د. شيروان الشميراني
خلال الأزمة التي حدثت بين المسلمين في سوريا أو معركة حلب والهجوم الذي شنه الجيش العربي السوري والعناصر المتحالفة معه بما أن المئات انضموا الى الجيش ولم يحصلو على الجنسية السورية بعد، على حيَّين كورديين اختلط الحابل بالنابل، وسقط الكثير من أهل الفكر والسياسة في مصيدة التفاهمات الدولية القائمة على الأمزجة، واشتد الخطاب المتبادل في لغته بحيث كانت الكراهية والإستخفاف بين الطرفين الى حدّ يصعب فهمه، تجاوزت السلوكيات والممارسات الفعلية واللفظية كل الحدود الشرعية، وفي الأزمات يخفو صوت العقل عند الأغلبية، تأخذهم الميول وتجرفهم بكل الاتجاهات، ومما يساعد على التشتت والسلوك الغرائزي هو ان الدين والفلسفات الشاملة له من السعة ما يعطي القدرة على كل طرف التأويل للموقف الذي يتخده، لكن العقل الكبير المليء بالعلم والمدرك لمآلات الأمور يَثْبُتْ، تزعجه المشاهد لكن لا تجرفه، فإن القبض على التوازن النفسي في لحظات الانهيار من صفات الكبار، من الذين لا ينسون موقعهم ولا مهمتهم في الحياة.
الآن صوت العقل والدين هو العمل صوب الصلح والمصالحة، والمصالحة الشاملة من أجل حلّ جلّ المشاكل التي تتركها الأنظمة الظالمة بعد سقوطها دوماً، ويمثل الشيخ علي القرَداغي هذا الصوت، وهو قطع الطريق على كل من يريد تحويل الدين الى أدة تبرير الغايات السياسية التي تفرزها أو توفرها الديناميكية الدولية وانعكاساتها على المحيط الإقليمي، كما تمثل دبلوماسية قطر صوت العقل هذا فيالمستوى السياسي الدولي، إن من طبيعة الدين هي السلام وليس الحرب، السلام أصل والحرب إستثناء مع غير المسلمين، أما داخل الشعوب المسلمة فلا حرب، السلم والسلام والصلح والمصالحة فقط، بيانات الشيخ علي القرداغي التي أصدرها لمعالجة الحالة السورية، تتضمن أصولاً وقواعد في الفهم تحمي الوسطية الفكرية الإسلامية من الميل نحو التشدد و تقطع الطريق عن العنف تحت أي مسمى كان، لأهميتها نحلل ونذكر المعاني والمفاهيم التي تنطوي عليها للإسترشاد بها في النظر الى الأحداث التي شهدتها سوريا على أمل أن لا تشهدها مستقبلاً: –
1- هذه المعركة ليست معركة كفر وإيمان، ولا بين جيشين أو داري الإسلام والكفر، هي إقتتال بين الشعوب المسلمة، حرب داخلية أفرزتها سياسات دولية تتحرك ولا تثبت على حال، ومهامّ العالِم المسلم هو الدعوة إلى الصلح وليس الحكم، فنحن دعاة لا قضاة.
2- إن الصلح بين المسلمين هو العمل الصالح في هذا المقام، والدعوة الى الصلح تشمل الطرفين وليس طرفاً واحداً، لأنه لا يكون ولا يتحقق بطرف واحد من المتقاتلين، والشرع يحكم بدعوة الطرفين والعقل لا يقبل إلا مخاطبة الطرفين، أي أن الجبهة يجب أن تهدأ، ولا تهدأ إلا بإمتثال الإثنين لداعي الصلح بين المسلمين، لا أن يطالب طرف بالالتزام بالتهدئة فيما يترك الطرف الآخر خارج خطاب الإصلاح “وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤمنيِنَ اقْتَتَلْوا فَأصْلِحوْا بَيْنَهُما”. وهذه ضدّ الانحياز الى طرف تحت أية ذريعة فنص الآية يقول “بَيْنَهُما”. وخطورة مخاطبة طرف وترك الآخر هي أنه يُدفَعُ إلى خارج دائرة المسلمين، والوقوع في خطيئة التكفير التي يهرب العلماء من الوقوع فيها، خاصة أن الفكر الإسلامي المعاصر بما رسم له العلماء الثقات يتجنبون تكفير الأعيان، ومن يقول عن نفسه إنه كافر فهذا شأنه، أما شان المصلح هو دعوته وليس تكفيره،“والدعوة إلى الصلح ليست ضعفاً ولا تمييعاً للمسؤليات، بل هي أعلى درجات القوة والحكمة لأنها تسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يصبح الجميع خاسراً“.
3- ورد في نصّ المناشدة في 14-1-2026 الإستشهاد بالآيات الكريمات التي تحرّم قتل المسلم أو النفس الواحدة بغير حق، والإستشهاد بهذه الآيات في سياق كهذا، له مغزى، ليس مجرد سرد لكلام الله لإثارة العاطفة، وانما هي آيات حكمية، تترتب عليها تبعات، والآيات التي تحرم القتل وذكرها هنا دليل على أن كل ما حصل هو قتل بين المسلمين ولا يتحمل توصيفاً آخر، ويدخل في باب قتل العمد. وبالتالي لا يعفى أحدٌ من المحاسبة أمام الله تعالى ثمّ التاريخ.
4- فقه الأولويات، إن الدعوة الى الصلح لا تعني ترك المقصّر، يقول: “ لكن تحديد المقصّر يكون من قبل لجنة محايدة بعد استنفاذ جهود المصالحة، أما ترتيب الأولويات الشرعية يفرض وقف النزيف،وهذا منهج شرعي أصيل، يسبق الخوض في تحديد المقصّرين، لأن الدم إذا سفك لا يعود والفتنة إذا اشتعلت لا تحسن التميير بين محق ومُبطِل”، وهنا يتبين خطأ من نفثوا في الكير، ونفشوا عن أنياب النفير، تحت عناوين شتّى ولم يكونو أهل خير، ولا أهل صلح، وثمّة شبهة لابد من توضيحها، وهي أن منطق الدولة الوطنية لا تبرر القتل داخل الأمة المسلمة، إن منطق الدولة لا يحلّل حراماّ ولا يحرم حلالاً، إنّ الحلال والحرام خاصة فيما يتعلق بالدماء هو لا يكون إلا بنصوص قاطعة، لأنها أمور دينية بحاجة أو لا تقوم إلا على نصوص واضحة يقينية، الشبهة لاتعتمد في هذا المجال، ولا النيات الحسنة، إن مفهوم الأمة المسلمة تتجاوز الحدود الجغرافية التي رسمتها الإتفاقيات التي أثمرتها سايكس-بيكو، التحليل والتحربم خطير ويحاسب عليه الانسان أمام الله يوم القيامة. وحتى المنطق السياسي يقول إن مفاوضات سنتين أفضل من معركة يومين.
5- إن الأنظمة الساقطة أورثت لمن يأتي بعدها مشاكل بنيوية خطيرة، إجتماعية وسياسية، مزّقت بين مكونات الشعب الواحد، خلقت ضغينة بينهم، سلطت طرفاً على آخر، كما حطمت مؤسسات الدولة الشمولية وتركتها مهترئة لا تؤدي عملاً مثمراً، من ضمن هذه المشاكل في سوريا هي القضية الكوردية، مدعية انها نظام قومي عربي، ثم سلطت الطائفة العلوية على الأغلبية السنية، وبنت سياساتها الخارجية على هذا الأساس، هذه المشاكل لا تحلّ بمجرد سقوط النظام، لابدّ من الإمساك المباشر بها وحلّها من جذورها، وهنا تأتي دور القيم الدينية والإنسانية الحضارية، كما لا يمكن التهرب مما وصل إليه العقل البشري الحديث من الأنظمة السياسة في الإدارة والحكم، ففي مسار الإصلاح في سوريا وما يتعلق بمعركة حلب وما قد يأتي بعدها يجب النظر إلى القضية الكوردية وتوفير الحقوق المشروعة في إطار دولة سورية موحدة بناء على مبدأ الأخوة القائمة على قيمتي العدالة والمساواة، في نطاق نظام حكم حديث متطور، خاصة أن الإسلام لم ينص على نظام محدد للحكم بل ترك الأمر للعقل المسلم يجتهد فيما يحقق المقاصد ويجسد الحقوق.
6- كما يرى الشيخ علي القرداغي، ويؤكد أكثر من مرة ” أن الواجب الديني والوطني يدعو الجميع الى حلّ الخلافات عن طريق الحوار البناء بنية صادقة…والإلتزام بالاتفاقية الموقعة بين الحكومة وقسد”..
الصلح خير، بل فتح مبين بالخيرات والبركات على الشعب السوري، وإن الأصل هو السلام، والتوجه الى العمل المزدهر، لكن هذا لن يكون بالكلام المجرّد، وإنما بالعمل الذي يراه الله ورسوله والمؤمنون، نأمل ونتمنى من الذين يتصدرون وسائل التواصل الاجتماعي ان لا يكونوا من أدوات النفخ في نار الحرب، خاصة من يرون أو يروجون لذواتهم على أنهم من الصالحين المصلحين.
