📚 وقفـات في فنّ الدّعوة والدّعاة 📚

💧 الانسحاب الهادئ للدّاعية
مـن ميادين الهدايــة 💧
✍🏿 بقلم الأستاذ إبراهيم بن ساسي
♕ كتب أخونا الدكتور الحجازي ( عبد الله بن معيوف الجعيد) مقالةً دعويةً تربويةً موسومةً ب [ حين يُطفئ الداعية سِراجَه بيده ، تأمّلات في الانسحاب الهادئ من ميادين الهداية ] أحببت أن أنقلها لأحبّتي عبر هذه السّانحة بشيء من التذليل والتدليل والتّعليل لزيادة النّفع
♕ يقول حفظه الله : ( بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، الحمد لله الذي جعل الدّعوة حياةً لا تُعاش باللّسان وحده ، والصّلاة والسّلام على من كان كلامه نورًا وصمته هداية ، وهمّه رحمة )
♕ وبعد هذه المقدّمة يقول : ( كانت الدّعوة يوماً في قلب الدّاعية كالسّراج المضيء يتّقد من الدّاخل ، ويمتدّ نورُه في الخارج ، ولم يكن النّاس يأتون إليه لجمال عبارته فقط ، بل لحرارة الإيمان التي تتغلغل من بين كلماته )
♕ أي والله ! فالدّاعية حامل نور ساطع ، لا يملك أن يحرم من نوره أحداّ ، شأنه شأن طبيب يروقه أن يكون سبباً في زوال كلّ الأسقام والآلام
♕ ليقول : ( لكن السّراج مهما كان قويًا قد يبهت إذا غفل صاحبه عن زيته ، وهكذا ينسحب الدّاعية أحيانًا من الميدان ، لا بخطواتٍ تُرى ، بل بإهمال الزّيت الذي كان يغذي نور قلبه )
♕ ويعلق موضِّحاً : ( البداية شرخٌ صغير لا يراه أحد ، كل انسحاب روحي يبدأ من مكانٍ لا يطّلع عليه إلا الله
∆ لحظةٌ يغيب فيها الخشوع الذي كان يفتح الباب
∆ ولحظةٌ يُؤجّل فيها الذِّكر الذي كان ينعش الروح
∆ ولحظةٌ تُستبدل فيها حرارةُ الإخلاص ببرود الأداء )
♕ ومنها تكون الشّرارة القاتلة فالنّار ومستصغر الشّرر ، غياب خشوع وذكر وبرودة إخلاص ولعمري فهي بداية يتهاوى فيها الجدار ، ثم ينبّه قائلاً :
( ومثلما لا يسقط الجدار دفعةً واحدة ، لا يسقط الداعية فجأة
بل تتكاثر الشقوق الصغيرة : انشغال وفتور وضيقٌ من الناس وثِقلٌ في الهمّة ، حتى يصحو فيجد نفسه واقفًا عند أطراف الطّريق ، بعدما كان يوماً يمشي في قلبه ، علامات الانطفاء حضورٌ يشبه الغياب )
♕ أجل ، فالمخرّبات كثيرة ومتتالية تظفئ الأنوار ، نوراً بعد نور ، فيغدو الحضور غياباً
ثم يضيف : ( بعض الدّعاة تغيب خطواتهم دون أن يغيب ظلّهم يُرى في المجالس ، ويُسمَع في اللقاءات ، ويُذكَر في المناسبات… لكن
∆ شيئًا في عينه لم يعد يلمع كما كان
∆ وشيئًا في صوته لم يعد يحمل الرجاء الذي كان يُنسي الناس آلامهم
∆ كأن الدّعوة أصبحت ثوباً يرتديه لا روحًا تسكنه
∆ وكأنّ القلب الذي كان يشتعل من أجل الآخرين ، صار يبحث عن حرارةٍ تُشعله هو ، فلا يجد النّاس ، قد لا يلحظون التغيّر … لكن القلب يعلم تمامًا أنّه أصبح يتكلّم أكثر مما يؤثّر ، ويحضر أكثر مما يحيي )
♕ وهذه هي الطّامة حين يفتقد الدّاعية حضور القلب وصدق العزم ولذّة الطاعة
♕ ويلخّص أسبباب هذا الدّاء
