عاممقالاتمقالات الرأي

السياسة في ليبيا

أ. محمد خليفة نصر

شاع القول بان مشكلة ليبيا “مشكلة سياسية”؛ وهي كذلك، غير أنها في بلد يسمي العبث “سياسة”!
كانت السياسة في ليبيا قبل 17 فبراير عبث عشوائي لأربعين سنة، وبعد 17 فبراير استمر العبث رغم جهود المصلحين وتضحيات الصادقين. ولا غرابة فيما سلف؛ إذ لا يولد من رحم العبث غير العبث والعشوائية؟!
كان العبث في المؤتمر الوطني نسخة جديدة وأسوأ من عبث مؤتمر الشعب العام، حتى أن مراهقة من المنتسبات لتحالف القوى الوطنية بصقت -لشدة وطنيتها- على الرجل الذي قارع القذافي لخمسة وثلاثين سنة.
ــــ وماذا فعل تحالف القوى الوطنية لهذه “المثقفة العضوية”؟
لا شيء!
عندما تكون السياسة عبث لا بد ان يكون البصاق على الأكبر سنًا والأعمق تجربةً، نوعًا من ممارسة “السياسة الجماهيرية”، التي تعلق المعارضين على أعواد المشانق في الميادين العامة، وتعرض ذلك على شاشات التلفاز حتى يشاهدها الشعب السعيد على مائدة الإفطار في شهر رمضان.

نقطة اللاعودة في العبث وصلتها ليبيا في “الصخيرات”، إذ سلم صبيان السياسة ملف البلد لمن حاول بيعه للإمارات في مقابل سيدفعه الشعب الليبي من دمه قبل أن يستلمه المعني (برناردينو ليون) نقدًا من الامارات. وقد اصبح المبلغ معلومات عامة: مرتب شهري قدره 54000 دولار، وهو ما يساوي ثلاثة اضعاف ما كان ليون يستلمه مقابل عمله لدى منظمة الأمم المتحدة.

على مستوى المبدأ؛ تسليم الشأن السياسي للأجنبي والثقة به لا يليق بشعب كريم، شعب يريد الحفاظ على تضحيات الأجداد والبناء عليها. تسليم مصير ليبيا لما يسمى “المجتمع الدولي” لا يليق بغير شعب من الهمل، شعب كا لسوائم، يعيش بدون نخبة ويسير على غير هدى!

الذين رفضوا المشاركة في “الصخيرات” حافظوا على كرامتهم الشخصية والتاريخ الذي سيتركونه لأولادهم وأحفادهم.

في ذات السياق ولكن العربي هذه المرة؛ بعد كل حرب بين العرب والصهاينة تأتي قوات دولية للسهر على سلام دولة بني إسرائيل وتسمى “قوات حفظ السلام”. في هذا السياق من الطبيعي أن تنزل هذه القوات في المحمية الدولية ( = إسرائيل)، لكن الإسرائيليين لا يسمحون لها بذلك! فأين تنزل القوات الدولية لحفظ سلام اليهود؟

تنزل في أرض الهمل (العرب)! تنزل في مصر أو لبنان…!

كرامة اليهود لا تسمح لهم بنزول قوات اجنبية حيث يرفرف علمهم، حتى وإن كانت تلك القوات لحفظ سلامهم وتوفير الوقت اللازم لتجديد ترسانتهم استعدادًا للجولة التالية! ولا يسمح اليهود لكائن من كان أن يتدخل في شأنهم الداخلي ودولتهم التي بنوها على أشلاء الفلسطينيين وأذلوا في سبيل بقائها العرب في أكثر من واقعة، وابتزوا في سبيل تمويلها شعوب الأرض دون استثناء. بعد عشرين قرنًا من الاضطهاد تغلب اليهود على ضعفهم الداخلي ليتركوا المذلة والهوان لمسلوبي الكرامة من العرب…!

واليوم لا يقف بين العرب والعار الأبدي سوى الفلسطيني الذي يقاتل بدماء حياته ليبقى ملف الفلسطينيين وسلاحهم بأيديهم، حتى وإن اتفق العالم على انتزاعه منهم، فهل يأتي يوم نصبح فيه أصحاب كرامة مثل الفلسطينيين، ونختار ما اختاره عمر المختار ورفاقه وأحمد ياسين وتلاميذه. لقد خُيروا بين أن يعيشوا عبيدًا أو يموتوا أحرارًا فاختاروا أن يموتوا أحرارًا. لقد ماتوا شهداء قبل أن يسمعوا المبعوث الأمريكي يصف الصحفيين العرب بالحيوانات (في بيروت).

إن البطولة أن تموت من الظمأ … ليس البطولة أن تغب الماءَ
فلا نامت أعين الجبناء…!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى