سورة النور وأسرار غض البصر

الشيخ د. بنسالم باهاشم
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
المحاور الأساسية
المقدمة
المبحث الأول: السياق القرآني وأسباب النزول
المبحث الثاني: التحليل اللغوي والمفردات للآية.
المبحث الثالث: الأحكام الفقهية للآية.
الخاتمة.
المقدمة
قال تعالى في سورة النور: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
إن القرآن الكريم، يشتمل على تشريعات وأنظمة متعددة، تنظم حياة البشر في شؤون حياتهم كلها، ومن ضمنها: الأخلاق التي هي شعار الأمم المتحضرة، وإنَّ من شأن هذه الأخلاق الإسلامية – المنبثقة عن عقيدة ربانية شاملة – أن تحفظ المجتمع المسلم نقياً مبدعاً منتجاً خالياً من الأمراض التي يمكن أن تهدم بنيانه، وتسارع بسقوطه واضمحلاله. ومن هذه التشريعات الإسلامية،يأتي موضوع غض البصر، الذي يشكل أهمية خاصة في بناء المجتمع الطاهر التقي النقي، إذ إنَّ لهذا البصر أثراً بارزاً في موضع الإغراء والغواية، والتحلل الخلقي، والفساد الاجتماعي، لذلك وضع الإسلام ضوابط خاصة لهذا البصر،ولم يسمح بإطلاقه على عورات الناس، دون قيود ومحددات، فالنظرة الآثمة،بريد الشهوة، ورائدة الفجور، ولقد أصاب من قال:
كل الحوادث مبداها من النظــــــــــــر ***** ومعظم النار من مستصغر الشرر والمرء ما دام ذا عين يُقلبهـــــــــــــــــــا ***** في أعين الغيد موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجتــــــــــــــــــــــه ***** لا مرحباً بسرورٍ جاء بالضـــــــــــــــــــــــرر كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها***** فتك السهام بلا قوس ولا وتــــــــــــــــــــــــــــر
وإن من شأن أحكام غض البصر والأمر بصيانة الأعراض لكلا النوعين البشريين -الرجل والمرأة – أن تحفظ الكيان البشري وتحميه من كثير من هذه الأمراض.
وتُعد سورة النور من السور القرآنية، التي تولي أهمية قصوى لبناء المجتمع المسلم على أسس الطهارة والعفة وحفظ الأعراض. وقد جاءت أحكامها لتنظم العلاقات الاجتماعية، بدءاً من حد القذف، ومروراً بآداب الاستئذان، وصولاً إلى الأمر بغض البصر وحفظ الفرج. وفي هذا السياق، يبرز قوله تعالى موجهاً الخطاب للمؤمنين:
﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ
بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. تُمثل هذه الآية الكريمة أصلاً عظيماً في التربية الأخلاقية،والوقاية التشريعية، حيث تجعل من غض البصر خط الدفاع الأول لحماية العفة.
ويهدف هذا الكتاب إلى تقديم تفسير تحليلي وبياني مفصل للآية، مستكشفاً دلالاتها اللغوية، وسياقها القرآني، وآثارها التربوية والفقهية، بالاعتماد على أمهات كتب التفسير واللغة.
المبحث الأول: السياق القرآني وأسباب النزول:
لفهم الآية فهماً شاملاً، لا بد من وضعها في سياقها القرآني العام ومناسبتها.
المطلب الأول: المناسبة والسياق:
هذا هو الموضع الثاني في بيان الإجراءات الاحترازية الواقية من الوقوع في فاحشة الزنا، ففي الموضع الأول، بين ربنا جل جلاله وجوب الاستئذان عند دخول بيوت الغير، وبين النبي عليه الصلاة والسلام العلة، فقال: ( إنما جعل الاستئذان من أجل النظر )، وفي هذا الموضع يأمرنا ربنا جل جلاله بأمر آخر، وهو الأمر بغض البصر، فآيات الاستئذان تنظم دخول البيوت الخاصة. وهذا التتابع ليس عشوائياً، بل هو ترابط وثيق بين أدب الدخول، وأدب النظر. فكما أن الاستئذان يحمي حرمة البيوت من الدخول المادي، فإن غض البصر يحمي حرمتها من الاقتحام البصري. فالنظر هو مفتاح الدخول المعنوي إلى خصوصيات الآخرين، ولذلك قُدِّم الأمر به كإجراء وقائي. لهذا كان الحديث عن النظر وأحكامه، والزينة وما يظهر منها وما يخفى، متوسطاً بين وسيلتين مهمتين للوقاية من جريمة الزنا وهما: الاستئذان والزواج. فالأمر بغض البصر؛ يأتي متناسقاً منسجماً بعد الحديث عن آداب الاستئذان، إذ إنَّ الإذن بالدخول، لا يعني الإذن بإطلاق النظر، وإذا كانت سورة النور قد تركزت على محور تربية النفوس وصقلها، وتهذيب المجتمع من أدناس الفتنة، فإنَّ الحديث عن البصر ومتعلقاته، لابد وأن يأخذ حيزاً في هذه السورة، باعتباره المقدمات التي قد تؤدي إلى الفتنة والفاحشة.
