخطر ما تتعرض له الأمّة تلك المحاولات المستميتة والمستمرة لزحزحتها عن دينها، ومن أظهر وأخطر الوسائل التي يسلكونها لتحقيق هذه الغاية العمل على زعزعة الثوابت وزحزحة المحكمات، والمعلوم من الدين بالضرورة يأتي في القلب من هذه المحكمات الثوابت؛ لذلك كان واجبا على أهل العلم بيانها، كأولوية في سياق التعريف بالمحكمات وفي الدفاع عنها.
تعريف المعلوم من الدين بالضرورة
ذكر أهل العلم للمعلوم من الدين بالضرورة تعريفات، يمكن أن يُستخلص منها ضوابطه ومحترزاته، من ذلك قول الجلال المحلي: “وهو ما يعرف منه الخواص والعوام من غير قبول للتشكيك فالتحق بالضروريات كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنا والخمر”[1]
وقال المرداوي: ومعنى كونه معلوماً بالضرورة أن يستوي خاصة أهل الدين وعامتهم في معرفته، حتى يصير كالمعلوم بالعلم الضروري، في عدم تطرق الشك إليه … كأعداد الصلوات، وركعاتها، والزكاة، والصيام، والحج، وزمانها، وتحريم الزنا، والخمر، والسرقة، ونحوها[2]
وقال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية: “وقوله: فما القدر المعلوم من الدين بالضرورة؟ جوابه: أنه قد سبق ضابطه، وهو أن يكون قطعياً مشهوراً بحيث لا يخفى على العامة المخالطين للعلماء، بأن يعرفوه بداهة من غير افتقار إلى نظر واستدلال، ولذلك مثل منها في الاعتقادي: وحدانية الله تعالى، وتفرُّده بالألوهية وتنزهه عن الشريك وسمات الحادثات كالألوان، وتفرده باستحقاق العبودية على العالمين، وبإيجاد الخلق، وحياته وعِلْمه وقدرته وإرادته، وإنزاله الكتب، وإرساله للرسل، وأنَّ له عباداً مكرمين وهم الملائكة، وأنه يحيي الموتى ويحشرهم إلى دار الثواب والعقاب، وأن المؤمنين مُخلَّدون في الجنة، والكافرين مُخلَّدون في النار، وأن العالَم حادث، وأنه تعالى محيط بالجزئيات كالكليات، وغير ذلك من كل خبر نص عليه القرآن، والسنة المتواترة نصَّاً لا يحتمل التأويل، أو اجتمعتْ الأمة على أن ذلك هو معناه، وعُلِم من الدين بالضرورة .
ومنها في العملي: وجوب الوضوء والغسل من الجنابة والتيمم وانتقاض الطهارة بنحو البول، وحصول الجنابة بنحو الجماع والحيض، ووجوب الصلوات الخمس وعدد ركعاتها، ووجوب نحو الركوع والسجود فيها، وبطلانُها بتعمدّ نحو الحدث، ووجوب الجمعة بشروطها، ووجوب الزكاة … فمنْ أنكر واحداً منها بالكلية، أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع، كصلاة سادسة، اعتقد أنَّ وجوبَها كوجوب الخمس، فخرج نحو الوتر، أو أنكر مشروعية السنن الراتبة، أو صلاة العيدين أو أنكر بقية الصلاة، زاعماً أنها لم ترد إلا مُجْملة كَفَر.ا.هـــــــــــــــــــــــــــ[3].
ويقول الزركشي رحمه الله تعالى: “العلوم نوعان: نوع يشترك في معرفته الخاصة والعامة، ويعلم من الدين بالضرورة كالمتواتر، فلا يجوز التقليد فيه لأحد، كعدد الركعات، وتعيين الصلاة، وتحريم الأمهات والبنات، والزنا واللواط، فإن هذا مما لا يشق على العامي معرفته ولا يشغله عن أعماله”[4].
