
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله .
كنت قد كتبت منشورا مختصرا بالأمس، كتبت فيه مقدار زكاة الفطر كما حددته الوزارة، و قلت أن هذا الأصل و هو الامتثال، و من زاد على ذلك من باب اغناء الفقير ، فلينوي نية الصدقة ، وهي من باب الاحسان .!!!
لكن وجدت بعض الفضلاء علقوا و تعقبوا مشكورين، بذكر أقوال بعض العلماء، يصفون هذه الزيادة ، بالبدعية، أو الكراهة، أو المحادة لله و رسوله….
فتأملت في هذه الاعتراضات، فوجدتها لا ترقى إلى المصلحة المعتبرة و المتوخاة من هذه الزيادة التي هي في مصلحة الفقير، و أن اعمال قاعدة سد الذراىع من الخشية على طمس معالم الشريعة ورسومها مستبعدة ، لأن الأصل محدد و معلوم من الدين بالضرورة.
و رغم ذلك كانت فرصة لأن أبسط الموضوع فيها ، تنويرا للقارئ و تفقها في الدين، و حصرا للأقوال.
فالجمهور من الحنفية و الشافعية، و الحنابلة، على الجواز و خالف في ذلك بعض علماء المالكية ، بناء على قواعدهم في الاحتياط و سد الذرائع.
فأقول و بالله التوفيق:
======#الرأي الأول القائل بعدم الزيادة :
و هؤلاء حجتهم الاسباب التالية :
1_ أن الزكاة عبادة و الأصل فيها التوقف عند ما حدده الشرع.
2_ أن الزيادة تعتبر طعنا في قصور المشرع عن إدراك مصلحة الفقير ، التي و قتها و حددها.
3_ أنها من باب محاداة الله ورسوله، و الاعتراض على حكم الله.
4_ أنها من باب سد الذرائع ، حتى لا تطمس معالم الشريعة و رسومها، و تاتي اجيال لا تدرك المقدار المحدد لهذه العبادة
5_ أن صاحبها متردد فيما حدده الشرع ، فهو شاك فيما قدره الشرع، و ليس مسلما له فيه.
#و رصدت بعض أقوال أئمتنا المالكية في هذا الشأن، و بعض العلماء أصحاب النزعة الحرفية الذين شددوا في الموضوع، و ارتقوا به الى عقيدة المزكي من جهة تبديعه، بل و التقول على الله !!!
قال العلامة الدردير في شرحه لمختصر خليل وهو يتحدث عن الزيادة على الصاع في زكاة الفطر قال: “وندب عدم زيادة الصاع بل تكره الزيادة عليه لأنه تحديد من الشارع فالزيادة عليه بدعة مكروهه، كالزيادة في التسبيح على ثلاث وثلاثين.ـ”. انتهى.( الشرح الصغير ٩٥٤/٣ )
قال القرافي:” أي حيث تحقق الزيادة وأما مع الشك فلا قاله (عج) أي كما تقضيه قاعدة أن الشاك غير المستنكح يبني على الأقل” الزرقاني على خليل .
قال ابن غازي المنكناسي:” قوله: (وعَدَمُ زِيَادَةٍ) الظاهر من اقتصاره عَلَى هذه العبارة أنه يشير لقول مالك: لا يؤديها بالمُدّ الأكبر بل بِمُدِّهِ – عليه السلام -.فإن أراد خيراً فعلى حدته.
قال القرافي: سدّاً لذريعة تغيير المقادير الشرعية. ولو أراد عدم زيادة المسكين على صاع واحد لقال مثلاً: وعدم زيادة مسكين، وسيقول فِي الجائزات ودفع صاع لمساكين وآصع لواحد. والله تعالى أعلم.”. شفاء الغليل في حل مقفل خليل.
ووجدت أن اغلب شراح خليل رحمه الله يعلقون بنفس الكلام و النفس عند قوله [ و ندب عدم زيادة صاع] على كراهية الزيادة على المنصوص و إلحاقها بالتعبدات الممحضة التي ليست معقولة المعنى، ووجب التوقف فيها على ما رسمه الشارع من حدود و مقادير.
==========#الرأي الثاني القائل بالزيادة:
و هذا المذهب سلك مسلك التفرقة بين الأصل المقدر ، و الزيادة عليه، واشترطوا في ذلك :
1_ أن يفصل بين مقدار الزكاة ، و ما يتصدق به كزيادة.
2_ ألا يعتقد أن الشارع أخل بحاجة الفقير و لم يدرك عوزه.
3_ أن الالتزام بالمقدر هو الأولى .
فقد سئل ابن تيمية رحمه الله:
عَمَّنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ؟ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا صَاعٌ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ هُوَ نَافِلَةٌ هَلْ يُكْرَهُ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهِيَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. وَإِنَّمَا تُنْقَلُ كَرَاهِيَتُهُ عَنْ مَالِكٌ. وَأَمَّا النَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ “.مجموع الفتاوى.
ومن المعاصرين الشيخ الفوزان حفظه الله.
