تربوي

الكآبة الرقمية والعلاج الروحي

د. شيروان الشميراني 11 أكتوبر، 2026
الكآبة الرقمية والعلاج الروحي

د. شيروان الشميراني

الكآبة هي حالة اضطراب نفسي تؤثر على شخصية الانسان في مشاعره وسلوكه وطريقة تفكيره، وتعاطيه مع الآخرين، تجعل الانسان فاقداً للشغف في ممارسة الحياة والإندماج الاجتماعي، يرى الأمور بمنظار أسود، والرقمية هي الوسائل التقنية التي من خلالها يتواصل الإنسان الحديث مع العالم ومع نفسه، ومنصاتها المعروفة بوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.

فالكآبة المقصودة هنا، ليست الحالة الطبية المرضية التي تستدعي احياناً مراجعة الطبيب، هي الكآبة الرقمية وهي: الحزن المزمن أو المؤقت، والتدهور في الصحة النفسية الناتج بشكل مباشر عن الاستخدام المفرط الإيجابي أو السلبي للتكنولوجيا والمنصات الرقمية “ مواقع التواصل الاجتماعي، الهواتف الذكية، وألعاب الفيدو“.

  الحضارة الحديثة ظلمت البشرية كثيراً، أنهكتها، وهي تعاني جراءها منذ سيطرتها على الكوكبالأرضي، قدمت لها الجليل من الخدمات، لكنها تجهل لغة الروح والتحدث بلسانها، ما فعلته بالبشريةدفعت حتى أبنائها للهروب منها ومن أمراضها، في السابق كان مما يؤخذ على الغرب وماديته الطاغية، أنه يتعامل مع الجانب المادي للإنسان ويهمل الروحي فيه، وهي المكون الحقيقي المميز له، وقد كان يفسر حالة الكآبة المتفشية فيه الى هذا السبب الذي يدفع الى الانتحار أو اللجوء الى شرب الكحول باعتبارها مشروبات روحية للخروج من الضائقة النفسية والهروب من مشاكل الحياة، لم تقتصر الكتابات الناقدة على الغربيين، إلا أنّ الغربيين كانوا في الصف المتقدم لناقدي حضارتهمفي رحلة البحث عن معنى الحياة، كانت تلك محاولات -ومازالت- لإعادة الإنسجام والتوازن الى البعدين المادي والروحي للإنسان، لأن ذلك كانت المشكلة الحقيقية وطغت بها الرؤية الغربية للحياة، أما الآن ومن خلال التكنولوجيا الحديثة فُصِلَ بين العقل والجسد والروح والقلب، وهي مرحلة تتجاوز الفصل بين الجسد والروح حين كان العقل يتعامل مع كيلهما، لكن الآن انفصل عنهما،فالفصل الثنائي صارَ فصلاً ثلاثياً، وفي وقت كان الحديث عن الإدمان على الكحوليات والمخدرات، جاء العلم الحديث الطلق من كل كابِح بنوع جديد من الإدمان وهو الإدمان على وسائط التواصل الحديث وتطبيقاتها.

تعتمد تلك المنصات والمواقع على تقديم مشاهد قصيرة جداً -ريلز-، بحيث يخلق حالة من عدم الإشباع، فيبدأ بسحب الشاشة الى الأعلى أو الأسفل لحين فقدان الادراك بالوقت، وسرعة اللقطات تجعل المستخدم غير صبور في وضعه الطبيعي، لأن النفس بعد ساعات من رؤية اللقطات السريعة التي لم تفهم منها شيئاً سوى النظر والإرباك والعجلة، النفس تأخذ تلك الحال وتحولها الى مزاج شبه دائم لديه في تعامله مع الناس –التوتر والصراخ والغضب والإنحباس النفسي-.

 إن المشاهد المنشورة على فيسبوك وتيك توك وانستغرام تراقب المستخدم من خلال القدر من الوقتالذي يقضيه في المشاهدة، فيتعرف التطبيق على مزاجه ورغباته، ويضع أمامه على الشاشىة اللقطاتالمنسجمة مع رغباته ويبعد غيرها حتى يجعله مدمناً، ومن خلال رفع المثال في الحياة لا يشعرالمستخدم إلاّ وتحول الى شخص غير راض عن نفسه وكاره للحياة، وهو ما يسميه المختصون بالصحة العقلية. عقل مريض ونفس كئيبة غير صبور مستعجل في كل شيء. غير راض عن نفسه ولا عن حاله، وقد يكره أسرته ويراها سجناً، يتخيل الحياة هي ذاتها المصورة في مستواها العالي، أو من خلال مشاهد العنف والدماء والتربية السيئة، فتتغير نفسيته، وسلوكه تبعاً لها يتغير. لقد قدّم الالاف من الآباء والأمهات شكاوى الى المحاكم الأمريكية ضد الشركات المالكة للمنصات والخوارزميات المنتجة التي تعمل خلف الكواليس وتحدد المقاطع -ريلز- وتكره أبنائهم وبناتهم على المشاهدة، عاقبت المحاكم الأمريكيةشركة – ميتا -بمبلغ تجاوز ١٨ مليار دولار كتعويض للمتضررين وفرض اصلاح التطبيقات لتكون أكثر اماناً، من الجيد الإشارة هنا الى أن عدم وجود الشكاوى في منطقتنا ودولنا لا يعود الى انعدام المصائب الالكترونية في مجتمتعاتنا، وانما مرتبط بنوع الثقافة الموجهة حيث العادة تضع المسؤولية على المستخدمولا يلتفت كثيراً الى الدولة، وهو أسلوب خاطيء، لأن المسؤولية في هذه القضايا الشائكة جامعة شاملة.