ضوابط المعلوم من الدين بالضرورة
من خلال ما مضى ذكره من تعريفات أهل العلم، وباستعراض الأمثلة التي ساقوها يمكن استخلاص بعض الضوابط التي تقرر كون الشيء معلوماً من الدين بالضرورة من عدمه، وجملة تلك الضوابط أن يقال: المعلوم من الدين بالضرورة هو:
أولا: ما لا يعرف الإسلام بدونه كوحدانية الله ورسالة محمد صلى الله عليه وسـلم والإيمان باليوم الآخر والجنة والنار
ثانياً: المجمع عليه إجماعاً قطعياً؛ كأعيان الصلوات وأعداد ركعاتها ووجوب صيام رمضان والزكاة والحج وحرمة قتل النفس وشرب الخمر وأكل الخنزير
ثالثا: المتواتر تواتراً يستوي في العلم به العامة والخاصة؛ كصفة أداء الصلاة وأوقاتها.
وقد ذكر الإمام السيوطي رحمه الله تعالى أقسام المجمع عليه من علوم الدين، وأتبع كل قسم ذكر المثال الدال عليه؛ حيث قال رحمه الله:
أحدها: ما نكَفِّرُه قطعًا، وهو ما فيه نصٌّ، وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة بأنْ كان من أمور الإسلام الظَّاهرة، التي يشتركُ في معرفتها الخواصُّ والعوام؛ كالصَّلاة والزَّكاة والصَّوم والحج وتحريم الزِّنا ونحوه.
الثاني: ما لا نكفره قطعًا، وهو ما لا يعرفه إلاَّ الخواص، ولا نصَّ فيه؛ كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف.
الثالث: ما يكفرُ به على الأَصَحِّ، وهو المشهورُ المنصوص عليه، الذي لم يبلغ رُتبة الضَّرورة؛ كحِلِّ البَيْع، وكذا غيرُ المنصوص على ما صححه النووي.
الرابع: ما لا على الأصح، وهو ما فيه نصٌّ؛ لكنَّه خفيٌّ غير مشهور؛ كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب.[5]
وقريب من ذلك ما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في جامع العلوم والحكم حيث قال: وفي الجملة: فما ترك الله ورسوله حلالاً إلا مُبَيَّناً، ولا حراماً إلا مُبَيَّناً؛ لكن بعضه كان أظهر بياناً من بعض، فما ظهر بيانه واشتهر وعُلِمَ من الدِّين بالضرورة من ذلك، لم يبقَ فيه شكٌّ، ولا يعذرُ أحدٌ بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما يشتهر بين حملة الشَّريعة خاصة، فأجمع العلماءُ على حِلِّه أو حُرْمَتِه، وقد يَخفى على بعض مَن ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا. فاختلفوا في تحليله وتحريمه؛ وذلك لأسبابٍ: منها: أنَّه قد يكون النَّصُّ عليه خفيّاً لم ينقله إلاَّ قليلٌ من النَّاس، فلم يبلغْ جميعَ حَمَلَةِ العلم.
ومنها: أنَّه قد يُنقَلُ فيه نصَّان: أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفةً منهم أحدُ النَّصَّين دون الآخر، فيتمسَّكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معًا من لا يبلغه التاريخُ، فيقف لعدم معرفته بالنَّاسخ والمنسوخ، ومنها: ما ليس فيه نصٌّ صريح، وإنَّما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرا.[6]
لا بد من التنبيه بداية على أن المعلوم من الدين بالضرورة لا ينحصر، بل كل ما اشتهر بين المسلمين وعلمه خاصتهم وعامتهم فهو من المعلوم من الدين بالضرورة، سواء أكان من أصول الدين أم من فروعه، وها هنا محاولة لجمع وسرد الأمور المعلومة بالضرورة بقدر الإمكان.
