شهر الصبر والقرآن، شهر التوبة والغفران

بسم الله الرحمن الرحيم
شهر رمضان
شهر الصبر والقرآن، شهر التوبة والغفران
قد أظلَّكم شهرٌ عظيمٌ مباركٌ، شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، شهرٌ جعل اللهُ صيامَه فريضةً وقيامَ ليلِه تطوُّعًا، وهو شهرُ الصَّبرِ، والصَّبرُ ثوابُه الجنَّةُ، قال تعالى في الحديث القدسي: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له إلّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وأنا أجْزِي به)، وقد روي عن النبي ﷺ قوله: (واستكثِروا فيه من أربعِ خصالٍ؛ خَصلتَيْن تُرضون بهما ربَّكم وخَصلتَيْن لا غَناءَ بكم عنها؛ فأما الخصلتانِ اللتان تُرضون بهما ربكم فشهادةُ أن لا إله إلا اللهُ وتستغفرونهُ، وأمّا الخَصلتان اللَّتان لا غَناءَ بكم عنهما فتسألون اللهَ الجنَّةَ وتعوذون به من النّارِ)، وهو فرصة ونفحة ربانية للتوبة والإنابة إليه سبحانه، والفوز بعفوه ورضوانه.
يقول المولى سبحانه وتعالى:﴿يَٰأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُ۬لصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَي اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فتقوى الله مقصود الصوم وفائدته، وتقوى الله هي أداء ما به أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، والاستغفار يمحو الذنوب والخطايا، وعمل الصالحات برفع الدرجات، وشهر رمضان فيه تضاعف الأعمال، ويكفي أن المولى لم يحدد له جزاء، بل ترك الجزاء له وحده، والملك إذا أعطى أجزل، فأبشروا بعطاء الرب الكريم.
إن أحوال بلادنا وأمتنا وما تمر به من كوارث ومحن، تتطلب منا وقفة جادة، وتوبة صادقة، وإنابة مخبتة، واستغفارا كثيرا، يقول تعالى في كتابه الكريم على لسان سيدنا نوح ناصحا قومه: ﴿اُ۪سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّاراٗ ١٠يُرْسِلِ اِ۬لسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراٗ ١١ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٖ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰراٗۖ﴾، وعلى لسان سيدنا هود: ﴿وَيَٰقَوْمِ اِ۪سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ اِ۬لسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراٗ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَيٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَۖ﴾، وأمر سيدنا محمدا ﷺ أن يدعو قومه: ﴿وَأَنِ اِ۪سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٖ مُّسَمّيٗ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِے فَضْلٖ فَضْلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٖ كَبِيرٍۖ﴾، فالتوبة والاستغفار مفتاح لكل خير، ومجلبة لرضا الرحمن وعفوه وفضله، ومدعاة للتوفيق في الأقوال والأعمال. فليكن شهر رمضان هذا العام شهرا فارقا لبلادنا بين مرحلتين وفترتين؛ بداية للخير والنماء، ونهاية للخوف والأحزان، ولا يقولن أحد منا إنني لست معنِيًّا بهذا الأمر، بل الجميع مخاطبون؛ الصالحون قبل غيرهم، والدعاة والعلماء قبل عامة الناس، فلنجتهد جميعا في التوبة والاستغفار، لعل الله أن يجعل لنا من همنا فرجا ومخرجا ويوفقنا لما فيه خير البلاد والعباد، وينزل علينا الغيث مدرارا، وينبت الأرض، ويبارك في الرزق، ويخرجنا من هذا التيه الذي أوقعنا أنفسنا فيه.
اللهم إنا عبيدك أبناء عبيدك أبناء إمائك، نواصينا الخاطئة بين يديك، لا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، الأمر أمرك والحكم حكمك، إن أعطيت فبفضلك، وإن منعت فبعدلك، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، وأخرجنا من ضيق جهلنا وخطايانا إلى نور هداك وفضلك يا رب العالمين.




