ذكر الله صفــة وشمولية

ذكر الله صفــة وشمولية
أ. عبد السيد الشريف
ذكر الله من أعظم الأعمال لأنها متعلقة بذات الله، جل وعلا، وهي من أجلّ القربات فعظم الذكر بعظم المذكور؛ فإن ذكر الله تعالى ورد في القرآن الكريم لعدة معان ترجع في مجملها إلى عبادته -سبحانه وتعالى- والعمل بطاعته ودعائه وحمده والثناء عليه بالقلب واللسان في السر والعلانية وعلى كل حال.
ومن ذلك قول الله تعالى: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ»، {البقرة:198}.
قال أهل التفسير: يعني بذلك: الصلاة والدعاء عند المشعر الحرام.
ومنه قوله تعالى: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ». {البقرة:152}، أي اذكروني بالشكر أذكركم بالمزيد من النعم.
ومن عظيم فضل ذكر الله، ما رواه أبو الدرداء عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: “ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالِكُم، وأزكاها عندَ مليكِكُم، وأرفعِها في درجاتِكُم، وخيرٌ لَكُم مِن إنفاقِ الذَّهبِ والورِقِ، وخيرٌ لَكُم من أن تلقَوا عدوَّكُم فتضرِبوا أعناقَهُم ويضربوا أعناقَكُم؟ قالوا: بلَى. قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى قالَ معاذُ بنُ جبلٍ : ما شَيءٌ أنجى مِن عذابِ اللَّهِ من ذِكْرِ اللَّهِ” صحيح الترمذي.
فذكر الله يحتاج إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع؛ بمعنى آخر إحسان وشمولية عملية الذكر؛ لتكون النتيجة ذكر الله لنا في الملأ الأعلى. وفي الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة “يقولُ اللَّهُ تَعالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً”. والباع هو : طُولُ ذِراعَيِ الإنسانِ وعَضُديه.
سؤال هل كل هذا الفضل من الذكر الرباني لنا في نفسه وفي الملأ الأعلى. هل يعني صورة الذكر المعروفة في أذهاننا، التي هي عبارة عن حركة شفوية بدون فهم لمعاني الذكر، من تسبيح وتحميد وتكبير وغيرها والقلب لاهٍ غافل؟
تخيل معي أنّ رئيس دولة في اجتماع مع وزرائه أو عالم مشهور تحدث عن شخص معين، وأثنى عليه؛ فلك أن تتصور فرح هذا الشخص لهذا الثناء والإطراء؛ فكيف لو ذكرك الله رب العالمين في ملأ من الملائكة وفي الملأ الأعلى.
الذكر المقصود في الآية ليس هو الصورة التقليدية عندنا وهو التالي لكتاب الله أو الذي يمسك سبحة ويسبح ويحمد الله، لا! بل الذكر المقصود هو الذكر بصفته الشمولية ثلاثية الأبعاد:
• البعد الأول ذكر اللسان وهو التسبيح والتحميد والتهليل وتلاوة القرآن.
• والبعد الثاني هو ذكر القلب وهو متعلق بأعمال القلوب من التفكر والتدبر والخوف والرجاء والخشية والتوكل والرضا وغيرها. وعبادة التفكر في نعم الله وآلائه من أعظم القلوب.
• البعد الثالث هو ذكر الجوارح من ركوع وسجود وجهاد وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإعانة ضعيف أو محتاج وغيرها.
وما أجمل كلام الإمام ابن القيم وهو يصف الذكر الذي يستحق المسلم أن يذكره الله قال في كتابه: ((زاد المعاد)) (2/365): “كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكرا لله عز وجل، بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه لله، وإخباره عن أسماء الرب وصفاته، وأحكامه، وأفعاله، ووعده ووعيده، ذكرا منه له، وثناؤه عليه بآلائه، وتمجيده وحمده وتسبيحه ذكرا منه له، وسؤاله ودعاؤه إياه، ورغبته ورهبته ذكرا منه له، وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه، فكان ذكرا لله في كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه، قائما وقاعدا وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه ومسيره، ونزوله وظعنه وإقامته”.