فقد علم من دين الإسلام بالضرورة ما يلي:
– إنّ الله تعالى واحد لا شريك له، تَفَرَّدَ بالربوبية على عباده وخَلْقِهِ أجمعين، فهو وحده الذي خلقهم وأنشأهم ورزقهم وتولاهم برعايته وعنايته، وتفرد بالألوهية؛ فلا إله غيره ولا معبود سواه، (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، وهو وحده الموصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، العليم القدير، العليّ الكبير، الفعال لما يريد، الحيّ القيوم، العلي العظيم، الملك (الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)، وهو سبحانه السَيِّدُ لكل الوجود والمدبر لكل الأمور، وليس منعزلا عن الكون ولا تاركا لشأن الخلق، وهو سبحانه شديد العقاب غفور رحيم، ورحمته وسعت كل شيء؛ فيجب على الخلق أن يعبدوه بلا شريك، وأن يتوجهوا إليه وحده بالدعاء والتوكل، وأن يرجوا رحمته ويخافوا عذابه، وأن يقيموا حياتهم على أساس من الرضى بألوهيته والتسليم بحكمه والإذعان لشرعه والقبول لدينه.
– إنّ القرآن الكريم كلام الله، أنزله على خاتم النبيين وإمام المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ ليكون هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، هذا القرآن (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)؛ لأنّه (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، وهو محفوظ من النسخ والتبديل والتحريف والتزييف، قد نقله الكافة عن الكافة نقلا متواترا يفيد العلم اليقينيّ بأنّ ما بين دفتي المصحف لم يُزَدْ عليه ولم يُنْقَصْ منه، وهذا القرآن هو خطاب الله الموجه للعالمين أجمعين إلى يوم الدين، وقد فرض اللهُ تعالى على الخلق ما في هذا الكتاب من الشرع والدين، وتعبدهم بتلاوته وتدبره والعمل به.
– إنّ محمدا صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله، أرسله الله بدين الإسلام لكافّة الأنام، وختم به المرسلين وبرسالته الرسالات، وفرض على الناس اتباعه فيما جاء به من عند الله تعالى، وأوجب على الخلق الاقتداء والتأسي به والاهتداء بهدية، وهو على خلق عظيم وبالمؤمنين رؤوف رحيم، وهو الصادق الأمين المعصوم من كل ما يضر بمقام البلاغ عن رب العالمين، بَلَّغَ ما أوحي إليه فلم يكتم شيئا، وما جاءنا به من الشرع واجب النفاذ، وهو صلى الله عليه وسلم يهدي إلى صراط مستقيم (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، بَلَّغ الرسالة وأدى الأمانة وأتَمّ الله على يديه نعمة الإسلام، فالإيمان به واجب والاقتداء به لازم، وحبه من الإيمان، وبغضه نفاق وخسران، والصلاة عليه من شعائر الدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
– إنّ الله تعالى أنزل الكتاب بالحق (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عليه) وإنّ شريعة هذا الكتاب العزيز ناسخةٌ لكل ما مضى من الشرائع، ولا تقبل النّسخ ولا التبديل بعد أن أكمل الله الدين وأتم النعمة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فلا يُقبل من أحد بعد نزول القرآن إلا الإسلام: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وأهل الكتاب والمشركون وغيرهم من أهل الملل والنِّحَل مخاطبون بهذا الكتاب دون غيره، ومأمورون باتباعه دون سواه، فخطاب القرآن عامٌّ، وشريعته شاملة، والدين الذي جاء به ليس لقوم دون قوم ولا يخص زمانا دون آخر ولا مكاناً دون آخر، وإنّما هو دين عامّ لكافّة الأنام: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) ونصوص كتاب الله تشتمل على معاني مرادة للرب تبارك وتعالى؛ ليست متروكة لكل أحد يفهمها حسبما يريد ويعمل بما فهمه منها حسبما شاء، والقول بتاريخية النصوص ووقتية الأحكام الصادرة عنها مضادّةٌ ومشاقَّةُ للكتاب العزيز.
