فكري

تحوّل الشعوب الذهني عند غوستاف لوبون: من صدمة التاريخ إلى سؤال النهضة

فرج كُندي 11 أكتوبر، 2026
تحوّل الشعوب الذهني عند غوستاف لوبون: من صدمة التاريخ إلى سؤال النهضة
 في الوعي الجمعي وتحولات الأمم

ليس من الممكن فهم تحولات الشعوب وأسباب نهوضها أو تراجعها من خلال التغيرات السياسية والاقتصادية وحدها؛ فخلف هذه التحولات بنية أعمق تتصل بطريقة تفكير الإنسان، ومنظومة القيم التي تحكم سلوكه، والصورة التي يحملها عن ذاته ومجتمعه والعالم من حوله. ومن هذا المدخل تبرز أهمية كتاب غوستاف لوبون «النتائج الأولى للحرب: تحوّل الشعوب الذهني»، الصادر سنة 1916، في خضم الحرب العالمية الأولى، حين كانت أوروبا تعيش اضطرابًا تاريخيًا هزّ تصوراتها عن القوة والتقدم والاستقرار.

لم ينظر لوبون إلى الحرب بوصفها مواجهة عسكرية بين الدول فحسب، بل رأى فيها قوة هائلة لإعادة تشكيل الأفكار والمشاعر والعلاقات الاجتماعية والسياسية. فالحروب والأزمات الكبرى لا تغيّر الحدود وموازين القوة وحدها، وإنما تكشف الأوهام التي استقرت في عقول الشعوب، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتختبر قدرتها على التكيف مع الوقائع الجديدة. ومن هنا ينطلق السؤال الذي يمنح الكتاب أهميته: كيف تتحول الشعوب من حالة ذهنية إلى أخرى، وكيف تنتقل الأفكار من مجال التصور إلى مجال الفعل التاريخي؟

سقوط الأوهام وبداية التحول

يضع لوبون فقدان الأوهام في مقدمة التحولات الذهنية التي أحدثتها الحرب. فالأمم قد تبني تصوراتها على الاعتقاد بديمومة قوتها، أو استقرار مؤسساتها، أو قدرتها على التحكم في المستقبل، ثم تأتي الأحداث لتكشف هشاشة هذه التصورات. ولا تبدأ المراجعة الحقيقية حين تظهر الأفكار الجديدة فقط، بل حين تفقد الأفكار القديمة قدرتها على تفسير الواقع.

وهنا تكمن إحدى أهم الدلالات التي يمكن استخلاصها من الكتاب: الأمة التي تعجز عن مراجعة تصوراتها عن نفسها تعجز غالبًا عن تغيير واقعها. فالهزيمة لا تكون عسكرية بالضرورة، كما أن الأزمة لا تكون اقتصادية وحدها؛ إذ قد تتحول الهزيمة إلى نقطة انطلاق للمراجعة والإصلاح، وقد تتحول الأزمة إلى كارثة ممتدة حين يواجهها المجتمع بالإنكار والتبرير والتمسك بأوهام تجاوزتها الوقائع.

لكن لوبون، في نقده للثقة المفرطة بالعقلانية، يبالغ أحيانًا في إبراز أثر العاطفة واللاوعي الجمعي، حتى يكاد يمنح الجماعات خصائص ثابتة. والصحيح أن الإنسان يتأثر بالخوف والانتماء والذاكرة والرموز والقيادة، لكنه لا يفقد بالضرورة قدرته على التفكير والاختيار والمراجعة. فالوعي الجمعي مؤثر في السلوك، لكنه ليس قدرًا مغلقًا لا سبيل إلى تغييره.

الإنسان والمجتمع وصناعة الشخصية الجديدة

يرى لوبون أن الأزمات الكبرى تستطيع أن تكشف قدرات كامنة في الإنسان، وأن تدفعه إلى تطوير صفات لم تكن ظاهرة في ظروف الاستقرار. فالضرورة قد توقظ الشجاعة، والمسؤولية قد تنمي الانضباط، والخطر قد يدفع إلى الابتكار والتضامن. غير أن الأزمة الواحدة لا تنتج النتائج نفسها في جميع المجتمعات؛ لأن استجابة كل مجتمع تتأثر بثقافته، ودرجة تماسكه، وطبيعة قيادته، وقدرته على التعلم وتصحيح الأخطاء.

ومن هنا لا يكفي أن نسأل عما حدث للأمة، بل ينبغي أن نسأل عما كشفه الحدث من مواطن القوة والضعف في بنيتها الداخلية. هل تمتلك مؤسسات قادرة على التكيف؟ وهل تتوافر فيها الثقة المتبادلة وروح المسؤولية؟ وهل تستطيع التمييز بين النقد والعداء، وبين الحقيقة والدعاية؟

ويؤكد هذا التحليل أن إصلاح الفرد لا ينفصل عن إصلاح البيئة التي يتكون فيها؛ فالمجتمع الذي يكرم العلم والعمل والإتقان ينتج أنماطًا من السلوك تختلف عن مجتمع يطبع مع الجهل والفساد والاتكالية. ومن ثم فإن بناء الإنسان لا يتحقق بالوعظ وحده، بل يحتاج إلى ثقافة ومؤسسات وممارسات تكافئ الفضيلة والإنتاج وتحمل المسؤولية.