المطلب الثاني: سبب النزول:
روى ابن مردويه من حديث أنس رضي الله عنه ( أن رجلاً من الصحابة كان في الطريق، فرأى امرأة، فنظر إليها ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان بأنه ما نظر أحدكما للآخر إلا إعجاباً به، فما زال الرجل ينظر إليها حتى اصطدم بجدار، فكسر أنفه، فقال: والله لا أمسح الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاءه وقص عليه القصة، قال له صلى الله عليه وسلم: استغفر ربك، فتلك عقوبة ذنبك )، ونزلت الآية: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، فهذه الرواية تشير إلى أن الآية جاءت لترسيخ قاعدة شرعية عامة لمواجهة فتنة النظر التي كانت تقع في المجتمع.
المبحث الثاني: التحليل اللغوي والمفردات للآية
تضمنت هذه الآية ثلاثة أوامر متتابعة، ودلالة ختامية عميقة، تشكل معاً منظومة تربوية متكاملة.
يتميز النص القرآني بدقة متناهية في اختيار الألفاظ، وتظهر هذه الدقة جلياً في مفردات هذه الآية.
المطلب الأول: قوله تعالى: ﴿ قُل ﴾
﴿ قُل ﴾ جاءت صيغة (قل) (322) مرة في القرآن الكريم، ويلاحظ عليها أنها تأتي
في قضايا تستحق البحث والنظر، سواء أكانت تتعلق بالعقيدة، أم بالتشريعات المختلفة، كما نجده في مثل:
1 – قوله تعالى في سورة البقرة: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى). 2 – وقوله تعالى في سور البقرة: (قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ). 3 – وقوله في سورة المائدة: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ). 4 – وفي سورة الأنعام: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ). 5 – وفي سورة الأعراف: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ). 6 – وفي سورة التوبة:(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا).
وهكذا في سائر الآيات؛ ثم ختم الله كتابه الكريم، بثلاث سور، وهي الإخلاص والمعوذتين، استهلها بهذه الصيغة.
وهذه الآية استهلت بهذه الصيغة؛ لأن أمر النظر وما يتعلق به من قضايا زينة المرأة الظاهرة والباطنة، هام جداً بالنسبة للمؤمنين على وجه الخصوص،وللبشرية كافة على وجه العموم. فكان الأمر من الله مباشرة من خلال تكليف النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، فنال هذا الأمر ما يستحقه من جمالية التركيب والرصف والإحكام. وما أجمل معنى الكلام الذي جاء في غاية الإحكام مع فعل الأمر (قل) الذي يفيد الأمر بالتبليغ والمتابعة والعناية بمقتضى الأمر،وهذا سر توجيه الأمر إلى الوساطة لا إلى المأمور به مباشرةً، أعني لم يأتِ الأمر مباشرةً: (يا أيها الذين آمنوا غضوا أبصاركم).
المطلب الثاني: قوله تعالى: ﴿ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾
توجيه الأمر في الآية للمؤمنين دون غيرهم، لما أراده الله من تزكيتهم بذلك، فقال:(ذلك
أزكى لهم)، ولا يليق ذلك بالكافر.
المطلب الثالث: قوله تعالى: ﴿ يَغُضُّوا ﴾
كلمة “الغض” في اللغة تعني الخفض والنقص. يقال: غض من صوته، أي خفضه. وعليه، فإن “غض البصر” يعني كفّه ومنعه من الاسترسال في النظر إلى ما لا يحل، أو النظر بشهوة وتلذذ – ويقول الراغب: (والغضغضة: النقصان، وغضضت السقاء: نقصته)، وقول عنترة:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها.
والغض هو النقصان، غض منه يغض: أي وضع ونقص من قدره. وهو لا يعني إغماض العينين بالكلية، بل يعني توجيه البصر إلى ما هو مباح، أو صرفه عما هو محرم.
وجاء الفعل ﴿يَغُضُّوا﴾ بصيغة المضارع المجزوم في جواب الأمر (قل)، وهي صيغة تفيد التجدد والاستمرار، أي أن غض البصر ليس فعلاً لمرة واحدة، بل هو سلوك مستمر يتجدد مع كل موقف.