وهناك مسألة مراتب الذكر ودرجاته:
1. أعلاها ذكر اللسان المتواطئ مع القلب
2. ثم ذكر القلب
3. ثم أقلها ذكر اللسان وهو أقل أجراً مجرد نطق بلا فهم أو فقه لمعاني الذكر وألفاظه.
لذلك كانت الصلاة أعظم الذكر لأنها اشتملت على مراتب الذكر الثلاث، قال تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي» (طه: 14),
وسميت صلاة لأنها صلة بين العبد وربه, ولاشتمالها على أنواع الذكر الثلاثة (اللسان وهو التكبير والتحميد والتهليل – القلب والخشوع في الصلاة من أعمال القلوب – الجوارح وهو الركوع والقيام والسجود), والصلاة ركن من أركان الإسلام والركن الوحيد الذي فرض في السماء في الملأ الأعلى لشرفها وخصوصيتها.
وقال ابن حجر في فتح الباري: ونقل بعضهم، قال: الذكر على سبعة أنحاء: فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم والرضا.
وفي ختام الآية: “فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ” البقرة (152) سبحان الله لم يقل فاحمدوا لي, بل قال واشكروا لي؛ لأن الشكر يستلزم مراتب الذكر الثلاث؛ فالذكر هو رأس الشكر. فالشكر يكون باعتراف القلب وإقرار ثم النطق باللسان ذكرا وثناء وحمدًا، وبالجوارح اتّباعا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه فهي صمام الأمان لدوام النعمة واستمرارها؛ خصوصا النعم الدينية من الهداية والاستقامة. فسبحان الله قال قارون كما جاء في القرآن: “قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي
فكان جزاؤه: “فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ” وفرعون قال: “وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي”، فأجراها الله من فوقه. والكفر ضد الشكر لذلك نهى الله عنه، والكفر المقصود هنا كفر النعمة، وهو غير مخرج من الملة، ولمن أكثروا الجحود قد يؤدي إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله.
ومن أقبح الخصال وأخسها “كفران العشير أو كفران الإحسان” أو نكران الجميل… فهذا أمر محرم بل عده بعض أهل العلم من كبائر الذنوب، وهو من أسباب كثرة النساء في النار، كما أخبر بذلك رسول الله، صلى عليه وسلم، في الحديث الصحيح: “أُرِيت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط”. متفق عليه.
وذِكر الله ليس لفظا باللسان، إنما هو انفعال القلب معه أو بدونه، والشعور بالله ووجوده، والتأثر بهذا الشعور تأثرا ينتهي إلى الطاعة في حده الأدنى، وإلى رؤية الله وحده، و ولا شيء غيره لمن يهبه الله الوصول ويذيقه حلاوة اللقاء.
وفي سورة الرعد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، القلوب المؤمنة لا تأنس إلا بالله ولا ترتاح إلا مع ذكر خالقها سواء كان الذكر من التسبيح والتهليل والتكبير، أو من تلاوة كتاب الله من معرفة تفسيره وألفاظه وتدبر معانيه. وهذه الطمأنينة والسكينة لا يملك لها تعبير كلامي بل تظهر على أسارير وجهه؛ ففي اعتقاده وسلوكه يشعر بمعية الله وتوفيقه، مع الأنس بالله، وعدم الشعور بالوحدة حتى لو كان الكون كله ضده. على عكس المعرض عن الذكر؛ فمعيشته نكد وهم وغم، رغم ملكه وأملاكه قال تعالى: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) سورة طه.
القلب ملك الجوارح، ولا بد للجوارح واللسان أن يتبع الملك؛ لكي يكون ذكر الله طمانينة للقلب، فطمأنينة الملك والجنود توأمان لا ينفكان وروح واحدة. فصلاح القلب صلاح للجسد وفساده فساد للجسد، كما قال عليه الصلاة والسلام .
