اجتماعيةعامقضايامقالاتمقالات تربوية

رمضان شهر الرحمة والتكافل

أ. مصباح الورفلي

لا شكّ أن شهر الخيرات والبركات ينتظره المسلم بشوق ولهفة، يستقبله بقلب منيب، وعزم صادق على الصيام والقيام والذكر وتلاوة القرآن، يسأل المولى سبحانه المغفرة والقبول والعتق من النيران. إنه شهر تتضاعف فيه الحسنات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُغفر فيه الزلات، كما قال النبي ﷺ: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه” متفق عليه.
غير أن من أعظم القُرَب في هذا الشهر المبارك، بعد أداء الفرائض وإحياء الليل، تفقد الفقراء والمحتاجين، وبخاصة من الأقارب والجيران.
فالعبادة في الإسلام ليست انكفاء روحيا فحسب، بل هي رحمة تمتد إلى الناس، ورحمة المؤمنين بعضهم ببعض من دلائل صدق الإيمان.
لقد قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ البقرة: 261. وقال سبحانه: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ البقرة: 273.
إنها مضاعفة للأجر لا تقاس بمقاييس البشر، بل بفضل الله الذي لا يحدّه حد.
وفي ظلّ الظروف الاقتصادية الخانقة، وغلاء الأسعار، وتفاقم الأوضاع الاجتماعية، توجد أُسر عفيفة تتوارى خلف ستار الكرامة، قصّرت في تلبية احتياجاتها اليومية، لا تسأل الناس إلحافا، ولا تُظهر ضيقها، لكنها تعاني في صمت. وهناك مرضى أنهكهم الداء، وعجزوا عن شراء دواء أو سداد مصاريف علاج.
وهنا تتجلّى حقيقة الصيام، فليس الصوم امتناعا عن الطعام فحسب، بل هو إحساس بالجائع، ورحمة بالمحتاج، وسعي في قضاء الحوائج.
قال ﷺ: “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله”، متفق عليه. وقال ﷺ: “من فطّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء”، رواه الترمذي.
وكان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، كما في الصحيحين، جود لا يعرف الشح، وعطاء لا يحدّه حساب.
وأما الصدقة فهي دواء القلوب والأبدان، فقد قال ﷺ: “داووا مرضاكم بالصدقة”، حسنه بعض أهل العلم، وفي حديث آخر: “ما نقص مالٌ من صدقة”، رواه مسلم. فهي بركة في المال، وسعة في الرزق، ودفع للبلاء بإذن الله.
أخي المسلم..
تفقّد أقاربك، فجبر خاطر القريب صدقةٌ وصلة. وتفقد جيرانك، فحق الجار عظيم، حتى قال ﷺ: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه”، متفق عليه.
ابحث عن المريض الذي أثقله ثمن الدواء، وعن رب أسرة ضاقت به الحال، وعن أم تعجز عن تلبية احتياجات صغارها.
وتذكّر أن التكافل الاجتماعي ليس شعارا نظريا، بل فريضة عملية، جسّدها الإسلام في الزكاة والصدقات والكفارات وسائر أبواب البر. قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ الذاريات: 19.
ولا ننسى أهلنا في غزة وعموم فلسطين، وقد أدركهم الشهر وهم في نزوح وألم، مع انعدام سبل الغذاء والماء، وكذلك إخواننا في السودان الذين أنهكتهم الحروب والابتلاءات.
إن أعظم الأجور أن يتسع قلبك لأمتك، وأن يكون عطاؤك عابرا للحدود، رحمة بإخوة لك تجمعك بهم عقيدة الإسلام.
إن شهر الفضل والجود قد أقبل، فلا تجعلوه موسما للموائد فحسب، بل موسما للقلوب الرحيمة، والأيادي المعطاءة.
أقبلوا على الخير، واسعوا في قضاء الحوائج، وكونوا مفاتيح للرحمة، مغاليق للشر.
فالمال يفنى، والجاه يزول، ويبقى العمل الصالح ذخيرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
نسأل الله أن يجعلنا من المقبولين، وأن يرزقنا صدق الإخلاص، وسعة العطاء، وأن يبارك لنا في رمضان، ويعيننا فيه على الصيام والقيام والإنفاق في سبيله.

Related Articles

Back to top button