اجتماعيةعاممقالاتمقالات تربوية

حكم التصرف في الأموال الموجهة للجمعيات و المؤسسات و الأفراد ؟

كتبه:
أ.د/ بلخير طاهري الادريسي الحسني المالكي الجزائري
عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله .
في هذا الشهر الفضيل من شهر رمضان ، و مع انتشار ظاهرة إفطار الصائمين، و جبر كسر المعوزين، وسد خلة المحتاجين، وكسوة عيد الفقراء و المساكين.
جاءني هذا السؤال من عدة جمعيات و أفراد ، في حكم التصرف في هذه الأموال المتبرع بها لهم ؟
هل لهم حرية التصرف فيها من جهة الاتفاق ؟
هل يجوز استثمارها و توزيع أرباحها ؟
هل يشترط الإلتزام بشرط الواهب أو الواقف أو المتبرع ؟
هل السكوت و عدم التصريح ، يعتبر إذن عام ؟
هذه وغيرها من الأسئلة الواقعية و المنطقية، تفرض نفسها في الممارسة الميدانية، و الاختياط للدين في مسائل المال من أخطر المزالق التي يدخل منها الشيطان و تضعف أمامها الأنفس.
و دائما نكرر قاعدة الشيخ زروق في قواعده :”
لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. القاعدة 81.
فالعلم : يعرف الحلال من الحرام ، هو إمام العمل ، والعمل تابعه ، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء وسلم’ جامع بيان العلم وفضله.
فلزم كل أحد تعلم علم حاله، حسب وسعه بوجه إجمالي يبرأه من الجهل بأصل حكمه إذ لا يلزمه تتبع مسائله، بل عند النازلة والحالة ما يتعلق بها. وما وراء ذلك من فروض الكفاية الذي يحمله من قام به، ولا تخلو الأرض من قائم لله بحجة فلا عذر في طلبه، فافهم.
و لما كان المال كذلك وجب التحرز و الحذر من الوقوع في حبال الاستدراج .
فأقول وبالله التوفيق:
يجب أن ينظر إلى هذا المال سواء كان نقدا أو عينا أو عقارا، أو أنعاما. نية المانح هل هي على سبيل الزكاة، أم مطلق التبرعات. ؟
و عليه سوف نقسم المسألة إجمالا ، إلى مسلكين رئسين:
#المسلك الأول: إذا كان المال مال زكاة .
مال الزكاة الموجه للجمعيات، من أجل توزيعها، يحرم عليهم التصرف فيه، بشراء قفة غذاء أو كساء، و إنما يسلم له نقدا و هو أدرى بحاجته.
وهذا يجب أن يخضع لقانون مصاريف الزكاة الثمانية المحددة بالنص القرٱني، في قوله تعالى :” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) سورة التوبة
و إذا كان المال موجه بهذه النية و التصريح وجب الإلتزام بالأوصاف و الأنصاف المذكورة في الٱية.
وللهؤلاء الوكلاء عن المزكي في حالة عدم تحديد صنف من الاصناف، أن يوجه جزء منها إلى هذه الجمعيات أو المؤسسات لتغطية نفقاتها، تحت صنف ( في سبيل الله) التي وسع العلماء دلالتها إلى كل أوجه البر و الإحسان ، من غير مصالح شخصية.
«شرط الواقف كنصّ الشارع»
و كما ثبت في الحديث: «المسلمون على شروطهم» رواه أبو داود
و أنا مع فتوى ألا يتجاوز إستفادة هذه المؤسسات في حدود 1/8 ، لأن صنف في سبيل الله يمثل صنف من بين ثمانية أصناف.
وهذا حتى لا تضيع حقوق الأصناف السبعة الأخرى، و الاتفاق فيها بحسب الأولويات .
#المسلك الثاني: مطلق المال من غير مال الزكاة:
أما المال الذي يعطى على شكل تبرعات و صدقات و الهيبات، و الأوقاف، و ليس زكاة ، فهو موقوف على نية الواهب و تصريحه.
1_ فإذا إشترط الواهب للمال ، أن يسلم لمعين شخصا أو جمعية ،وجب الإلتزام بما صرح به الواهاب وإلا كان تصرفا على غير الوجه المشروع، للواهب الأجر ، و للوكيل الإثم .
2_ أما إذا أعطى المال دون أن يحدد وجهة صرفه، ثقة في هذه الجمعيات أو المؤسسات أو الأشخاص . فلهم الحرية الكاملة في التصرف في هذا المال على الوجوه المشروع و المعروف.
3_ أما مسألة استثمار أموال التبرعات:
فلا يجوز إذا كانت مقيّدة بغرض عاجل، ولابد أن تصل مستحقيها.
واما إذا كانت وقفًا أو تبرعًا مطلقًا غير مقيّد بزمن، فتجوز بشروط:
1_ الأمان و الأمانة.
2_ الشفافية.
3_ عود الريع للجهة المقصودة.
4_ وعدم وجود مصلحة شخصية.
=====#الخلاصة:
أن الوكيل تصرفه مرهون بتصريح موكله، و إن سكت فكيون بالمعروف.
فكل تصرف خارج حدود الإذن أو الشرع يُعدّ تعدّيًا على الأمانة.
قال تعالى في سورة القرآن الكريم:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27).
و قال تعالى” آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) سورة الحديد
في الأخير أسأل الله عز وجل أن يرزق الإخلاص في القول و العمل ، و ندعو بما علمنا به سيد الخلق ، من رواية سيدنا أبي هريرة:” ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا” رواه البخاري.

Related Articles

Back to top button