– الإنسان مخلوق لعبادة الله وحده، وهو مكلف ومسئول وفق معيار الهدى الذي جاءه من الله تعالى، وهذه الحياة الدنيا دار عمل، ذاهبة وفانية، والآخرة دار جزاء، خالدة وباقية، والإنسان مأمور بالعمل في دار الدنيا للدار الآخرة، وأعماله مكتوبة لاتنسى ومسجلة لا تمحى، والله تعالى لا يسوي بين المؤمن والكافر، ولا بين الصالح والفاسد؛ وكل إنسان بما كسب رهين، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كان الله معذبا أحدا من خلقه حتى تقوم عليه الحجة الرسالية على وجهها الصحيح، وقد جعل الله الإنسان خليفة في أرضه، واستعمره فيها، وسخر له ما فيها من إمكانيات؛ ليعمرها بمنهج الله، ولم يتركه سدى ولم يخلقه عبثا، ولم يجعله سيدا على شيء فيها ولا في هذا الكون، بل السيادة لله رب العالمين.
– قد عُلم بالضرورة من الوحي المعصوم أنّ الآخرة حق، وأنّ الله يبعث من في القبور، وأنّ الحساب والجزاء حق، وأنّ الجنة والنار حق، وأنّ أهل الجنة خالدون فيها، لا يبغون عنها حولا، وأنّه لا يخلد أحد من أهل التوحيد في النار أبدا، وأنّ الله يقضي بين العباد بالحق فلا تظلم نفس شيئاً؛ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، وأنّ القبر أول منازل الآخرة، وأنّ الله تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، وأنّه يجب الإيمان بكل ما يثبت في الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة من الوعد والوعيد، ويجب كذلك العمل بمقتضى هذا الوعد والوعيد.
– كما علم بالضرورة من كتاب الله أنّ الله تعالى أرسل رسلا وأنزل كتبا وبعث أنبياء، وأنّهم جميعا دعو إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وإلى توحيد الله وعبادته وطاعته، وأنّه سبحانه بعث نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى وأنبياء غيرهم، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور وكتباً غيرها، وأنّ أهل الكتابين حرفوا وبدلوا التوراة والإنجيل؛ لذلك استحقوا الوعيد الشديد، وأنّ الإيمان بجميع الأنبيياء واجب، فيجب ألا نفرق بين أحد من رسل الله في أصل الإيمان بهم، وألا نقول مثلما قال اليهود وغيرهم (نؤمن ببعض ونكفر ببعض)، كما علم بالضرورة من الكتاب والسنة أنّه يجب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، والإيمان بالغيب من أهم صفات المؤمنين المتقين.
– الناس منقسمون إلى مؤمنين وكفار، ومتقين وفجار، فالمؤمنون المتقون في الجنة والكفار والفجار في النار، والمنافقون “نفاق الإيمان” في الدرك الأسفل من النار، وعصاة الموحدين على خطر الوعيد، وولاء المسلم للمسلمين لا للكفار، وللمتقين لا للفجار، ولا يجوز لمسلم أن يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فمن اتخذهم أولياء كان منهم، ومن ظاهر الكافرين على المؤمنين فليس من المسلمين، ومِنْ أَبْرَزِ أوصاف المؤمنين أنّهم (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ).
– الإسلام له حرمة يجب أن تصان، والشريعة لها قداسة يجب أن تحفظ، ولا يجوز التعدي على مقام النبوة ولا منزلة الكتاب العزيز، والاستهزاء بشيء من دين الله يورد صاحبه موارد الهلكة، ومن سبّ الدين أو عاب في الذات الإلهية فقد كفر وخاب وخسر، ولا يجوز لمؤمن أن يُقِرَّ الذين يخوضون في آيات الله، ولا أن يرضى بالذين يستهزئون بدينه وشرعه.
– الإسلام دين الفطرة؛ (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، ومن الفطرة التي جاء الدين موافقا لها منسجما مع قوانينها الخلقة التي خلق الله العباد عليها وفطرهم على سننها؛ فالذكر يبقى ذكرا والأنثى تبقى أنثى، بلا تلاعب في خلقة الله وفطرته، والحياء والستر والعفاف من صلب الفطرة؛ فلا شذوذ ولا انحراف ولا استبدال للنكاح بالمثلية أو السفاح.
