عامقضايامقالاتمقالات الرأيمقالات فكرية

نسخة عربية من المثقف الفرنسي

أ. محمد خليفة نصر

المثقف العربي نسخة من المثقف الفرنسي، شعر بذلك أم لم يشعر! وقد يتخيل المثقف العربي أن لا علاقة له بالمثقف والثقافة الفرنسية -لأنه لم يدرس في فرنسا- غافلاً عن حقيقة استنساخه على المثال الفرنسي قد جرى بوساطة وسيط ثقافي. وفي هذا يكمن الفرق بين رداءة النسخة الليبية وأصالة النسخة التونسية، لأن المثقف الليبي استُنسخ ليس عن المثقف الفرنسي وإنما عن المسخ المصري، نظرًا لتدفق الثقافة الفرنسية (ولا سيما القانونية والسياسية منها) على ليبيا عن طريق مصر، بينما اختصر بورقيبة طريق الاستنساخ فجعل من المثقف التونسي نسخة أصلية، إن لم تكن طبق الأصل، من المثقف الفرنسي، عبر تعليم فرنسي أو في فرنسا. التونسي يدرس في فرنسا والليبي يدرس في مصر، وشتان بين من يأخذ من الأصل ومن يأخذ بعده من الفرع.

من خصائص المثقف العربي المستنسخ على المثال الفرنسي السطحية، فبينما يبدو المثقف الفرنسي ضاربًا بجذوره في التراث الإغريقي-الروماني تارة، والتراث اليهودي-المسيحي تارة أخرى، لا يبدو المثقف العربي قادرًا على الغوص فكريًا أبعد من «الثورة الفرنسية» لأنه يصل عندها إلى درجة الفناء، فهي بداية التاريخ وغايته، وفيها يفنى فناءً صوفيًا لأنها وحدة وجوده المعرفي؛ فالوجود العربي-الفرنسي يبدأ بالثورة الفرنسية وعندها ينتهي. ولا يستطيع مثقفنا تجاوزها ولو إلى ثورة أعظم وأعمق منها، هي الثورة الأمريكية!

احتوى إعلان الاستقلال الأمريكي (أول مرة في التاريخ الحديث) على الآتي: أولاً؛ حق الشعوب في تقرير مصيرها ولو بالثورة، والاستقلال ولو بالقوة، وثانيًا؛ الثورة على أنها واجب عندما تتجاوز الحكومة حدودها فتمارس الطغيان بالتعدي على حقوق الأفراد، بدل احترامها، ومصادرة الحريات، بدل حمايتها. إعلان الاستقلال الأمريكي أعظم وثيقة أعدها الإنسان للدفاع عن آدميته في وجه الإنجليز، وسيظل الإعلان كذلك على الرغم من التاريخ المخزي للولايات المتحدة تجاه الهنود الحمر، والسود، والفيتناميين، والفلسطينيين، والأفغانيين، والعراقيين.

هناك في الإعلان الأمريكي ما يسوّغ الثورة على أمريكا نفسها، لأن في الإعلان ما يفيد أن «الإنسان يتحمل الشر طالما في الشر ما يطاق، أما إذا تجاوز الشر حدود ما يطاق فالثورة هي الحل/الواجب». والشر الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أكبر مما يطيقه إنسان حر، والثورة على أمريكا لها في نظري ما يسوّغها. على كل حال، كانت الثورة الأمريكية مصدر إلهام الثورة الفرنسية، ولكن المثقف العربي لا يرى شيئًا من ذلك، لأنه يفنى في الثورة الفرنسية حتى لا يعد قادرًا على رؤية غيرهاـــ

