رجب موسم الخيرات والانتصارات

د. سالم بوحنك
نفحات المولى تتوالى على عباده رحمة بهم ولطفا، فجعل أوقاتا أفضل من أوقات، وأمكنة أفضل من أمكنة، كما فضل البشر بعضهم على بعض، وفضل الأنبياء بعضهم على بعض، فلله الحكمة البالغة، ولو شاء لجعلهم متساوين، فهو سبحانه: ﴿لا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَۖ﴾.
يأتي علينا شهر رجب مبشرا لنا بقرب قدوم شهر رمضان المبارك، ومنبها لحسن الاستعداد لشهر التقوى والغفران، ويمر بنا في أجمل أوقات السنة، حيث النهار قصير، والليل طويل، وبشرى للصالحين الذين صاموا نهاره وقاموا ليله، وهم بذلك يقبل عليهم رمضان وهم في أحسن حال وحسن استعداد، وكون شهر رجب من الأشهر الحرم التي ذكرها الرسول ﷺ بقوله: (الزَّمانُ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ، الذي بيْنَ جُمادى وشَعْبانَ.) وفضل هذا الشهر نابع من كونه من الأشهر الحرم، ولذلك فالعمل الصالح فيه مضاعف، كما أن جزاء ارتكاب المحرمات فيه مضاعف لحرمة الفعل وحرمة الشهر.
شهر رجب هو أيضا له في ذاكرة التاريخ الإسلامي منذ عصر النبوة إلى اليوم، له مكانة وذكر، فهناك عدد من الأحداث جاءت في هذا الشهر، وهي حوادث جسام، تنبئ أن هذه الأمة أمة الجهاد والعمل والبذل والتضحيات على مدار التاريخ، فقد كانت:
1) هجرة المسلمين للحبشة في رجب من العام الخامس للبعثة النبوية، وما تمثله تلك الهجرة من معانٍ سواء على مستوى الفرد أو الجماعة المسلمة.
2) حادثة الإسراء والمعراج وبيان اللطف الإلهي برسوله وفضل العبادة التي افترضها الله في ذاك المقام العالي، فكانت الصلاة معراج المؤمن كل يوم خمس مرات.
3) عدد من الغزوات المباركات مثل: غزوة تبوك في العام 9 هـ، فتح دمشق في العام 13 هـ، فتح مدينة الأنبار في العام 13 هـ، موقعة اليرموك في العام 15 هـ، كما أن تحرير القدس كان بعد معركة حطين في رجب من العام 583 هـ.
لم يكن شهر رجب حافلًا بمثل هذه الأحداث فحسب، بل وقعت فيه حوادث أخرى مثل: وفاة الزبير بن العوام عام 36هـ، ووفاة عمر بن عبد العزيز عام 101هـ، وكان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة في رجب من العام 2 هـ، وكانت آخر مصائب الأمة بسقوط الخلافة العثمانية في رجب من العام 1342هـ الموافق 3/3/1924م.
ذاكرتنا التاريخية بتقويمها الهجري لابد أن تكون حاضرة في الأذهان، حتى نعلم ونوقن أننا أمة السيادة والسؤدد والتقدم والبنيان، وريادة البشرية والأزمان، فنرفع سواعد الجد والاجتهاد، ونعمل امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اِ۪عْمَلُواْ فَسَيَرَي اَ۬للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَالْمُؤْمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَيٰ عَٰلِمِ اِ۬لْغَيْبِ وَالشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَۖ﴾.
حتى يظهر للأمة شأنها وتصبح شامة بين الأمم، ولا يكون ذلك إلا بالعمل الجاد والجهاد المستمر، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَيٰ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ اَ۬لنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَۖ﴾.