– قد علم بالضرورة من الدين والفطرة والعقل والشِّرْعَة أنّ مكارم الأخلاق من صلب الدين الذي يتدين به الخلق لله رب العالمين، وأنّ الشريعة الإلهية أمرت بالصدق والأمانة والعفة والصيانة والحياء والستر والبر والصلة والتواضع والحلم والرحمة والصبر والكرم والإحسان، والوفاء بالعهود والعقود، والعدل في القول والحكم والمعاملة، وبر الوالدين وصلة الرحم وحسن الجوار وأداء الحقوق لأصحابها، ونهت عن الظلم والبغي والعدوان والتحاسد والتباغض والقطيعة، وعن الكبر سوء الخلق؛ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فيجب على الخلق أفرادا وجماعات أن يتعاونوا على إقرار الأخلاق الحسنة لا الرديئة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
– أركان الإسلام خمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، والشهادتان شرط للدخول في الإسلام، فلا يصح إسلام العبد إلا بهما، ولا يصح بواحدة منهما دون الأخرى، وعبادة الصلاة أعظم الشعائر وأول المباني، وهي فرض عين على كل مسلم مكلف، فلا يسع مسلما بالغا عاقلا تركُها، ففرضيتها ومكانتها ومواقيتها وعددها وأعداد ركعاتها واشتمال كل ركعة على ركوع وسجودين وقراءة وذكر واشتراط الطهارة واستقبال القبلة لها؛ كل هذا من المعلوم بالضرورة، والجمعة من فرائض الله، والجماعات من شعائر الدين الظاهرة المتواترة، ومشروعية العيدين والرواتب في الجملة مما علم بالضرورة، والزكاة فرض على من قدر عليها يخرجها لمن يستحقها، وصيام رمضان فرض على المسلم بشروطه، وكونه إمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس معلوم بالتواتر، والحج فرض في العمر مرة على من استطاع إليه سبيلا، ومكانه مكة وزمانه أشهر الحج ومن شعائره الوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي ورمي الجمار والهدي، والعمرة والأضحية والأذان والإقامة من شرائع الإسلام وشعائر الدين الظاهرة المتواترة، والمساجد بيوت الله في الأرض، ودور العبادة التي يجب أن تصان وأن يذكر فيها اسم الله، وأعظمها المساجد الثلاثة: المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى ببيت المقدس ومسجد الرسول عليه الصلاة والسلام بالمدينة المنورة، والمصحف الشريف له حرمة، وكلمات الله لها قدسية، وتلاوة القرآن عبادة وطاعة وقربة، والطهارة من الحدثين من شعائر الدين، والوضوء للصلاة شرط لصحتها، وهو يكون بالماء الطهور، ويشتمل على غسل للوجه ولليدين ومسح للرأس وغسل للرجلين، وينقضه الحدث، والغسل واجب من الجنابة والحيض والنفاس، ولابد فيه من تعميم البدن بالماء الطهور، وغسل الميت والصلاة عليه ودفنه من شعائر الإسلام، والموت حق ولكل أجل كتاب.
– الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله والسعي لتكون كلمة الله هي العليا؛ من صلب الدين الإسلاميّ، والانتماء للأمة الإسلامية والولاء لها والعمل من أجل رفعتها من دلائل الإيمان ومن شواهد الخير والصلاح، والصراع بين الحق والباطل قائم ودائم، والأيام بين أهل الحق وأهل الباطل دول (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) ولكنّ العاقبة لأهل الحق (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، وللناس عبرة فيما قصه الله تعالى من مصائر الأمم التي كذبت الرسل.
– الحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله، والشرع ما شرعه الله ورسوله، فمن بدل الشرع المحكم أو أحل الحرام المجمع على حرمته، أو أحل الحلال الذي لا خلاف في حله فهو طاغوت يجب الكفر به وبما شرعه، والتحاكم إلى غير ما أنزل الله تعالى اتباعٌ للطاغوت، وردُّ حكم الله تعالى من أخطر نواقض الإيمان، أمّا التحاكم إلى شريعة الله وردُّ الأمر في كل ما ينزل بالناس إلى الله ورسوله فهو من صلب الإيمان وصميم التوحيد، وقد علم بالضرورة أنّه يجب على الناس أن يكفروا بالطاغوت، وأن يعادوا الشيطان وجنوده: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا).