المطلب الرابع: قوله تعالى: ﴿ مِنْ ﴾
تُعد دلالة حرف “مِن” في قوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ نقطة محورية في التفسير والبيان. وقد ذهب جمهور المفسرين واللغويين إلى أن “مِن” هنا للتبعيض، أي أن الأمر بغض البصر لا يشمل كل النظر، بل يشمل جزءاً منه، وهو ما يحرم النظر إليه.
|
دلالة حرف “مِن” |
المعنى والإشارة |
|
التبعيض (الرأي الراجح) |
الأمر بغض البصر عن بعض ما تقع عليه العين، وهو المحرم. ويدل على أن هناك نظراً مباحاً (كنظر الزوج لزوجته، أو نظر المحارم، أو نظر الحاجة). |
|
ابتداء الغاية |
أي ليكفوا أبصارهم ابتداءاً من النظر المحرم. |
|
بيان الجنس |
أي ليكفوا أبصارهم عن جنس النظر المحرم. |
إن اختيار “مِن” التبعيضية هو من الإعجاز البياني، لأنه يراعي طبيعة الإنسان وحاجته إلى النظر في الحياة، فلا يأمر بإلغاء وظيفة البصر، بل بتنظيمها وتقييدها بالضوابط الشرعية.
المطلب الخامس: قوله تعالى: ﴿ أَبْصَارِهِمْ ﴾
قوله تعالى: (يغضوا من أبصارهم) فيه مجاز بالحذف والتقدير: من نظرِ أبصارهم.
المطلب السادس: قوله تعالى: ﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
أمر الله سبحانه وتعالى بحفظ الفروج بعد الأمر بغض البصر مباشرة، أن“حفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر، أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة ويقظة الرقابة، والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى، ومن ثم يجمع بينهما في آية واحدة بوصفهما سبباً ونتيجة، أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع كلتاهما قريب من قريب”. لهذا قدم الله تعالى الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج فقال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. وهذا التقديم ليس اعتباطياً، بل هو إشارة إلى أن النظر هو رائد الزنا وبريد الفاحشة. ورحم الله شوقي الذي قال:
نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء.
|
الأمر |
الدلالة |
العلاقة |
|
غض البصر |
الوسيلة والوقاية (سد الذريعة). |
هو الباب الذي يُغلق لمنع الوقوع في المحظور. |
|
حفظ الفرج |
المقصد والغاية (حفظ العفة). |
هو النتيجة المرجوة من غض البصر |
هذا الترتيب يجسد مبدأ “سد الذرائع” في التشريع الإسلامي، وهو منع الوسائل التي تؤدي إلى المفسدة، فإذا حُفظ البصر، سَهُل حفظ الفرج.
لم يأت في الآية هنا الاستثناء في حفظ الفروج كما جاء في آيات سورتي (المؤمنون) و(المعارج) في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)، وربما كان ذلك؛ لأن القرآن هو كلام الله تعالى الموجز المعجز، فيه يحمل العام على الخاص،والمطلق على المقيد، ويمكن أن يكون ذلك؛ لأن السياق هنا هو سياق الأمر بالتشديد في الحفظ لهذه الفروج. فإن هذا المقطع من السورة جاء في معرض ذكر الوسائل الوقائية التي شرعها الله للحفاظ على المجتمع طاهراً نقياً من جريمة الزنا، وما يترتب عليها من قذف ولعان وغير ذلك. فالمقام هنا هو مقام التشديد في المحرمات كما أشار لذلك البقاعي.
المطلب السابع: قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾
الإشارة بـ (ذلك) المستعملة للبعيد، أي ما ذكر من الغض والحفظ، والبعد هنا معنوي يراد به الإشارة لرفعة تلك الأحكام، وعلو شأنها في صيانة المجتمع المسلم، وحفظ أركانه ومقومات وجوده.
