﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ … بلاغة المحاججة وقوة الحق في خطاب مؤمن آل فرعون

بقلم: د. علي محمد الصلابي
يعرض القرآن الكريم في سورة غافر نموذجًا فريدًا للحِجاج العقلي والبلاغي في موقف مؤمن آل فرعون، حين تصدّى لمحاولة قتل موسى عليه السلام بكلمة حق قالها: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ويكشف هذا الموقف عن بناء محكم للحجة، يقوم على الاستفهام الإنكاري والتدرج في الخطاب، واستعمال لطائف التعبير القرآني لاستدراج الخصوم من منطق البطش إلى ميزان العقل والإنصاف. قال سبحانه وتعالى على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 28].
جسّد مؤمن آل فرعون في هذا الموقف أرقى صور الحكمة في الدفاع عن الحق، وأبلغ أساليب الجدل في مواجهة الطغيان، فكشف زيف مبررات القتل، وفضح منطق الاستبداد القائم على القهر لا الحجة. فقال لهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾: فهل هذه الكلمة البريئة المتعلقة باعتقاد قلب، واقتناع نفس، تستحق القتل، ويرد عليها بإزهاق روح؟ إنها في هذه الصورة فعلة منكرة بشعة ظاهرة القبح والبشاعة (سيد قطب، 2003، 5/3079)، فتقدير الكلام بالإنكار عليهم في قتله واستقباحه لأمرين:
أما أولاً؛ فلأنه قائل بالتوحيد لله عزّ وجل، وأما ثانياً؛ فلأنه قد جاءكم بالمعجزات الواضحة في هدايتكم للخير، وربما كان الإنكار بطريق الاستفهام في هذا السياق ألطف وقعاً على معاند متجبر من صيغة النهي بما توجبه حقيقته من إلزام واستعلاء، قد يؤدي إلى النفور (الكردي، 2010، ص 217).
– إيثار التعبير بالنكرة: ﴿رَجُلًا﴾ ليدل على عظمة موسى عليه السلام في الرجال حساً ومعنى، وقد ذكر البلاغيّون أن من أعراض التنكير التعظيم والتهويل والتكثير لتليين قلوب المخاطبين، واستدراجهم إلى الاعتراف بشناعة الفعلة، والنظر إلى الموقف بمعزل عن الأشخاص، ليكون الحكم أقرب إلى الإنصاف والموضوعية.
وتعليل موجب قتلهم موسى عليه السلام بما ينافيه، لمزيد من التشنيع والإنكار لفعلة الإقدام على قتل نفس محرّمة لأجل كلمة حقّة هي قوله: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتّة.
وإضافة الربوبية إلى ضمير المتكلم المحكيّ عن موسى عليه السلام: ﴿رَبِّيَ﴾، دون ضمير المخاطبين إمعاناً في استدراجهم إلى النظر في الأمر، وأنه لازال يتعلق بالمتكلم وحده، والقصر بتعريف الطرفين: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فيكون المعنى لا ربّ لي إلا الله سبحانه وتعالى، وفيه تعريض بمن اتخذ فرعون ربّاً مع أنه عبد حقير، كما أن فيه دلالة على أن فرعون لم يسع إلى قتله إلا انتصاراً لنفسه، ودفاعاً عن ملكه وبغيه.
وقد ذكرهم بأن موسى عليه السلام جاء بكلمة الحق، ومعه بيّنات ومعجزات لصدقه؛ يصعب أن يماروا فيها، فقد عهدوها، وشهدوها، وعمّتهم آثارها النافعة من عند ربهم؛ لا ربّه وحده، وبذلك خطا بهم خطوة أخرى لبيان سمة أخرى تستدعي التفكير في قرارهم، وهو استدراج لهم إلى الاعتراف لتلبيس قلوبهم، وكسر إرادتهم (الكردي، 2010، ص 217-219).
ب- ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: لأن بينته اشتهرت عندهم اشتهاراً علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله، فهلا أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان ببرهان يرده؟ ثم بعد ذلك نظرتم: هل يحل قتله إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟ فأما وقد ظهرت حجته؛ واستعلى برهانه؛ فبينكم وبين حل قتله مفاوز، تنقطع بها أعناق كثيرة (السعدي، 4/1547).