 العلاج

الغربيون وغيرهم مدركون لهذه المشكلة الإنسانية، ونحن في مجتمعاتنا نعاني منها، لكننا لا نبحث عن الحلول، عادتنا الخاطئة كما تعودنا أن نتعامل من خلال ردود الفعل في حين كان المفروض أن يبدأالحلول من هنا، حيث الروح في العقل الشرقي لها الموقع البارز، وفي البحث عمّا تسميه الأستاذة المختصة بالفلسفة –ميغان سوليفان- ب “الحياة الجيدة“ يكون العلاج لهذه البلوى العامة، في أمرين،وهما: – قليلٌ من الوقت على وسائل التواصل الرقمية ومزيدٌ من الاهتمام بالروح والمشاعر الإنسانية.

الأول هو، التحكم بالوقت وترشيد انفاقه. إعادة القدرة على إدراك الوقت، وقد ربطت الدراسات بين نسبة انتحار الشباب والمدة الزمنية التي يقضيها في مشاهدة وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة عبر الهواتف الذكية، وهم أكثر عرضة من الآخرين الذين يقضون أوقاتاً أقل لمعاناة الحزن والتوتر والإضطرابفي الأكل. إنّ هذه الأدوات لها حكم الوسيلة، فأيما وقت تحولت الى شيء غير ما صنع من أجله، يتغير حكم استعمالها. ويشمل هذا نوع الاستعمال والمادة المعروضة أو الفترة الزمنية التي ترتدّ على صاحبها بسوء.

والثاني هو: العودة الى الروح، في خضم البحث عن هذا التهافت الروحي الذي أحدثته أدوات التواصل الحديثة، يقرّ الأكاديميون في الغرب بإننا نعيش في عالم خطير روحياً، لأن الإنسان بذاته تحول الى آلة، ولم يعد الإنسان ذلك المخلوق المميّز بأبعاده الكاملة الشاملة، فقد جوهره الإنساني. فإذا كان هذا الداء فإنّ الدواء هو في تربية الروح بغذائها الخاص – وهو ربطها المحكم بخالقها سبحانه – أو تجاوز عالم الماديات والتقنيات في عمومها، لأنّ الانسان ليس جسداً فقط، ولا هو بعقل مجرّد أو نفس وقلبمنشطرة، إنما هو كل ذلك، لكن طبيعة الحياة الحديثة الجميلة الممتعة أضحت هي الهدف، أهملت العناصر الأخرى التي ترفع الروح وتغذي المشاعر حسب سوليفان وهي: الدين، الأدب، الفن، اللاهوت، التاريخ، الفلسفة، الصداقة، المحادثة [المباشرة].

 في القرآن الكريم، يمنُّ الله سبحانه على أهل الجنة بأنه أذهب عنهم الحزَن، وهم يشكرون الله على ذهابكل ما يقلق {وَقالُوا الحَمدُ لِلّه الَّذي أَذْهَبَ عَنّا الحَزَنْ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُوُرْ} [فاطر:٣٤]، كأن ذهاب الحزن من القلب والروح هو نعمة مبتغى وامل يعمل الإنسان من أجله، بتعبير آخر، بما أن الجنة هي الصورة المثلى للحياة، فإنَّ الطبيعة السوية التي ينبغي ان يكون عليها الانسان في الدنيا هو أن لا حزَن، فكل فكر وفعل عليه مراعاة هذه الخاصية النفسية للإنسان عند التخطيط والإنتاج، وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة، في بحثه عن دخول الإسلام نطاق الحداثة [التكنولوجية] الذي يضمُّه كتاب “الدين في عصر الرّقمنة: من الوسائط الجديدة الى الآلات الروحانية“تقول رئيسة قسم الدراسات الإسلامية في جامعة كليرمونت في كاليفورنيا “رقية ياسين خان”: إن كلاّ من الدين والروحانية يضفيان صبغة إنسانية على بعض التوجهات الضارّة للوسائط الإعلامية الجديدة وجوانبها الرقمية ويبطلانها…ومن دون الاهتمام المجتمعي والفردي بهذه الممارسات ودمجها في جوانبالحياة، فإن ظاهرة الوسائط الإعلامية الجديدة والممارسات المرتبطة بها ستشهد تضاؤلاً في جانبها الإنساني”.

د
د. شيروان الشميراني