المطلب الثامن: قوله تعالى: ﴿ أَزْكَى لَهُمْ ﴾
جاءت جملة ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ لبيان الحكمة والعلة من الأمر. وكلمة “أزكى”تعني أطهر وأنمى في الخير. فغض البصر، وحفظ الفرج، يؤديان إلى تزكية النفس، وتطهير القلب من الأدران والخواطر السيئة. وصيغة (أفعل) في قوله (أزكى) صيغة تفضيل، وعلى هذا يكون المعنى هنا: أن الغض والحفظ أنفع من الزنا والنظر الحرام، فإنهم يتوهمون لذلك نفعاً كما يقول الآلوسي. والظاهر هنا أنه مسلوب المفاضلة، ويقصد به المبالغة، وقد جعل الرماني هذا النوع من أضرب المبالغة الستة التي تناولها… وبذلك يكون المعنى: “أنه أطهر من دنس الريبة، وأنفع من حيث الدنيا والآخرة، فإن النظر بريد الزنا، وفيه من المضار الدينية أو الدنيوية ما لا يخفى. و(أزكى) من الزكاة، وأصلها: “النمو الحاصل من بركة الله تعالى في الأمور الدنيوية والأخروية”. وما أجمل هذه اللفظة (الزكاة) وهي تحمل في طياتها معاني الطهر والنقاء والبركة الحسية والمعنوية في حياة المؤمنين، نظيره قوله تعالى من سورة مريم: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً)، وفي ذلك دلالة واضحة إلى أن زكاة النفس والقلب نتيجة أكيدة لزكاة الجوارح. وما أجمل قال ابن الجوزي – رحمه الله – في كتابه (ذم الهوى) في ذكر فوائد من غض بصره عن الحرام، ومما قاله: “اعلم وفقك الله أنك إذا امتثلت المأمور به من غض البصر عند أول نظرة، سلمت من آفات لا تحصى، فإذا كررت النظر لم تأمن أن يزرع في قلبك زرعاً يصعب قلعه، فإن كان قد حصل ذلك فعلاجه الحمية بالغض فيما بعد، وقطع مراد الفكر بسد باب النظر، فحينئذ يسهل علاج الحاصل في القلب. وفي غض البصر فوائد عديدة،
أحدهما: امتثال أمر الله الذي هو غاية السعادة.
ثانيها: أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم.
ثالثها: أنه يقوي القلب ويفرحه.
رابعها: أنه يورث في القلب أنساً بالله واجتماعاً عليه.
خامسها: أنه يكسب القلب نوراً.
سادسها: أنه يورث الفراسة الصادقة.
سابعها: أنه يسد على الشيطان مداخله.
ثامنها: أن بين العين والقلب منفذاً يوجب انفعال أحدهما بالآخر” . وتتجلى التزكية في أبعاد ثلاثة:
1 – تزكية القلب: بحمايته من فتنة الشهوات والتعلق بالمحرمات، مما يورثه نوراً ويقظة.
2 – تزكية العمل: لأن القلب السليم هو أساس العمل الصالح، وغض البصر يعين على الخشوع في العبادة.
3 – تزكية المجتمع: بنشر العفة والطهارة فيه، وحماية الأسر من التفكك.
المطلب التاسع: قوله تعالى: ﴿ خَبِيرٌ ﴾
خُتمت الآية بتذييل عظيم هو ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. واسم الله “الخبير” يدل على العلم التام بالبواطن والخفايا. ويقول الخطابي: “العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته، وعلم الله سواء فيما غمض من الأشياء وفيما لطف، وفيما تجلى به منه وظهر”. وزاد الغزالي: “هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة، ولا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا يضطرب نفس ولا يطمئن، إلا ويكون عنده خبره… وحظ العبد منه: أن يكون العبد خبيراً بما يجري في عالمه، وعالمه: قلبه وبدنه، والخفايا التي يتصف القلب بها من الغش والخيانة… وغيرها”. ولعل الحكمة في اختيار اسم (الخبير)في هذه الفاصلة، أن هذه الأحكام المتعلقة بالنظر، وحفظ الأعراض وصيانتها،تعتريها الأحكام الشرعية المتنوعة بين الحل والحرمة، ولا شك أن هذه الأحكام،تحتاج إلى الرقابة الذاتية في داخل النفس البشرية، ولا يوجد مقياس أرضي يحكم بالحل أو الحرمة على بعض السلوكيات والتصرفات، إلا ذات الإنسان، ووازع الإيمان الداخلي فيه، ولذلك قال تعالى في موضع آخر في سورة غافر: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، فجاء هذا الاسم الكريم من أسماء الله الحسنى، لكي تستشعر هذه النفس البشرية عظمة الله سبحانه وتعالى ورقابته، واطلاعه على مكنوناتها وخفاياها، وبذلك تصفو النفوس وتستقيم على شرع الله سبحانه وتعالى، يقول الزمخشري: “ثم أخبر أنه (خبير) بأفعالهم وأحوالهم، وكيف يجيلون أبصارهم، وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم، فعليهم إذا عرفوا ذلك، أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون”. وهذا الختام يحمل دلالتين تربويتين عميقتين:
1 – الوعيد والتحذير: تحذير من التساهل في هذا الأمر، لأن الله خبير حتى بـ “خائنة الأعين” التي لا يراها أحد من البشر.
