معيار القيمة الحقيقية للإنسان

أ.محمد العوامي
{ إنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللهِ أَتْقَٰكُم }
يقول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: “مقامك حيثُ أقمتَ نفسك، لا حيث أقامك الناس، فالناس لا تعدل ولا تزن.”¹
كلمات تختصر فلسفة عميقة في فهم القيمة الحقيقية للإنسان، وتضع معياراً مغايراً لما تعارف عليه الناس من مظاهر ومقاييس سطحية. فالقيمة ليست في المنصب، ولا في مدح الناس، بل في الذات: في ما تُقيمها عليه من طاعة، وعلم، وأخلاق، ومواقف، وسعي إلى الحق.
☑️ معيار القرآن: التقوى لا المظاهر:
القرآن الكريم ينسف المقاييس الاجتماعية الظالمة، ويضع معيارًا ربانيًا ثابتًا، حين يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}²
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وليس في كتاب الله آية واحدةٌ يمدح فيها أحداً بنسبه، ولا يَذُمُّ أحداً بنسبه، وإنما يمدحُ الإيمانَ والتقوى، ويذمَ بالكفرِ والفسوقِ والعصيان”³
هنا تتبدد الألوان والمناصب والعناصر والجهات والأموال والجاه ، إنه معيار رباني.
فأكرم الناس ليس أغناهم، ولا أشهرهم، ولا أكثرهم جاهاً، بل هو أتقاهم، أي أعظمهم مراقبة لله، وأكثرهم طاعة وورعًا.
☑️ المعيار النبوي: لا فضل إلا بالتقوى:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».”⁴
المعيار الأسمى عند الله هو ما تستقر في القلوب من نوايا صادقة، وتقوى الله، والإخلاص في العمل، والمحبة له سبحانه والخوف منه. ويقترن ذلك بالأعمال الصالحة التي تترجم هذه النوايا الطيبة إلى سلوك واقعي.
فمن أخلص قلبه لله تعالى، ووافق ذلك عمل صالح، نال بذلك رضا الله وقبوله، وإن لم يحظَ بجاه أو مال في الدنيا.
وهذا الحديث دعوة واضحة إلى الاهتمام بباطن الإنسان وتهذيبه قبل الاهتمام بمظهره الخارجي، وإلى العناية بنقاء السريرة قبل تجميل الصورة الظاهرة، لأن الله تعالى ينظر إلى جوهر الإنسان وصدق نيته، لا إلى زينته ومظهره فحسب.
☑️ الصالحون وفهم المقام
حالُ المسلِمِ في اعتزازِه بدينِه كحالِ أميرِ المُؤمِنين عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه حينَ قال:
“إنَّا كنَّا أذَلَّ قومٍ، فأعزَّنا اللهُ بالإسلامِ، فمهما نطلُبِ العِزَّةَ بغيرِ ما أعزَّنا اللهُ به أذَلَّنا اللَّهُ.”⁵
فلا اعتزازَ إلَّا بالإسلامِ، ولا انتماءَ إلَّا إلى الإسلامِ لا جاه ومنصب ولا نسب ولا مال.
كما سلمان الفارسي رضي الله عنه:
○ أبي الإسلامُ لا أبَ لي سِواه◇◇إذا افتَخَروا بقَيسٍ أو تميمِ.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: ” إن من رأس التواضع أن تبدأ من لقيت بالسلام ، وأن ترضى بالدون من شرف المجلس ، وتكره المدحة ، والسمعة ، والرياء بالبر “.⁶
وقال ابن المبارك رأس التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل .⁷
وقال الإمام الشافعي:
“أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلاً من لا يرى فضله.”⁸
فالمقام الحقيقي هو مقام العلم، والزهد، والصدق، والتقوى، لا مقام العناوين المزيفة.
☑️ المقام الحق: ما بينك وبين الله:
قد يكون الإنسان مغموراً في أعين الناس، لا يُعرف له اسم، ولا يُشار إليه بالبنان، لكنه عند الله عظيم.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: “رُبَّ أشعثَ أغبَرَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ”⁹
الميزان تقوى الله عز وجل، كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، فمن كان أتقى لله، فهو أكرم عند الله، يُيسِّر الله له الأمر، يجيب دعاءه، ويكشف ضره، ويَبَرُّ قَسَمَه.¹⁰
✔️ القيمة الحقيقية للإنسان لا يحددها المجتمع، ولا يُقرّرها الناس، بل هو من يصنعها لنفسه بموقعه من الله.
• فمن أراد الرفعة فليُقم نفسه على طاعة الله.
• ومن أراد المقام العالي فليُعظّم مقام ربه في قلبه.
• ومن أراد الذكر الحسن فليعمل بصمت، لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
قال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ¹¹
• الشهرة والسمعة الطيبة والذكر الحسن؛ تُـوهب ولا تُطلب، فالله الذي يرفع الذكر.
🔖 الخلاصة:
“مقامك حيث أقمت نفسك بالإخلاص، لا حيث أقامك الناس بالمظاهر”.
الهوامش والمراجع:
¹. مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، الجزء الثالث.
². القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 13.
³.الفتاوى الكبرى:1/164.
⁴. صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، حديث رقم 2564.
⁵. رواه الحاكم (207) عن طارقِ بنِ شهابٍ رَضِيَ اللهُ عنه. صحَّحه الحاكم على شرط الشيخين والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/117).
⁶. الزهد لهناد بن السري.
⁷.إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين – محمد بن محمد الحسيني الزبيدي.
⁸. ورد في كتب الأدب والسير مثل: سير أعلام النبلاء للذهبي.
⁹. صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، حديث رقم 2622.
¹⁰. شرح رياض الصالحين (3/ 63- 66)
¹¹. القرآن الكريم، سورة الشرح، الآية 4.




