تصريح

في الذكرى الثالثة للطوفان

8 أكتوبر، 2026
في الذكرى الثالثة للطوفان

بسم الله الرحمن الرحيم

مضى على انطلاق طوفان الأقصى ثلاث سنوات، قدم فيها إخواننا في غزة وفلسطين التضحيات الجسام من شهداء زادوا عن 75 ألف شهيد، ومئات الآلاف من الجرحى، فضلا عن التدمير الذي طال أكثر من 90% من العمران؛ من مساكن ومدارس ومستشفيات وبنية تحتية، ومع ذلك لا يزال شعبنا الفلسطيني صامدا ومستعدا لتقديم المزيد، وقد يتساءل البعض لماذا كل هذه التضحيات وهذا التدمير؟
لو نظرنا إلى ما تحقّق من إنجازات، وما خسره العدو سواء على المستوى البشري أو العتاد أو العلاقات الدولية، فسنعلم أنهم يتألمون أكثر مما نتألم، لأنهم لا يرجون من الله ما نرجو، فنحن قتلانا شهداء وأموالنا في سبيل الله، والجنة موعدنا، بينما هم ينظرون إلى ما يكسبون في الدنيا، وما لهم في الآخرة من نصيب.
وإذا نظرنا إلى موقف العالم باختلاف قاراته وجنسياته، فقد زاد العدد الذي بدأ ينظر إلى الكيان الصهيوني باعتباره مجرم حرب يسعى لإبادة شعب بكامله، وبدأ يتابع عمليات الاستيطان المستمرة والتهجير القسري، ولا أدلّ على ذلك من الانسحاب الكبير لأكثر من 70 دولة خلال كلمة رئيس وزراء الكيان في الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، كما أن التجاوب الشعبي الكبير على مستوى العالم مع قضية الشعب الفلسطيني والتنديد بانتهاكات دولة الكيان لحقوق الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع وفي القدس الشريف، والمطالبة بمحاكمة قادة الكيان، وما ترتب على ذلك من موقف الجنائية الدولية بصدور قرار اتهام ضد عدد من قادة الكيان الصهيوني على رأسهم رئيس وزراء الكيان نفسه، وهذا موقف لم يكن لأحد أن يتصور حدوثه في فترات سابقة، بالإضافة إلى ما أحدثه الطوفان من تعطل مسار التطبيع بين الدول العربية والكيان المحتل، كما أنه أحيا القضية الفلسطينية سواء على المستوى العربي والإسلامي وأيضا على المستوى الدولي، وبدأت الدعوة إلى تنفيذ قرار حل الدولتين بعد نسيانه تماما، وهكذا يمكن أن نرى الفوائد العظيمة التي لولا الطوفان لما تحقق أي منها.
لقد فطنت المقاومة إلى ما يريده العدو من برنامج توسعي سواء في الضفة أو في القطاع، وما كان هدف الطوفان إلا إيجاد موطئ قدم يمكن لها أن تتفاوض مع العدو حولها وخاصة أن هناك عددًا كبيرًا من الأسرى في سجون الاحتلال يعانون الأمرّين سواء كانوا رجالا أو نساء، وحتى الأطفال الذين لم يسلموا من الاعتقال وسوء المعاملة، وكان من الممكن التوسع والتهجير، وليس في يد المقاومة ما يمكنها أن تتفاوض به، وهكذا فهي خطوة استباقية اضطرت العدو إلى إيقاف الحرب المدمرة مكرها والإفراج عن عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين.
إن الحقيقة التي لابد أن تكون ظاهرة وواضحة أمام أعيينا أن الهدف الرئيس من الطوفان هو إحياء الجهاد ضد العدو المحتل في نفوس أبناء الأمة الإسلامية خاصة، وكذلك استنفار الروح الإنسانية في شعوب العالم بصفة عامة، وقد نجح الطوفان في ذلك نجاحا كبيرا، ونحن هنا لا نقلل من التضحيات والخسائر التي تكبدها أهلنا في غزة خاصة وفي فلسطين عامة، ولكن نقول لا يلام المظلوم على ما أحدث من وسائل لرد الاعتداء عنه ولكن يلام الظالم على عدوانه، وأيضا تلام الأمة أنها لم تكن في مستوى النصر الذي تتطلبه المرحلة.
إن متطلبات المرحلة التي تمكن المقاومة من استثمار التضحيات التي قدمت، والتي يقع علينا نحن شعوب الأمة أن ننفذها للوصول إلى المطلوب تتمثل في التالي:
1) الاستمرار في دعم المقاومة وتخفيف العبء عن الشعب المسلم في غزة وباقي أجزاء فلسطين.
2) نشر كل ما يتعلق بحاجة الشعب الفلسطيني ومعاناته، وتبني مواقفه المقاومة بكل وسائل النشر المتاحة.
3) مقاطعة كل الداعمين للكيان المحتل سواء من الشركات أو المؤسسات وأيضا الدول، بكل صور المقاطعة الاقتصادية والسياسية.
4) الضغط على حكومات الدول العربية والإسلامية لاتخاذ مواقف أكثر ضغطا على الكيان والدول الداعمة له، للالتزام بالاتفاقيات والعهود التي وقعها الكيان مع المقاومة، وفتح المعابر وإيصال الدعم الإنساني إلى أهلنا في القطاع.
5) فضح مخططات الكيان في القدس وكذلك ما يحدثه من توسع استيطاني وتهجير قسري للأهالي في الضفة الغربية وجنوب لبنان والجولان ومناطق من سوريا.
إن الوعي بالمعركة المصيرية التي تواجهها الأمة هو بداية النصر على العدو، وإن جميع مشاكل الأمة وما يحدث فيها من معارك واقتتال وفساد هو نابع من المخطط الذي تقوده الصهيونية والصليبية العالمية، وما يرافق ذلك من إفساد للأخلاق وابتعاد عن الدين وإشغال للناس بمتطلبات حياتهم اليومية، وهذا ليس قاصرا على بلاد العالم العربي والإسلامي فقط، بل هو فساد مستشرٍ في العالم ككل والذي سافر إلى بلاد الغرب في منتصف القرن الماضي ونظر إليه الآن سيعي ما نقول.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يؤهلها لقيادة العالم إلى ما فيه صلاحه وسعادته، ووفقنا جميعا لنصرة الحق وأهله أينما كانوا، والله الهادي إلى سواء السبيل.