2 – الحث على الإخلاص: يجعل المؤمن يراقب نفسه ويغض بصره ليس خوفاً من الناس، بل خوفاً من الله الذي يعلم السر وأخفى.
المطلب العاشر: قوله تعالى: ﴿ يَصْنَعُونَ﴾
عبر سبحانه وتعالى عن هذا السلوك بقوله (يصنعون)؛ دون (يعملون)، لأن العمل إن
حصل بمزاولة، وتكرر حتى يرسخ ويصير ملكة له، يسمى صنعاً وصنعة وصناعة، فلذا كان الصنع أبلغ في هذا الموضع لاقتضائه الرسوخ”. وبذلك يتراءى لنا السر في استخدام المادة (صنع) دون غيرها في هذا الموضع، ثم يتراءى لنا سر الصيغة المضارعية لهذه المادة الدالة على التجدد الاستمراري،المناسبة لحال الإنسان، وتجدد أفعاله في كل لحظة من لحظات وجوده.
المطلب الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
جاءت هذه الفاصلة مرصعة بأكثر من طريقة وأداة من أدوات التوكيد.
1 – فاستهلت بحرف التحقيق (إن).
2 – والجملة الاسمية التي دخلت عليها.
3 – والعَنونة بالألوهية (الله) لتربية المهابة.
4 – وصيغة المبالغة (خبير).
5 – والاسم الموصول (ما) وما فيه من معنى العموم.
وكل ذلك لما في معاني الوعد والوعيد المتضمنين في هذه الفاصلة.
*فالوعد للمؤمنين بطمأنتهم، والتسرية عن قلوبهم بأن الله تعالى مطلع على أحوالهم وما يعانونه من ميل نفسي، ورغبات جامحة، وغرائز ثائرة، وهم يكبحون نظراتهم عن الوقوع في النظر الحرام الذي يؤدي إلى الفاحشة المؤدية إلى جهنم – والعياذ بالله -، فالله سبحانه وتعالى يعوضهم حلاوة يجدونها في قلوبهم إزاء صرف نظرهم عن كل حرام، وهو يجازي الإحسان بالإحسان في إدخالهم الجنة.
*وفيها من الوعيد لأولئك الذين أطلقوا لأبصارهم العنان، ولغرائزهم الانفلات من كل قيد. ففي الآية تهديد لهم بأن الله تعالى يعلم ما لطف شأنه، ودق أمره من صنائعهم، وفي هذا زجر لهم عن الوقوع في المعاصي ومقدماتها.
المبحث الثالث: الأحكام الفقهية للآية:
استنبط الفقهاء والمفسرون من الآية أحكاماً تتعلق بحدود النظر المباح والمحرم.
المطلب الأول: حدود النظر المباح والمحرم
|
بما أن “مِن” للتبعيض، فإن النظر ينقسم إلى أقسام: |
|
|
|
نوع النظر |
الحكم الفقهي |
الاستدلال |
|
نظر الفجأة |
معفو عنه، ويجب صرفه فوراً. |
حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: “يا علي، لا تُتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة”. |
|
نظر الشهوة |
محرم بإجماع، وهو المقصود بالآية. |
لأنه يؤدي إلى الفتنة ويهدم مقصد حفظ الفرج. |
|
نظر الحاجة |
مباح أو واجب بقدر الحاجة. |
كنظر الطبيب للعلاج، أو الشاهد للشهادة، أو الخاطب للمخطوبة. |
|
النظر إلى المحارم |
مباح بغير شهوة، وفي حدود لا تثير الفتنة. |
لضرورة التعامل والمعاشرة اليومية. |
الخاتمة
يُعد الأمر الإلهي بغض البصر في سورة النور (الآية 30)، منهجاً وقائياً متكاملاً، يهدف إلى تحقيق العفة الفردية والطهارة الاجتماعية. وقد كشف التحليل البياني للآية عن عمق التشريع، خاصة في دلالة حرف “مِن” التبعيضية التي توازن بين متطلبات الحياة وضرورات التكليف الشرعي.
إن غض البصر ليس مجرد كف عن النظر، بل هو عبادة قلبية وتزكية للنفس، وهو المفتاح الذي يضمن حفظ الفرج، ويحقق النقاء الروحي والمجتمعي الذي أشارت إليه الآية بـ ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾. وتذكير المؤمنين برقابة الله الخبير بأعمالهم يرسخ مبدأ المراقبة الذاتية، مما يجعل هذا الحكم أساساً متيناً لبناء مجتمع فاضل.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.




