عاممقالاتمقالات تربوية

معالم تربية الفرد والمجتمع المسلم في خطبة حجّة الوداع

بقلم: الشيخ د. علي محمد الصَّلابي

وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع (ﷺ) في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد قاعدةً عريضةً تحمل دعوته، وقد تلقَّت عنه مباشرة، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رَحَى الإسلام دائرةً، وإلى الأبد (حوى، 1989، ص 2/1054)، ففي حجَّة الوداع كانت اللَّمسات الأخيرة في تربية الأفراد والمجتمع على كتاب الله وسنَّة رسوله (ﷺ).

  • تربية الأفراد على قطع الصِّلة بالجاهليَّة، والابتعاد عن الذُّنوب:

أ – فقد أشار (ﷺ) إلى أهمِّيَّة قطع المسلم علاقته بالجاهليَّة: أوثانها، وثاراتها، ورِباها، وغير ذلك، ولم يكن حديثُه (ﷺ) مجرَّد توصيةٍ، بل كان قراراً؛ أعلن عنه للملأ كلِّه؛ لأولئك الَّذين كانوا مِنْ حوله، والأمم الَّتي ستأتي مِنْ بعده، وهذه هي صيغة القرار: «ألا إنَّ كلَّ شيءٍ من أمر الجاهليَّة تحت قدمي موضوعٌ، دماءُ الجاهليَّة موضوعةٌ… وربا الجاهليَّة موضوعٌ» (البوطي، 1991، ص 303)، لأنَّ الحياة الجديدة الَّتي يحياها المسلم بعد إسلامه حياةٌ لا صلة لها بِرِجْسِ الماضي، وأدرانه (قلعجي، 1996، ص 303).

ب – وقد حذَّر (ﷺ) من الذُّنوب، والخطايا، والآثام، ما ظهر منها، وما بطن؛ لأنَّ الذُّنوب، والخطايا تفعل بالفرد ما لا يفعله العدوُّ بعدوِّه، فهي سبب مصائبه في الدُّنيا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30] فـتُـرْدِيه في نار جهنَّم في الآخرة، وتفعل في المجتمعات ما لا يفعله السَّيف.

وأعلن رسولُ الله (ﷺ): أنَّه لا يقصد بالخطايا العودة إلى عبادة الأصنام؛ لأن العقول الَّتي تفتَّحت على التَّوحيد ترفض أن تعود إلى الشِّرك الظاهر، ولكنَّ الشَّيطان لا ييئس من أن يجد طريقه إليها من ثغرات الخطايا، والذُّنوب، حتَّى تُرْدِي صاحبها في المهاوي (قلعجي، 1996، ص 303).

  • تربية المجتمع على مبادئ أساسيَّة:

أ – الأخوَّة في الله هي العُروة الوُثقى الَّتي تربط بين جميع المسلمين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، فقد قال(ﷺ) : «أيُّها النَّاس! اسمعوا قولي، واعقلوه، تَعَلَّمُنَّ: أنَّ كلَّ مسلمٍ أخٌ للمسلم، وأنَّ المسلمين إخوةٌ؛ فلا يحلُّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسٍ منه، فلا تَظْلِمُنَّ أنفسكم». وقال: «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، حتَّى تلقَوا ربَّكم فيسألَكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلاَّلاً يضرب بعضُكم رقاب بعض». [سبق تخريجه].

ب – الوقوف بجانب الضَّعيف، حتَّى لا يكون هذا الضَّعف ثغرةً في البناء الاجتماعيِّ، فأوصى(ﷺ) في خطبته بالمرأة والرَّقيق على أنَّهما نموذجان من الضُّعفاء (قلعجي، 1996، ص 304)، فقد شدَّد(ﷺ) في وصيته بالإحسان إلى الضُّعفاء (الدقس، 1994، ص 575)، وأوصى خيراً بالنِّساء، وأكَّد في كلمةٍ مختصرةٍ جامعةٍ القضاءَ على الظُّلم البائد للمرأة في الجاهليَّة، وتثبيت ضمانات حقوقها، وكرامتها الإنسانيَّة، الَّتي تضمَّنتها أحكام الشَّريعة الإسلاميَّة (البوطي، 1991، 332).

ج – التَّعاون مع الدَّولة الإسلاميَّة على تطبيق أحكام الإسلام، والالتزام بشرع الله، ولو كان الحاكم عبداً حبشيّاً؛ فإنَّ في ذلك الصَّلاحَ، والفلاحَ، والنَّجاةَ في الدُّنيا، والآخرة (الدقس، 1994، ص 576)، فقد بيَّن(ﷺ) العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنَّها تعتمد على السَّمع، والطَّاعة ما دام الرَّئيس يحكم بكتاب الله وسنَّة رسوله(ﷺ) ، فإذا مال عنهما؛ فلا سمع، ولا طاعة، فالحاكم أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى (البوطي، 1991، ص 333).