سؤال: ما هو الضابط لكثرة الذكر؟
(يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا) الأحزاب.
روى أبو داوود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي [صلى الله عليه وسلم]، قال: “إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين، كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات”.
يقول الشيخ ابن عاشور: “وذكر التسبيح لأنه من أكمل الذكر لاشتماله على جوامع الثناء والتحميد. والبكرة: أول النهار . والأصيل: العشي الوقت الذي بعد العصر. والمقصود من البكرة والأصيل إعمار أجزاء النهار بالذكر والتسبيح بقدر المكنة لأن ذكر طرفي الشيء يكون كناية على استيعابه.”
«وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» [سورة الأحزاب: 35]، قال البغوي: قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا. يعني: في كل أحيانه وأحواله.
وقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ}، [الأحزاب:٣٥]، أي: من صلى الصلوات الخمس في جماعة بخشوع، مراعيا حقوقها وحدودها يدخل -أيضاً- في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
يقول الإمام الشوكاني في كتابه تحفة الذاكرين: لا شك أن صدق هذا الوصف -أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات- على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.
وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه) وورد عنه، صلى الله عليه وسلم، أن أحب العمل إلى الله أدومه، وإن قل، كما جاء في بعض الروايات.
فقال الإمام أبو الحسن الواحدي: حكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قوله: المراد: يذكرون الله في أدبار الصلوات وغدوا وعشيا، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله عز وجل، فمن حافظ على هذه الأذكار المرتبطة بهذه الوظائف كان في تفسير ابن عباس من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.
وسُئل ابنُ الصلاح عن القَدْر الذي يصير به العبدُ من الذَّاكرين الله كثيرًا، فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة صباحًا ومساءً، وفي الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهارًا؛ كان من الذَّاكرين كثيرًا”[4]، وهذا يرجع إلى قول ابن عباسٍ -رضي الله عنهما.
هكذا قال شيخُ الإسلام ابن تيمية، وهذا يرجع إلى قول ابن عباسٍ، وإلى ما قاله ابنُ الصلاح، وقول مجاهد ليس بخارجٍ عن ذلك.
ومن بركة كثرة الذكر انه سبب لاستجابة الدعاء، كما في الصحيح الجامع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (ثلاثةٌ لا يَردُّ اللهُ دُعاءَهمْ: الذّاكِرُ اللهَ كثيرًا، و المظْلومُ، و الإِمامُ الْمُقسِطُ).
بل إن الذاكر لله شبهه النبي بالحي والميت، وذلك في قوله ﷺ: “مثل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه مثل الحيِّ والميِّت”[1]، وهو مُخرَّجٌ في “الصَّحيحين” عن أبي موسى الأشعري.
وفي روايةٍ عند مسلمٍ: “مثل البيت الذي يُذْكَر اللهُ فيه والبيت الذي لا يُذْكَر اللهُ فيه مثل الحيِّ والميِّت”[2]، والحديث نفسه إلا أنَّه جاء بهذين اللَّفظين. وهناك فرق كبير بين الحي والميت؛ الحياة الحقيقيَّة هي حياة القلب، والذكر الحقيقي منشؤه من القلب، ما كان صادرًا عن القلب، أن يكون القلبُ عامرًا بذكر ربِّه ومليكه وإلهه وخالقه؛ ولهذا يقول ابنُ القيم: “وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيمية -قدَّس الله تعالى روحه- يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسَّمك، فكيف يكون حالُ السَّمك إذا فارق الماء؟”[3]. كما قال الشاعر:
فَنِسْيَانُ ذِكْرِ اللَّهِ مَوْتُ قُلُوبِهِمْ… وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ
وَأَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهِمْ … وَلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ [4]
ذكر الله المداومة عليه تعطي حيوية وحياة ورطوبة للسان وانتعاشة وحياة للقلب وطمأنينة عامة للقلب والجوارح. وانظر إلى حديث عبدالله بن بُسر: “أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيءٍ أتشبَّث به؟ قال: لا يزال لسانُك رطبًا من ذكر الله”. (صحيح الترمذي). ففعل ما زال يدل على عدم البعد والمقاربة للفعل والاستمرارية يعني سهولة الذكر وجريانه على اللِّسان، بمعنى: أنَّه لا يتوقف توقُّفًا يحصل به الانقطاع والفتور عن ذكر الله، تبارك وتعالى؛ وذلك أنَّ يُبْسَه عبارة عن ضدِّ رطوبته؛ فيكون لسانُه يابسًا.