– وفي قوله: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: إضافة صفة الربوبية إلى ضمير المخاطبين ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعد ذكر البيّنات؛ بعد أن هيّأ نفوسهم للقبول، في حين كانت البداية بإضافتها إلى ضمير المتكلم المحكيّ عن موسى ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ففي الإضافة إلى ضمير المخاطبين استنزال لهم عن المكابرة استدراجاً إلى الاعتراف بالله رباً لهم، وليس لموسى عليه السلام وحده، فهو ربهم، لا إحسان عندهم إلا منه، فكما أن ربوبيته لموسى عليه السلام اقتضت منه الاعتراف؛ ينبغي أن تكون ربوبيته لهم داعية إلى ذلك، ثم قال لهم مقالة عقلية تقنع كل عاقل بأي حالة قدرت.
جـ- ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾:
أي: موسى بين أمرين، إما كاذباً في دعواه؛ أو صادقاً فيها، فإن كان كاذباً فكذبه عليه، وضرره مختص به، وليس عليكم في ذلك ضرر حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقاً -وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه عذبكم الله عذاباً في الدنيا، وعذاباً في الآخرة- فإنه لابد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وهو عذاب الدنيا، وهذا من حسن عقله، ولطف دفعه عن موسى عليه السلام، حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعل الأمر دائراً بين تلك الحالتين وعلى كل تقدير فقتله سفه وجهل منكم (السعدي، 4/1547).
ونلاحظ أن مؤمن آل فرعون سلك مع قومه مسلكاً في منتهى الإنصاف في الجدل والإفحام (سيد قطب، 2003، 5/3079)، وبنى كلامه على مسلّمة أن كل إنسان يتحمل تبعة عمله، ويجني عاقبته، وتتآزر اللطائف البيانية فيها لإبراز بلاغة الحجة، ودعم أسلوب الاستدراج، ثم انتقل بعد ذلك إلى التهديد من طرف خفي، وانتقل إلى أمر أعلى، منتهزاً سانحة التقسيم والحديث عن موسى؛ ليقول كلاماً يحتمل الوعد والوعيد بطريق الإنصاف، فينطبق على موسى عليه السلام كما ينطبق على قومه (الكردي، 2010، ص 220).
د- ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: ثم انتقل -رضي الله عنه وأرضاه، وغفر له ورحمه- إلى أمر أعلى من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل.
– ﴿كَذَّابٌ﴾: بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفقه للصراط المستقيم، أي: وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين العقلية، والخوارق السماوية، فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون مسرفاً ولا كاذباً، وهذا دليل على كمال علمه وعقله، ومعرفته بربه (السعدي، 4/1547).
وقال الدكتور محمد أبو موسى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: وهذا عام، وأن الكذاب من أهل الضلالة، وليس من أهل الهدى، وهذا ينطبق على كل مسرف كذاب، وليس ذماً في أحد، ولكن فيه معنى آخر هو أن الذي جاء بالبينات من ربه هو مهتد، لأن القاعدة أن الله لا يهدي من جميع هاتين الخسيستين: الإسراف الذي منه التهديد بالقتل؛ والكذب منه أن يظهر في الأرض الفساد، وهو بهذا فرغ من بيان الموقف الذي يوجبه العقل مع موسى عليه السلام، وذكرت أن بعض المفسرين ذكروا أنه هو الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، ويقول لموسى عليه السلام إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، وربما كان من الذين ألِفوا موسى، وألفهم في بيت فرعون، وهذا شيء آخر، وإنما نحن الآن مع رجل مؤمن يدافع عن الإيمان، وعن الذي جاء بالبينات من ربه، وهو مع موسى عليه السلام يشبه سيدنا أبا بكر مع سيدنا رسول الله ﷺ؛ مؤمن ومحب (أبو موسى، 2021، ص 479).
المصادر والمراجع:
(1) سيد قطب، (2003)، في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط32، 1423ه – 2003م.
(2) الكردي، زينب بنت عبداللطيف، (2010)، بلاغة الاحتجاج العقلي في القرآن الكريم، تحقيق: محمد بن علي الصامل، السعودية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1431ه – 2010م.
(3) السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، السعودية، الدمام، دار ابن الجوزي، ط4، 1435ه.
(4) أبو موسى، محمد محمد، (2021)، من حديث يوسف وموسى في الذكر الحكيم، القاهرة، مكتبة وهبة، ط1، 1442ه – 2021م.




