عامقضايامقالاتمقالات تربوية

التربية التي نريد

التربية التي نريد

ماجد عرسان الكيلاني

التربية التي نسعى إليها، ليست بطبيعة الحال عنواناً لكتاب ضمن المواد المدرسية المتعددة ، يحتوي على فروع المعرفة الشرعية من القرآن تلاوة وحفظاً وتفسيراً، والحديث حفظاً وشرحاً ، وأحكام الفقه والتوحيد ، وشيئا من السيرة والأعلام والتراجم… فهذه معلومات لابد من الحصول عليها في عملية التربية الإسلامية ، لأن من مقومات التربية ومستلزماتها: الحصول على المعلومة التي تساهم بالتنشئة ، والتنمية ، والتزود بالمهارات ورعاية القابليات، وتوجيه الميول ، ورؤية الهدف أو المثل الأعلى ، وتعمل على إعادة بناء النسيج الاجتماعي للأمة وفق فلسفتها.. وبذلك ، لا تخرج المعلومات عن أن تكون إحدى وسائل التربية ، أو أقنيتها – إن صح التعبير فالعلم والتعليم ، إحدى وسائط التربية، ووسائلها – إضافة إلى الكتاب، والمعلم ، والمنهج والوسائل المعنية ،و البيئة، و الميراث الثقافي- لذلك عدلت كثير من الأمم عن تسمية وزارات التعليم إلى تسميتها : وزارات التربية – فليس التعليم إلا إحدى وسائل التربية – كما أنها بدأت تفكر بالارتقاء بالوسائل الأخرى ، وتبرز دور المؤسسات التربوية المساندة كالأسرة، والمسجد ، والنادي، والمسرح، والسينما، ووسائل الإعلام ، وبرامج الأطفال، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية والتكافل  ، وتنشئ وزارات للثقافة والإعلام ، والإرشاد، والمعسكرات، و المخيمات، و الرحلات، و المتاحف، و مراكز البحوث والدراسات، والتخطيط لأوقات الفراغ، وتنظيم وسائل الترفيه، والرياضة ، لتتحول إلى وسائل تربوية ذات أثر في بناء الإنسان، وإعادة تشكيله، ومتابعة مراحل نموه، وتنمية مواهبه، واكتشاف ميوله، واكتساب المهارات المطلوبة وفقاً لأهداف الأمة، وجعل هذه الوسائل جميعاً مؤسسات تربوية مساندة.

فالتربية الإسلامية إذن، ليست ذلك الكتاب المعنون بها، الذي يحتجز زمناً من اليوم الدراسي.. وليست مجموعة بحوث علمية في فروع الشريعة، أو العلوم الشرعية، وإنما هي فلسفة كاملة تسهم في بنائها ، وتحقيقها وتجسيدها ، وتحويلها إلي واقع عملي متحرك ، كل المواد الدراسية، والمعارف ، والممارسات ، التي تبدأ مع الفرد ابتداءً من طفولته التي تُغرس فيها بذور مستقبل حياته السلوكية وتنمي فيها حواسه ، ومروراً بكل موارده الثقافية والعلمية والتدريبية، وانتهاءًا بمجموعة الخبرات والمسالك المتراكمة، التي يتحصل عليها في شيخوخته ، وينقلها إلي الأجيال المتداخلة من بعده.

فالتوهم أن التربية تقتصر على كتاب أو كتب، أو أن التربية الإسلامية حدودها كتاب التربية الإسلامية المدرسي، هو بحد ذاته سبب من أسباب الخلل والعجز الذي تعاني منه العملية التربوية، والقصور في انتاج الإنسان الصالح المتكامل.

والواقع الذي نحن عليه، لا يخرج عن هذا الخلل الذي ينتج لنا النماذج التي تعاني التمزق، وبعثرة رقعة التفكير، واختلاط الأمور، وعدم وضوح الهدف، والعجز عن رؤية المثل الأعلى – فلكل مادة هدف، ومثل أعلى- إلى درجة تصل معها المواد الدراسية إلى مرحلة التناقض، والتناكر والتداخل الحضاري، والتنافر الثقافي، ويصبح المتعلم هو أول الضحايا.. فهو الإنسان الكَل على مولاه أينما يرسله لا يأت بخير، الذي يتنازعه شركاء متشاكسون، وليس الإنسان العدل ذا النسق المنسجم، والشخصية المعافاة، قال تعالى: {وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} (النحل 76) وقال تعالى: {ضرب الله مثلاً رجل فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجلٍ هل يستويان مثلًا} (الزمر 29).

عن كتاب: مقومات الشخصية المسلمة

Related Articles

Back to top button