– علم بالضروة من دين الإسلام أنّ المؤمنين إخوة، وأنّ الإصلاح بينهم واجب، وأنّ الوحدة الإسلامية طاعة وفلاح، وأنّ الفرقة والنزاع معصية وهلاك، وأنّ الله تعالى أمر المؤمنين بالاعتصام بحبله المتين والاجتماع حول قواعد الدين وترك النزاع والفرقة: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، وأنّ كلّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمُهُ وماله وعرضه، وأنّ التفاضل بين المؤمنين عند الله بالتقوى والعمل الصالح لا بالنسب ولا بالمال ولا بشيء من عرض الدنيا.
– إنّ الله تعالى أباح للناس أن يأكلوا من الحلال الطيب، وحرم عليهم أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، فالربا حرام وأكل مال اليتيم حرام، والغش والرشوة حرام، والقمار والميسر حرام، والسرقة والغصب حرام، وكل ما هو من قبيل أكل أموال الناس بالباطل لا يجوز، إنّما يجوز ويطيب المال الذي أتى من طريق حلال كالتجارة والشراكة والزراعة والحرفة والهبة والوصية والميراث وغير ذلك، وقد خلق الله تعالى الأرض وسخرها للإنسان واستعمره فيها؛ فكل سعي فيها لطلب الرزق والمعاش مباح إلا ما حرمه الله، وقد أحل الله للإنسان ما في هذه الأرض من الطيبات في المآكل والمشارب والملابس والمناكح، إلا ما جاء الشرع بمنعه، وأحل له التعامل بالبيع ونحوه من المعاملات التي لا يستغني عنها الخلق فلا يحرم منها إلا ما استثناه الشرع، والشريعة موضوعة لمصالح العباد في المعاش والمعاد، فما أباحته فهو الخير والمصلحة وما حرمته فهو الشر والمفسدة.
– وقد حرم الله على العباد الشرك بالله على أيّ وجه أتى وجعله أكبر الكبائر وأخطر الموبقات، فلا يغفر لمن مات على الشرك مهما قدم من عمل: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) وحرم عقوق الوالدين وقطع الأرحام ووأد البنات وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنى وشرب الخمر والسحر وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات والكذب وشهادة الزور، والغيبة والنميمة والسبّ والخوض في دين الله بغير علم ونقض الميثاق وإخلاف والوعد ونكث العهود، والكبر والحسد والرياء والنفاق، والإثم والظلم والبغي بغير الحقّ، وحرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحرم التعاون على الأثم والتحالف على الشر والعدوان.
– أحل الله تعالى للمسملين الطيبات من المآكل والمشارب والمناكح وحرم عليهم الخبائث منها، فأحل لهم بهيمة الأنعام التي تزكى زكاة شرعية، وأحل لهم نكاح المؤمنات من غير المحرمات، وحرم عليهم أكل الميتة – على أي وجه كان موتها – والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما ذبح على النصب وما في معناها، وحرم عليهم نكاح النساء المنصوص عليها في قول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا . وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).
– قد علم من الدين بالضرورة أنّ الذكر والحمد والتسبيح والدعاء من فضائل الأعمال، ومما يقرب العباد إلى ربهم، وأنّ الله تعالى سميع قريب مجيب، يستجيب الدعاء ولا يخيب فيه الرجاء، وأنّ التوكل واليقين والرضا والتسليم والإخلاص والخشوع من أجل أعمال القلوب التي يحبها علام الغيوب.