الحافظ ابن رجب -رحمه الله- يقول: مَن حافظ على ذلك (وهي المداومة على ذكر الله)، هذه التي جرى التَّمثيلُ بها، وهي على سبيل المثال: لم يزل لسانُه رطبًا بذكر الله؛ لأنَّ العبدَ دائمًا في حال نِعَمٍ مُتجددةٍ، وهو يُشاهد نِعَمًا، ويرى بلاءً، ثم هو يتقلَّب في أمورٍ شتَّى، كل ذلك يُوجب له الذكر.
ختاما… من كرامات ذكر الله أنه يعطي الذاكر لله بصفته التي ذكرنا، من توافق القلب مع اللسان والجوارح قوة في البدن، مع قوة القلب، وذلك مصداقا لحديث فاطمة رضي الله عنها، في صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب: أنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ شَكَتْ ما تَلْقَى مِن أثَرِ الرَّحَا، فأتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فأخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَيْنَا وقدْ أخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأقُومَ، فَقَالَ: علَى مَكَانِكُمَا. فَقَعَدَ بيْنَنَا حتَّى وجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ علَى صَدْرِي، وقَالَ: ألَا أُعَلِّمُكُما خَيْرًا ممَّا سَأَلْتُمَانِي؟ إذَا أخَذْتُما مَضَاجِعَكُما تُكَبِّرَا أرْبَعًا وثَلَاثِينَ، وتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، وتَحْمَدَا ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ؛ فَهو خَيْرٌ لَكُما مِن خَادِمٍ .. الآن هذه الوصية، يعني أن الذكر هذا أنفع وأفضل من الخادم، علي – رضي الله عنه -حافظ عليه، فلم يترك هذا الذكر أبداً، جاء في رواية: أن علياً قال: “فما تركتها بعد”، فقالوا له: ولا ليلة صفين، قال: ولا ليلة صفين” [رواه البخاري، وأحمد]. وفي رواية: “فإني ذكرتها من آخر الليل فقلتها”
وابن القيم -رحمه الله- يذكر عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: “وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه، وكلامه وإقدامه وكتابه أمرًا عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر”، في جمعة يعني في أسبوع، أي يكتب في يوم واحد ما يكتبه غيره في أسبوع، وقد شاهد العسكر، يعني: الجيش، الجنود في الحرب مع التتار شاهدوا من قوته في الحرب أمرًا عظيمًا، لاحظوا هنا القدرة على الكتابة، الإنجاز يعاين فينجز ما لا ينجزه غيره. (قد تكلم في كتابه الماتع النافع “الوابل الصيب من الكلم الطيب” عن الذكر وفوائده).
وذكر الله يقرب من الله وطريق إلى الجنة ومرضاة الله، كما في سنن الترمذي، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم. والمقصود من الحديث أنها مبعدة عن الله والدار الآخرة لذلك ذمت، وإن ذكر الله وما والاه” أي ما أحبه الله – وأكد ذلك بالثناء على العلم وأهله.
اللهم اجعلنا من الذاكرين الله كثيرا بألسنتنا وقلوبنا وجوارحنا، ومن الموفقين لعبادته وشكر نعمه.. اللهم آمين.