المؤسسات والوعي الجمعي: حدود الإصلاح بالقانون

من الأفكار المهمة في الكتاب أن الدولة لا تستطيع تغيير الأمة بمجرد إصدار القوانين، وأن المؤسسات لا تؤدي وظائفها بكفاءة إذا اصطدمت بالثقافة الاجتماعية السائدة. فالدستور لا يصنع وحده ثقافة دستورية، والانتخابات لا تضمن وحدها قبول التداول السلمي للسلطة، والقوانين لا تقضي على الفساد ما دامت البيئة الاجتماعية والسياسية توفر له الحماية والتبرير.

وهذه القضية تمثل مدخلًا مهمًا لفهم أزمات الدولة العربية الحديثة؛ إذ كثيرًا ما انشغلت مشاريع الإصلاح بتغيير الهياكل والأسماء واللوائح، من دون أن تعالج أنماط التفكير التي تعيد إنتاج الاستبداد والتبعية والفساد. وقد يتغير رأس السلطة بينما تبقى الثقافة السياسية على حالها، فتستمر الممارسات القديمة في مؤسسات جديدة.

وفي المقابل، لا ينبغي التقليل من أهمية القانون والمؤسسة، بل المطلوب الجمع بين إصلاح الإنسان وإصلاح البنية التي توجه سلوكه. فالمؤسسات القوية تحدّ من الانحراف، والثقافة الأخلاقية تمنحها سندًا اجتماعيًا، والرقابة والمساءلة تحولان القيم إلى قواعد عملية. وهنا تلتقي بعض ملاحظات لوبون مع الرؤية العمرانية عند ابن خلدون، التي تربط قيام الدول واستمرارها بأحوال الاجتماع الإنساني والقوة والعصبية والسلطة والاقتصاد.

الإعلام والدين وصناعة التصورات

يتوقف لوبون عند دور الصحافة والكتب في تشكيل الذهنية الجمعية، وهي قضية ازدادت أهميتها في عصر الإعلام الرقمي. فالناس لا يتعاملون مع الوقائع مباشرة دائمًا، بل مع الصور والروايات التي تصلهم عنها. وإذا احتكرت الدعاية تفسير الأحداث، أو تحولت الشائعة إلى بديل عن المعرفة، تراجعت قدرة المجتمع على النقد، وأصبح الانتماء إلى الجماعة معيارًا للحكم على الحقيقة.

كما أن الأزمات تعيد الإنسان إلى أسئلة المعنى والغاية والتضحية والمصير. ومن المنظور الإسلامي، لا يقتصر الإيمان على منح الإنسان الطمأنينة في أوقات الشدة، بل يمتد إلى بناء منظومة أخلاقية تضبط علاقته بنفسه والآخرين، وتربط العبادة بالعدل والأمانة والرحمة والعمل والإتقان. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فالتغيير يبدأ من الداخل، لكنه لا يكتمل إلا حين يتحول إلى سلوك وعلاقات ومؤسسات وعمران.

من نقد لوبون إلى سؤال النهضة العربية

على الرغم من أهمية الأسئلة التي يثيرها لوبون، فإن قراءته تقتضي الحذر من تصوره للخصائص العرقية و«روح الشعوب» بوصفها صفات ثابتة. فقد تأثر فكره بالمركزية الأوروبية والنزعات العنصرية والنخبوية التي سادت عصره، ولا يصح اعتماد هذه المقدمات باعتبارها حقائق علمية. فالشعوب ليست محكومة بطبيعة بيولوجية مغلقة؛ وإنما تتشكل عبر التاريخ والثقافة والتعليم والمؤسسات والظروف السياسية والاقتصادية، وهي عوامل قابلة للتغيير.

وتتضح أهمية هذا التمييز حين ننظر إلى واقعنا العربي والإسلامي، الذي تراكمت فيه آثار الاستعمار والتجزئة والاستبداد والدولة الريعية والصراعات الداخلية. فالأزمة ليست سياسية فقط، بل تتصل أيضًا بتصورات الإنسان عن السلطة والعمل والعلم والدين والاختلاف والمستقبل. ولا يكفي استيراد المؤسسات أو تغيير الحكومات إذا ظلت الثقافة العامة تعيد إنتاج التبعية والخوف ورفض المساءلة.

إن النهضة لا تعني تقليد نموذج خارجي، كما لا تعني الاكتفاء باستعادة أمجاد الماضي؛ وإنما تعني بناء قدرة ذاتية على الاستفادة من الخبرات الإنسانية، ونقدها، وتطوير مؤسسات ملائمة لحاجات المجتمع وقيمه ومقاصده.

الخلاصة

تظل القيمة الأهم في كتاب لوبون أنه يلفت النظر إلى ما يحدث داخل الإنسان والمجتمع حين تصطدم الشعوب بوقائع كبرى. لكن الاستفادة منه لا تكون بتبني أحكامه العنصرية، بل باستخلاص أسئلته الاجتماعية ونقد تفسيراته في ضوء المعرفة الحديثة والرؤية الإسلامية.

فالأمم لا تنهض بتغيير الأشخاص وحدهم، ولا بالقوانين وحدها، ولا بالشعارات التي لا تجد طريقها إلى الواقع؛ وإنما تنهض حين تتغير منظومة القيم والتصورات، ويتحول الوعي إلى مسؤولية، والأخلاق إلى سلوك، والمعرفة إلى إنتاج، والإصلاح إلى مؤسسات عادلة وفاعلة. عندئذ فقط ينتقل التغيير من مستوى الذهنية إلى مستوى الحضارة، وتصبح الأمة قادرة على صناعة تاريخها بدل أن تظل أسيرة أحداث يصنعها الآخرون.

ف
فرج كُندي