– إنّ الأسرة المسلمة كيان له احترامه، وإنّ العلاقة بين الزوجين يجب أن تقوم على المودة والرحمة، وإنّ لكلا الزوجين على الآخر حقوق تقابلها واجبات، وإنّ على الزوج والزوجة أن يحافظا على الأسرة وأن يعتنيا بأولادهما تربية وكفالة ورعاية، وإنّهما يستويان في الكرامة والحرمة فالنساء شقائق الرجال، لكن يبقى أنّ (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، ويجب على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف وينفق عليها، ويحرم على الأزواج والأولياء ظلم النساء وعضلهن، ويجب على المرأة أن تحفظ زوجها في نفسه وماله وعرضه وأولاده، والأسرة في الإسلام تنعقد وفق عقد عظيم وميثاق غليظ هو عقد النكاح الشرعيّ الذي تنظمه الشريعة بأحكامها؛ فلا صحة لنكاح بغير هذا العقد الشرعيّ.
– كما علم بالضرورة أنّ الله تعالى أنزل في كتابه الفرائض وقسم فيه المواريث؛ فيجب أن تقسم وفق ما ورد في كتاب الله تعالى، وأنّ الله تعالى جعل للرجال في التركة نصيب وللنساء نصيب، وحدد الأنصبة بنصوص قرآنية قطعية الدلالة، وأعطى الأب والأم والزوج والزوجة والأولاد والأخوة والأخوات وفق أحكام واضحة، وجعل للذكر من الأولاد والإخوة مثل حظ الانثيين، وشرع الوصية، وأمر بقضاء الدين.
– إنّ الله تعالى في شريعته فرض فرائض وحد حدودا وحرم أشياء؛ فلا يجوز لأحد أن يضيع فرضا من فرائض الله، ولا أن ينتهك شيئا مما حرمه الله، ولا أن يتجاوز حدا من حدود الله، وقد جعل الله تعالى عقوبات دنيوية لبعض المحرمات، كجلد الزاني والزانية، وقطع يد السارق والسارقة، وغير ذلك مما لا يجوز لأحد رده ولا تعطيله ولا إنكاره، وقد شرع الله القصاص والدية والحدود، فيجب على الأمة تطبيق ذلك كله برضى وتسليم، وإنكارُ شيء من ذلك أو رَدُّهُ بعد ثوبوته كفر.
– علم بالضرورة وبالنقل المتواتر جيلا عن جيل أنّ رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم قرشيّ عربيّ بعث في مكة بدين عام وبرسالة عالمية، وأنّه دعا إلى الله تعالى في مكة وجاهد فيها بالقرآن وصبر هو ومن آمن به من أهلها على الأذى صبرا عظيما، وأنّ صناديد قريش من أمثال أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف وغيرهم عاندوه وآذوه وأصحابه، فصبروا وثبتوا، وأنّه أسري به من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس في ليلة، وأنّه هاجر إلى المدينة المنورة، فأقام فيها المجتمع المسلم والحكم الإسلاميّ، وجاهد الكفار بالقتال والمنافقين بالجدال، فكانت المواجهات بينه وبين قريش دولا حتى منّ الله عليه بفتح مكة، وقد سير الجيوش وبعث السرايا والبعوث، وأرسل الرسل إلى الملوك، ودعا الناس كافّة إلى الإسلام، وقاتل اليهود وأجلاهم عن المدينة، وقاتل النصارى وأخذ الجزية من بعضهم، وأقام الحدود وطبق شريعة الله التي نزلت على مدى سنوات عديدة.
– كما علم بالضرورة من الكتاب والسنة وبالنقل المتواتر أنّ الصحابة رضوان الله عليهم أهل صدق وأمانة وصلاح، وأنّهم جاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّهم (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) وأنّهم عدول يؤخذ عنهم دين الله وحديث رسول الله، وقد شهد لهم كتاب الله بأنّهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وأنّ الله تعالى رضي عنهم ورضوا عنه، كما علم بالضرورة أنّ الخلفاء الراشدين الأربعة كانوا على الهدى، ما غيروا ولا بدلوا، وأنّهم واصلوا مسيرة الدعوة والجهاد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففتحوا البلاد وهدوا العباد، وسقطت على أيديهم الامبراطوريات الظالمة المستبدة.
