
الشيخ د. سالم الشيخي
لو أُتيح لي أن أُفرغ فريقًا بحثيًّا كاملًا لعملٍ علميٍّ رصين، لاخترتُ أن يُنجز ثلاثةَ كتبٍ لا تكتبها العاطفة، بل يكتبها التوثيقُ والتحليلُ الفلسفيُّ والأخلاقيُّ، لتكون شهادةً على مرحلةٍ من التاريخ الإنساني يمكن أن تُسمّى بلا تردّد: مرحلةَ سقوطِ المعايير.
الكتاب الأول: تَطبيعُ الإبادة… حين يموت الضمير العالمي.
ليس الحدثُ الأخطرُ هو وقوعُ المذابح فحسب، بل أن تُشاهَد على الهواء، ويُجادَل حولها ببرودٍ قانونيٍّ، وتُسوّغ سياسيًّا، ثم تُقبل كأمرٍ واقع.
شعبٌ محاصر، نساءٌ وأطفالٌ يُقتلون، بيوتٌ تُهدم على ساكنيها، ثم لا يتحرّك العالم إلا ببياناتٍ باهتة، هنا لا نتحدث عن جريمةِ حربٍ فقط، بل عن انهيارِ البوصلةِ الأخلاقيّةِ العالميّة.
الخطرُ الحضاريُّ الحقيقيُّ يبدأ حين تُصبح الإبادةُ موضوعًا للنقاش لا للرفض القاطع، وحين يُستبدل بسؤال: كيف نوقف الجريمة؟ سؤال: كيف نفسرها سياسيًّا؟.
الكتاب الثاني: فضيحة إبستين…. القاع الذي كشف القاع
ما كُشف في ملفات إبستين لم يكن انحرافَ فردٍ منحرف، بل نافذةً على طبقةٍ نافذةٍ من السياسيين ورجال المال والإعلام.
الصدمة ليست في الرذيلة ذاتها، فالانحراف قديمٌ قِدمَ الإنسان، وإنّما في حجمه، وتشابكاته، وحصانته.
عندما تنكشف شبكاتُ استغلالٍ بهذا المستوى، ثمّ لا ينهار النظامُ الأخلاقيُّ الذي احتضنها، فهذه ليست فضيحةَ أشخاص، بل فضيحة منظومةٍ فاسدة تُنتج القوةَ دون ضمير، والمالَ دون قيم، والنفوذَ دون محاسبة.
الكتاب الثالث: الديمقراطيّة…. حين تُفرغ السياسة من القيم
حين تقبل مجتمعاتٌ متقدمةٌ بقياداتٍ مثقلةٍ بالفضائح الأخلاقيّة والسلوكيّة، فالمشكلة ليست في الأشخاص، بل في المنظومة الفكريّة التي أنتجتها، والفلسفة السياسيّة التي أفسدت الذائقةَ العامّةَ للناس حتى أصبحت لا ترى الخللَ خللًا.
هذه هي الفلسفة الديمقراطيّة التي نتجت عنها آليّةُ الاختيار التي نراها؛ آليّةٌ فقدت منظومةَ القيم العليا، وأصبحت مجرّد أداةٍ رقميّةٍ تمنح الشرعيّة لما تختاره الكثرة، ولو كان منحطًّا.
ختاماً يجب أن نضع الجذورَ الفكريّةَ التي أنتجت هذا الواقع تحت المجهر، ويجب أن نعتبر أن القرنَ الأخير قد وضع تحت الاختبار العملي جملةً من المسارات الفكرية التي أسست للحداثة الغربية:
– نزعةُ تحريرِ الغرائز المتأثرة بأفكار فرويد.
– البراغماتيةُ المصلحيّةُ المبنية على تصور ميكافيل للسياسة.
– تفكيكُ البُنى الأُسريّةِ التقليديّة باسم العقيدة النسويّة.
هذه التيارات لم تبقَ نظريّات، بل تحولت إلى ثقافةٍ عامّة، ثمّ إلى سلوكٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ، ثمّ إلى واقعٍ عالمي، وما نراه اليوم ليس حادثًا طارئًا، بل ثمارًا نضجت طبيعيًّا على شجرةٍ زُرعت منذ زمن.
يجب أن نُوثِّق للأجيال ماذا يحدث حين تُفصل كلُّ معاني الحياة عن الهداية الربّانيّة والتوجيهات الإلهيّة والرسالة الخاتمة تحت مزاعم الحداثة والماديّة والنظريات المصلحيّة.
علينا أن نوقن بأنّ هذه المرحلة- على شدّة صمت العالم فيها- ستبقى في سجل البشريّة بوصفها زمنًا لم تسقط فيه مدن، بل سقطت معايير.
ومن يظنّ من أبناء جلدتنا أنّ السير في الطريق نفسه الذي سار فيه الغرب لن يقوده إلى النتائج نفسها، فهو لم يقرأ سنن التاريخ بعد.