فيقول : ( حين يجفّ النهر من المنبع ، فالدّعوة ليست مهارة ولا حرفة ، ولا دوراً اجتماعيًا بل هي نهرٌ يفيض من علاقة العبد بربه ، فإذا جفّ المنبع بقي مجرى النّهر رسمًا بلا ماء )
وماذا ينتظر من كلإٍ جف ماؤه إلّا أن يجفّ فييبس فيغدو هشيماً تذره الريّاح
♕ ويقول : ( قد يُلام الدّاعية بسبب الظّروف أو النّاس ، أو المرحلة ، لكن الحقيقة أنّ الجفاف يبدأ حين ينسى الدّاعية أنّ الزّيت الذي يُنير سراج الدّعوة هو إخلاص السرّ
وخلوة الليل
وصدق الطلب
∆ فما ضعفت دعوةٌ كان سندها الله
∆ وما ذبُل قلبٌ كان رُكنه المحراب
∆ وما فقد الدّاعية أثره إلّا حين فقد علاقته بربه )
♕ فليكن سندنا
إخلاص وخلوة ومحراب ليلٍ
♕ ثم يستطرد قائلاً : ( يحتاج الداعية أحيانًا إلى أن يقف أمام نفسه وقفة شجاعة ليتساءل :
∆ هل ما زال النور يفيض ؟
∆ هل ما زال الطريق طريقًا ؟
∆ هل ما زالت الكلمات تعبر من القلب إلى القلب ، أم أنّها لم تعد تخرج من القلب أصلًا ؟
∆ هل ما زالت الدعوة نافذة إلى الآخرة ، أم أصبحت نافذةً إلى الناس فحسب ؟
♕ أسئلة تحتاج إلى صدق وشجاعة للإجابة عنها
و يحذّر من غيابه فيقول : ( إنّ أخطر أنواع الغياب
∆ أن يكون الإنسان غائبًا وهو في مقعده
∆ وأن يكون قلبه مستقيلاً بينما لسانه يعمل
هذا النّوع من الغياب لا يُرى
لكنّه يمحو أثراً كان الله قد كتبه له في حياة الناس
♕ ثم يرسم طريقا للعودة فيقول : ( طريق العودة ، إحياء السراج قبل إصلاح الطريق
∆ العودة إلى الميدان ليست في زيادة الأنشطة ولا في تعدد البرامج ، بل في إحياء السراج الذي بداخل القلب
∆ العودة إلى اللّحظة التي قال فيها الداعية أول مرّة : يا ربّ اجعلني سبباً لهداية أحدٍ إليك
∆ العودة إلى وضوءٍ كامل وسجدةٍ صادقة ، ودمعةٍ تُنقي القلب من شوائب الدّنيا
∆ العودة إلى القرآن ، لا على أنّه منهج فحسب ، بل صوتٌ يخاطب الرّوح
∆ العودة إلى الصّحبة التي تبعث الحياة ، لا التي ترسل التّبريرات
وحين يعود القلب إلى الله ، يعود الضوء إلى السّراج ، ويعود السّراج إلى الطّريق ، ويعود الطّريق إلى النّاس
♕ ثم يختم د / عبد الله بن معيوف الجعيد درره بقوله : ( لا تجعل نورك يذبل وأنت لا تشعر
قد يُنسى الداعية من منصب
وقد يُهمَّش من لجنة ، لكن هذه خسارات دنيوية يمكن تجاوزها
أمّا الخسارة الكبرى فهي أن ينسحب من مقام البلاغ عن الله وهو ما يزال يظنّ أنّه فيه
أن يظن أن النور باقٍ بينما لم يبق منه إلا أثرٌ قديم ، فالدّعوة ليست مرحلة تُطوى ، ولا عملاً يُنهى إنها نفَسٌ يخرج من قلبٍ يرى الله قبل أن يرى الناس ، فاحفظ نفَسك من الانطفاء
واحفظ سراجك من الذّبول
فإن القلوب التي أضاءها الله مرّة تستحق ألا تُطفئها بيدك )
♕ وأخيراً وجب أن يكلّل الدّاعية حياته بلهجات ذكر وترانيم شكر وسبحات فكر
♕ اللّهمّ اجعلنا هُداة مهديين غير ضالّين ولا مُضلّين ، والحمد لله ربّ العالمين
🟩 بلدية الشّارف ولاية
🟧 الجلفة ، قُبيل فجر الثلاثاء 31 مارس 2026م