– عُلِمَ بالضرورة وبالنقل المتواتر أنّ القرآن نقل نقلا متواترا جيل عن جيل بنقل الكافة عن الكافة؛ فلم يُغَيَّرْ منه حرف ولم تُبَدَّلْ منه كلمة، وأنّ السنة النبوية قد نقلت بالإسناد جيلا عن جيل، وأنّها حفظت في الجملة بهذا الإسناد وبجهود العلماء من الضياع والتبديل، وأنّ الأمّة الإسلامية تلقت الصحيحين البخاريّ ومسلم بالقبول، وأنّ الشريعة الإسلامية بقيت محفوظة في الجملة فلم تنطمس معالمها ولم تندرس آثارها، وأنّها لا تزال صالحة لكل زمان ومكان، والأمة فيها المجتهدون والمقلدون، وطلب العلم واجب، وسؤال العلماء فيما يعن للناس أوجب.
– من كمال الدين وتمام الشرع أنّ الإسلام قرر قواعدَ الحكم الرشيد وأُسُسَ السياسة العادلة، مثل الشورى والعدل، ولقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة حكما إسلامياً أقام به الدين وجاهد من خلاله المشركين، وكذلك فعل خلفاؤه الراشدون، فكان أمر الأمة منتظما في ظل هذا الحكم، حيث طُبِّقت الحدودُ وحُكِّمت الشريعة وسُيِّرت الجيوشُ وحُفظت الثغور.
– الحرية المنضبطة بالشريعة من مقاصد الإسلام، والإسلام حرر الخلق ومنحهم الكرامة، والشريعة متشوفة في أحكامها للحرية، والإنسان موضوع كتاب الله، وكرامة الإنسان وحقوقه من مقاصد هذه الشريعة، وليس في الإسلام ما يهدر كرامة الإنسان ولا حريته ولا حقا من حقوقه، وأعظم حق للإنسان حقه في أن يعبد الله تعالى بلا عدوان عليه.
– والمرأة في الإسلام مكرمة أُمّاً وزوجةً وشابةً وطفلة، فلا يحل وأد البنات ولا عقوق الأمهات، ولا عضل الزوجات، ولا يجوز للرجال أن يرثوا النساء كرها، ولا أن يحرموهن من الميراث، ولا أن يظلموهن أو يبغوا عليهن سبيلا، ويجب على الأزواج أن يعشروا زوجاتهم بالمعروف، وأن ينفقوا عليهن، وأن يعطوهن مهورهن نحلة، وما يتميز به الرجال عن النساء ببعض الأحكام ليس ظلما من الإسلام للنساء ولا غمطا لحقهن، وإنّما لما يعلمه الله تعالى من خصائص كل نوع وما يصلح له كل جنس.
– والجهاد شُرع لدفع الفتنة؛ فلا ظلم ولا بغي ولا عدوان، ولغير المسلمين في المجتمع المسلم حقوق صانتها الشريعة، وحفظتها الأمة الإسلامية على مدى العصور.
– والأمة الإسلامية مأمورة بالسير في الأرض والضرب في أكنافها وطلب العلم والأخذ بأسباب التمكين، والإعداد بما تستطيع وتملك؛ لئلا تبقى مستضعفة ولا يتسلط عليها أعداؤها، ومأمورة بأن تكون قدوة للأمم: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).
[1] شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع مع حاشية العطار – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان 2/238
[2] التحبير شرح التحرير للمرداوي مرجع سابق 4/1680
[3] الفتاوى الحديثية – أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي – دار الفكر – بيروت – بدون تاريخ – صــ 141
[4] البحر المحيط في أصول الفقه – بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي – دار الكتبي – ط: الأولى، 1414هـ – 1994م – 8/332
[5] الأشباه والنظائر – عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي – دار الكتب العلمية – بيروت – ط: الأولى، 1411هـ – 1990م – 1/488
[6] جامع العلوم والحكم – عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي – مؤسسة الرسالة – بيروت – ط: السابعة، 1422هـ – 2001م – 1/68