د – المساواة بين البشر: فقد قال(ﷺ) : «لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتَّقوى. النَّاس من ادم، وادم من تراب» [رواه أحمد (5/411) عن رجل من أصحاب النبيِّ(ﷺ) ، والبزار (2044) عن أبي سعيد، والطبراني في الكبير (18/12 – 13)، وانظره في مجمع الزوائد (3/272)]؛ حيث حدَّد: أن أساس التَّفاضل لا عبرة فيه لجنسٍ، ولا لون، ولا وطن، ولا قوميَّة، … إلخ، وإنَّما أساس التَّفاضل قيمةٌ خلقيَّةٌ راقيةٌ ترفع مكانة الإنسان إلى مقاماتٍ رفيعةٍ جداً (عرجون، 1984، ص 2/876).

هـ  تحديد مصدر التَّلقِّي: وقد حدَّد (ﷺ) مصدر التَّلقِّي والطَّريقة المثلى لحلِّ مشاكل المسلمين، الَّتي قد تعترض طريقهم، في الرُّجوع إلى مصدرين لا ثالث لهما، ضمن لهم بعدَ الاعتصام بهما الأمان من كلِّ شقاءٍ، وضلالٍ، وهما: كتاب الله، وسنَّة رسوله (ﷺ) ، وإنَّك لتجده يتقدَّم بهذا التعهُّد، والضَّمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده؛ ليبيِّن للنَّاس أنَّ صلاحية التَّمسُّك بهذين الدَّليلين ليس وقفاً على عصرٍ دون اخر، وأنَّه لا ينبغي أن يكون لأيِّ تطوُّرٍ حضاريٍّ، أو عُرْف زمنيٍّ أيُّ سلطانٍ، أو تغَلُّبٍ عليهما (البوطي، 1991، ص  333).

لقد وصف(ﷺ) الدَّاء، والدَّواء، ووضع العلاج لكلِّ المشكلات بالالتزام التَّامِّ بما جـاء من أحكامٍ في كتاب الله وسنَّة رسوله(ﷺ) : «تركت فيكم ما إن تمسَّكتُم به؛ لن تضلُّوا بعدي أبداً كتابَ الله، وسنَّتي». [مالك في الموطأ (2/899)، ومشكاة المصابيح (186)، والسلسلة الصحيحة (1761)].

هذا هو العلاج الدَّائم، وقد كرَّر(ﷺ) نداءه للبشريَّة عامَّةً عبر الأزمنة، والأمكنة بوجوب الاهتداء بالكتاب، والسُّنَّة في حلِّ جميع المشكلات الَّتي تواجه البشريَّة؛ فإنَّ الاعتصام بهما يجنِّب النَّاس الضَّلال، ويهديهم إلى الَّتي هي أقوم في الحاضر، والمستقبل، لقد اجتازت تعاليم رسول الله(ﷺ) ، وهديه حدود الجزيرة، واخترقت حواجز الزَّمن، وأسوار القرون، وظلَّ يتردَّد صداها حتَّى يوم النَّاس هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلم يكن يخاطب سامعيه، فيقول لهم: (أيُّها المؤمنون! أيُّها المسلمون! أيُّها الحجَّاج)؛ بل كان يقول لهم: (أيُّها النَّاس!)، وقد كرَّر نداءه إلى النَّاس كافَّةً مرَّاتٍ متعدِّدةً دون أن يخصِّصه بجنسٍ، أو بزمانٍ، أو مكانٍ، أو لونٍ، فقد بعثه الله للنَّاس كافَّةً، وأرسله رحمةً للعالمين (باشميل، ص 131).

المراجع:

  1. باشميل، أحمد محمد، الجانب السِّياسي في حياة الرَّسول ﷺ.
  2. البوطي، محمد سعيد، (1991)، فقه السيرة، الطَّبعة الحادية عشرة، 1991 م، دار الفكر، دمشق – سورية.
  3. الدقس، كامل سلامة، (1994)، دولة الرَّسول (ﷺ) من التَّكوين إلى التَّمكين، لكامل سلامة الدقس، دار عمَّار – عمَّان، الطَّبعة الأولى، 1415هـ 1994م.
  4. حوى، سعيد، (1989)، الأساس في السُّنَّة، وفقهها – السِّيرة النَّبويَّة لسعيد حوَّى، دار السَّلام بمصر، الطَّبعة الأولى، 1409 هـ 1989 م.
  5. عرجون، محمد صادق، (1984)، الموسوعة في سماحة الإسلام لمحمَّد صادق عرجون، ط الثَّانية 1404 هـ 1984 م، الدَّار السُّعودية للنَّشر، والتَّوزيع – جدَّة.
  6. الصلابي، علي محمد، (2021)، السيرة النبوية، ج 2، ط11، دار ابن كثير، 2021، ص 541-547.
  7. قلعجي، محمد، (1996)، قراءة سياسية للسِّيرة النَّبوية، دار النفائس، الطَّبعة الأولى 1416 هـ 1996 م، بيروت – لبنان.

Related Articles

Back to top button