مربط الفرس فيما سلف أن المثقف العربي مستعد لأن يغفر لفرنسا جرائمها ضد الإنسانية تقديرًا للثورة الفرنسية، التي لم تكن سوى نهر من الدماء ومصدر إلهام لأنهار أخرى من الدماء التي تفجرت في روسيا-ستالين، و كمبوديا-بول بوت اقتداءً بسنة ثوار فرنسا الذين سيطرت عليهم فكرة ضرورة إبادة المجتمع القديم لبناء مجتمع جديد! لقد أطلق الثوار الفرنسيون عنان المقصلة في الرقاب الفرنسية، وقتلوا في تصفيات دموية رهيبة الرهبان والنساء والأطفال، بل أحرقوا من لجأ منهم إلى الكنائس دون مراعاة لأية حرمة. وعلى الرغم من كل هذا، وهو تاريخ موثق، لا يرى العربي في الثورة الفرنسية سوى «إعلان حقوق الإنسان»! تلك الحقوق التي تتبخر كلما تعلق الأمر بالإنسان الفلسطيني!

ومن خصائص المثقف العربي المستنسخ على المثال الفرنسي الانتهازية، لإدراكه أن ذاك المؤهل هو ما يجعل العبيد ملوكًا ورؤساء دول، ووزراء، وسفراء. المثال على النجاح المتولد عن الانتهازية وأخلاق العبيد اسمه بطرس غالي، الذي أهلته أخلاقه للعمل في ظل عبد الناصر، ثم السادات، ثم مبارك، ثم عصمت عبد المجيد. وقد تمت مكافأته على أخلاق العبيد بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، لدورة واحدة، ثم لم يُجدد له عندما اعتقد أن في إمكانه التحلي بأخلاق الأحرار، ولو مرة واحدة!

وفي عالم مثل هذا، حيث السيادة لأخلاق العبيد، ترى المثقف العربي يتوجه باللوم إلى حماس كلما تعرض الفلسطينيون إلى محنة! وقد خطا المسخ مؤخرًا خطوة واسعة على طريق أخلاق العبيد عندما صنف حماس «منظمة إرهابية»، وهو التصنيف نفسه الذي وضعها عليه سيده الصهيوني! وبعدها وضعت دولة بني إسرائيل من تحلى بأخلاق العبيد أمامها (مثقفون وحكومات) وتترست بهم في مواجهة قطر ومنصتها الإعلامية، قناة الجزيرة، التي تنقل مشاهد لا ينبغي أن يراها العالم: مشاهد شعب يتم استئصاله بطريقة ممنهجة دون شفقة أو رحمة… شعب لا جريمة له إلا أنه يعيش على أرض أجداده! شعب يدفع بأبنائه إلى ساحة الوغى بقيادة حماس دون تسول أو تذمر ـــــ وهذا أخشى ما يخشاه نظام عالمي قائم على أخلاق العبيد وقد يزول بزوالها!

كأني أسمع القارىء يقول بشيء من نفاد الصبر: من الخطأ التعميم.. لا تعمم!
طيب …! هناك بطبيعة الحال مثقفون عرب لا يعطون الدنية في دينهم ويفضلون الموت على التحلي بأخلاق العبيد.
أين هم؟!
إن لم يكونوا في القبور فهم في السجون، أو في المنافي. ومن لم يغادر منهم وطنه يعش بين أهله محرومًا/مهمشًا، وغير قادر على النظر في عيون أطفاله العاجزين عن فهم سبب الحرمان المحيط بهم، مقارنة بالنعيم الذي يعيشه أبناء من يسير سيرة العبيد. يا للأسف؛ الأولاد لا يعرفون قاعدة «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها» لأنها من القيم التي فقدناها عندما ذهبنا نتعلم في الغرب فعلمنا الغرب أخلاق العبيد، وكافأ من قبل منا ذلك بمنصب «موظف سام» في منظمة الأمم المتحدة أو بعض أجهزتها!