حيث سئل: ما حكم تعمد الزيادة على الصاع في زكاة الفطر ولو نوى بها صدقة؟
الجواب: لا بأس، الزيادة مفتوحة ما في بأس، أما النقص هو الذي لا يجوز ولا يجزئ. انتهى كلامه.
========#الترجيح:
و الذي أميل إليه هو القول الثاني، و هذا بالنظر الى الأسباب المذكورة، في الاعتراض على الزيادة ، على انها لو روعيت عند الزيادة لإنتفى الإشكال، فهي بمثابة العلة مع حكمها و جودا و عدما.
و جاء في الموسوعة الفقهية: الأصل أن يخرج المزكي القدر الواجب عليه لإبراء ذمته فإن زاد فذلك خير له لقول الله تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. والزيادة قد تكون في المقدار أو في الصفة. انتهى.
وهذا الصريح في كون التطوع في مثل هذه المقامات فيه خير كثير ،. و مما وجدته يشهد لهذا المقام ، ما ثبت في الحديث الصحيح .
فعن طلحة بن عبيدالله قال :” – جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مِن أهْلِ نَجْدٍ ثائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، ولا نَفْقَهُ ما يقولُ حتَّى دَنا مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فإذا هو يَسْأَلُ عَنِ الإسْلامِ، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: خَمْسُ صَلَواتٍ في اليَومِ، واللَّيْلَةِ فقالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قالَ: لا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ، وصِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ، فقالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فقالَ: لا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ، وذَكَرَ له رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ الزَّكاةَ، فقالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُها؟ قالَ: لا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ، قالَ: فأدْبَرَ الرَّجُلُ، وهو يقولُ: واللَّهِ لا أزِيدُ علَى هذا، ولا أنْقُصُ منه، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أفْلَحَ إنْ صَدَقَ.” رواه مسلم
ووجه الدلالة، في الحديث قوله : { هل علي غيرهن} ، و هذا الأصل
و قول الصادق المصدوق : { إلا أن تطوع}….
وهذا يدل على أن من اقتصر على الأصل فقد برئت ذمته، و أفلح في ذلك .
و كان هناك جمع لطيف ، استحسنته ذكره العلامة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله. قال : ” وأما الزيادة على الصاع فإن كان على وجه التعبد واستقلالاً للصاع فهذا بدعة، وإن كان على وجه الصدقة لا الزكاة فهذا جائز ولا بأس به ولا حرج، والاقتصار على ما قدره الشرع أفضل، ومن أراد أن يتصدق فليكن على وجه مستقل.
ويقول كثير من الناس: يشق علي أن أكيل ولا مكيال عندي فأخرج مقداراً أتيقن أنه قدر الواجب أو أكثر وأحتاط بذلك فهو جائز ولا بأس به”.مجموع الفتاوى للشيخ العثيمين رحمه الله.
وقد بنى هذا الاختيار على ضوابط :
الضابط الأول: لا يكون هناك اعتقاد بعدم استيفاء الصاع لحق الفقير .
الضابط الثاني: هو الفصل بين الأصل و الزيادة .
الضابط الثالث: أن يكون هناك حرج في الكيل لعدم وجوده أو فقده، فيخرج بالزيادة التي يطمئن بها القلب.
#ثم إختلف العلماء، القائلين بهذه الزيادة على الأصل ، هل الأجر على هذه الزيادة يكون كأجر الزكاة الواجبة أم يكون كأجر الصدقة النافلة؟
و لاشك أن الواجب واجب و النفل نفل، فليس من صلى فرضا كمن صلى نفلا، و من ترك محرما، كمن ترك مكروها.
و ظهر لي هذا الشاهد في قوله صلى الله عليه وسلم، – يقولُ اللَّهَ تبارك وتعالى: ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ، وما يزالُ يتقرَّبُ عبدي إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الَّذي يسمعُ بِهِ وبصرَهُ الَّذي يبصرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يبطشُ بِها ولئن سألني لأعطينَّهُ ولئنِ دعاني لأجيبنه ولئن استعاذَني لأعيذنَّهُ، وما تردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُهُ تردُّدي عن نفسِ المؤمنِ يَكرَهُ الموتَ وأَكرَهُ مساءتَهُ” رواه البزار في مسنده.
الشاهد : { أفضل من أداء ما افترضتُ عليه } فهذا هو الأصل و راس المال ، و قوله : { وما يزالُ يتقرَّبُ عبدي إليَّ بالنَّوافلِ} فهذا مقام الإحسان المشفع للامتثال.
ورغم ذلك فهي كلها موكلة إلى رب أكرم الأكرمين ، الذي إذا أعطى أدهش.
هذا و بالله التوفيق و هو حسبنا و نعم الوكيل
=======كتبه:
أ.د /بلخير طاهري الإدريسي الحسني المالكي الجزائري
وهران في : الخميس 27 رمضان (9) 1443 هجريًا الموافق 28 ابريل – نيسان (4) 2022م .
.




