عاممقالاتمقالات تربوية

من انكسار الأرض إلى تكريم السماء قراءة وجدانية في رحلة الإسراء والمعراج

أ. محمد العوامي

تُعدّ رحلة الإسراء والمعراج أكثر من مجرد معجزة خارقة لنواميس الكون؛ إنها ضيافة ربانية جاءت في وقتها تمامًا لتضمد جراح قلبٍ أثقلته المحن، ولتكون نقطة تحوّل فاصلة في مسيرة أعظم نبي، محمد ﷺ. لم تكن رحلة ترفٍ أو استعراض قدرة، بل كانت رحلة تكريم وتثبيت، وإعلانًا سماويًا بأن من ضاقت به الأرض، فُتحت له أبواب السماء على مصراعيها.

أولًا: مدرسة الابتلاء… صناعة القائد وتربية الأمة
قبل أن تُفتح أبواب السماء، كان لا بد من المرور عبر مضيق الابتلاء، الذي بلغ ذروته في ما عُرف بـ عام الحزن. ولم تكن هذه المحن عشوائية، بل كانت تمحيصًا للحق، وصقلًا للشخصية الإيمانية، وإعدادًا نفسيًا وروحيًا لمرحلة أعظم.

1. حرب الاستنزاف و”الإسلاموفوبيا” المبكرة
(بالمعنى المفاهيمي لا الاصطلاحي الحديث)
بدأت قريش حربها المفتوحة على الدعوة باضطهاد المستضعفين من المسلمين، كبلال وآل ياسر رضي الله عنهم، في محاولة لكسر الدعوة من أطرافها الأضعف ظاهريًا. ومع تصاعد الأذى، أذن النبي ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، في أول تحرك سياسي استراتيجي في الإسلام، بحثًا عن بيئة آمنة تُصان فيها العقيدة والكرامة.
وحين فشل التنكيل الجسدي، انتقلت قريش إلى حرب الصورة الذهنية؛ فوصمت النبي ﷺ بالسحر والجنون والكذب، لا استهدافًا لشخصه فحسب، بل لصناعة خوفٍ عام ينفّر القبائل العربية من سماع دعوته في مواسم الحج. وهو أسلوب يشبه — من حيث المنهج — ما يُمارس اليوم من تشويه منظم لصورة الإسلام بهدف عزله أخلاقيًا وإنسانيًا.
قال تعالى:
﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (الذاريات: 52)

2. صمود المبدأ أمام الإغراء والمساومة
عندما فشل التشويه، لجأت قريش إلى الدبلوماسية الملتوية؛ فعرضوا المال والملك والنساء مقابل ترك الدعوة. فجاء الرد النبوي الخالد الذي يُدرَّس في الثبات على المبدأ:
«والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته» (السيرة النبوية لابن هشام)
ثم انتقلوا إلى المساومة العقدية: (تعبد آلهتنا يومًا ونعبد إلهك يومًا)، فنزل الوحي بسورة الكافرون ليضع حدًا فاصلاً لا يقبل الالتباس:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾
في إشارة واضحة إلى أن العقائد الكبرى لا تُجزَّأ ولا تُساوَم.

3. الحصار وعام الحزن: التجريد للعبودية الخالصة
كان حصار شِعب أبي طالب حرب إبادة اقتصادية صامتة استمرت ثلاث سنوات، عانى فيها المسلمون الجوع والعزلة. وما إن انقضى الحصار حتى فُجع النبي ﷺ بوفاة السيدة خديجة رضي الله عنها (سنده العاطفي)، ثم عمه أبي طالب (سنده الاجتماعي).
وكأن الرسالة الإلهية تقول:
يا محمد، لقد انقطع عنك السند الأرضي، ليكتمل تعلقك بالسند السماوي وحده.

ثانيًا: الطائف والجوار… بين الانكسار البشري والمرونة الحكيمة
خرج النبي ﷺ إلى الطائف باحثًا عن نصرة، فقوبل بأقسى أنواع الأذى الجسدي والنفسي. وفي قمة انكساره، ناجى ربه بالدعاء الذي يلخص حقيقة العبودية:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس… أنت رب المستضعفين وأنت ربي» (رواه الطبراني)

● المرونة السياسية (مفهوم الجوار)
تجلّت حكمة النبي ﷺ في عودته إلى مكة؛ إذ لم يدخلها إلا في جوار المطعم بن عدي، وهو مشرك. وفي ذلك درس بالغ الأهمية:
أن الإسلام لا يمنع من الاستعانة بالمنصفين من غير المسلمين لتحقيق العدل وحماية النفس، دون تنازل عقدي أو موالاة محرّمة. وهو درس عملي للأقليات المسلمة اليوم في كيفية بناء تحالفات إنسانية قائمة على القيم المشتركة.

● رحمة لا تعرف الانتقام
وحين عرض عليه ملك الجبال أن يُطبق الأخشبين على أهل الطائف، قال ﷺ:
«بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده» (أخرجه البخاري (3231)، ومسلم (1795) باختلاف يسير.)
لقد كان همه الهداية لا الانتقام، وبناء المستقبل لا تصفية الحساب مع الحاضر، وهنا يتجلى الفارق بين القائد الرباني والمغامر السياسي.

ثالثًا: الإسراء والمعراج… التكريم والارتقاء الوجداني
عندما بلغ الانكسار البشري منتهاه، جاء الفرج بمرسوم سماوي. وكما يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي:
«أراد الله أن يعلم نبيه أنه إذا أعرض عنك أهل الأرض، فإن أهل السماء يرحبون بك».

● الإسراء: وحدة المقدسات والرسالة
بربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى، أصبحت القدس جزءًا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، وكانت إمامة النبي ﷺ للأنبياء إعلانًا بانتقال القيادة الروحية للبشرية إلى خاتم المرسلين.

● المعراج والصلاة: الصلة الدائمة
في أعلى مقام بلغه بشر، عند سدرة المنتهى، فُرضت الصلاة. ولم تُفرض على الأرض كبقية العبادات، بل في السماء، لتكون معراجًا وجدانيًا يوميًا لكل مؤمن، يخرج به من ثقل الأرض إلى سعة السماء خمس مرات في اليوم.

دروس خالدة لحياة معاصرة
• إن مع العسر يسرًا: لم يأتِ اليسر بعد العسر، بل معه وفيه؛ فالمنح تولد من رحم المحن.
• اليقين في زمن التشويه: كما قال الشيخ محمد الغزالي: «استراح النبي إلى حمد الخالق، وقلّ اكتراثه بذم الجاحدين، موقنًا أن كل يوم يمر بالدعوة هو خطوة إلى النصر، وأن العاقبة للمتقين».(فقه السيرة للغزالي)
• الصلاة هي مخرجك: حين تضيق بك الدنيا، تذكّر أن الله فتح لك باب السماء في كل صلاة… فهل جعلنا من صلاتنا معراجًا، أم اكتفينا منها بالعادة دون الروح؟

تبقى رحلة الإسراء والمعراج نبراسًا لا يخبو، تذكّرنا بأن السماء أقرب إلينا مما نتصور، وأن مع كل انكسارٍ جبرًا، ومع كل حصارٍ فرجًا، وأن اليقين بالله هو السلاح الوحيد الذي لا يُهزم أمام حملات التشويه أو حصارات الظلم.
نسأل الله أن يجعل صلاتنا معراجًا لأرواحنا، وصبرنا طريقًا لتكريمه، ويقيننا نورًا لا ينطفئ.
والحمد لله رب العالمين.

Related Articles

Back to top button