أحد العبيد وكان بدرجة «مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة» جاء لليبيين بخريطة لتقسيم ليبيا بينما دماء الليبيين تسيل على كل الجبهات وفي كل الاتجاهات سنة 2011! لم يكن لمبعوث الأمين العام بقية من أخلاق عرب الجاهلية لتمنعه من المشاركة في تقسيم ليبيا إنقاذًا لنظام القذافي أو تنفيذًا لمشروع يتجاوز ليبيا والقذافي واسمه “تقسيم المقسم”!

وأسوأ ما في أخلاق العبيد أن العبيد يتعلمونها تحت لافتة «الحرية»، فالمثقف العربي وهو يتمثل أخلاق العبيد، التي أصبحت تشكل «لا وعيه» الذي تصدر عنه تصرفاته، يتحول بسرعة البرق إلى أداة لمحاربة من لا يقبل أخلاق العبيد من اخوانه، أو من ليس لديه «قابلية للاستعمار» في لغة مالك ابن نبي. في ظل هذه الأخلاق تجاوزنا أوضاع العبيد، وأصبحنا حيوانات استهلاكية، وحقل تجارب، بل مزرعة حيوانات جورج أورويل التي من شعاراتها: «العبودية هي الحرية.. الجهل هو القوة»!

ما الفرق بين أرانب المختبرات وجرذانها والإنسان (التونسي) الذي جُربت فيه أدوية إسرائيلية جديدة مقابل حفنة من الدينارات؟
ما الفرق بين الحيوان والإنسان (الفلسطيني) الذي ظل يُقتل وتُنتزع أعضاؤه لبيعها في الولايات المتحدة طيلة سنوات؟
ما الفرق بين الحيوان والإنسان (الليبي) الذي تحددَ مكانه إما في الكلاب الضالة (إن كان في المعارضة) وإمّا في الكلاب الأليفــة (إن كان مع النظام)؟! ولم تنتهِ حقبة صاحب التصنيف حتى اكتشف أن الليبيين جرذان! لقد خيبوا رجاءه لاعتقاده أنه حوّلهم إلى حيوانات فوق مستوى الجرذان بتطبيقه شعار «الجهل قوة». هل هناك كلاب وجرذان في غير مزرعة الحيوانات؟ وهل هناك قوة، تحول الإنسان إلى دابة، غير قوة الجهل؟

لا أتوقع أية إجابة عن هذه الأسئلة ممن يحملون في أنفسهم أخلاق العبيد، لأن السيد حدد لهم مهمة بعينها: التصدي للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين!

ليس من أخلاق العبيد طرح الأسئلة التي لم يطرحها السيد، وإلا لكنا سمعنا على الأقل سؤالاً من نوع: كيف يمكن التصدي للتنظيم العالمي لليهود (الصهيونية) بغير تنظيم عالمي للمسلمين؟ الصهيونية منظمة عالمية معلنة منذ عقود! فما العار وما الجريمة، يا زريبة جورج أورويل، في أن يكون للمسلمين تنظيم عالمي لا تحكمه أخلاق العبيد؟!

لو علمت فرنسا أن الشيخ أحمد ياسين سيقوم، على الرغم من عجزه الجسدي، بتأسيس تنظيم مسلح يقف بوجه الاحتلال اليهودي لوفرت له منحة للدراسة في فرنسا ليضيف إعاقة عقلية إلى إعاقته الجسدية، مثلما حدث لأشهر نسخة مصرية من المثقف الفرنسي. ولو تم ذلك لرجع ياسين بأخلاق العبيد ولباشر منذ اليوم الأول الهجوم على حسن البنا الذي أنشأ تنظيمًا مسلحًا (ليقاتل الإنجليز في مصر واليهود في فلسطين). حسن البنا أنشأ تنظيمًا مسلحًا في وجود الاحتلال الإنجليزي بمصر، وأحمد ياسين أنشأ تنظيمًا مسلحًا في وجود الاحتلال اليهودي بفلسطين، ليس لأنهما من المدرسة نفسها، وإنما لأنهما ليسا من العبيد!

Related Articles

Back to top button