تربوي · دعوي

(( لماذا نخشى من تحليل الحرام أكثر من تحريم الحلال؟ ))

✍️ د. سعد الكبيسي 15 أكتوبر، 2026
(( لماذا نخشى من تحليل الحرام أكثر من تحريم الحلال؟ ))

✍️ د. سعد الكبيسي

من الأمور التي عادة ما يتم نسيانها أو تجاهلها عند بعض المسلمين والمتدينين على وجه الخصوص، وربما حتى عند بعض المفتين أن “تحريم ما أحل الله، مثل تحليل ما حرم الله” في منع الشريعة منه تماما سواء بسواء، وفي كل أحكام الشريعة، لأن التحليل والتحريم حق خالص لله تعالى، وكلاهما حكمان شرعيان فقوله تعالى: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” الأعراف 32، وقوله تعالى: “إنما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” التوبة37 . فتحريم زينة الله تعالى والطيبات من الرزق التي أباحها مثل تحليل العدة التي حرمها تماما.
وهنا نود توضيح الآتي:
1_ إن كثيرا من طلبة العلم الشرعي الغيورين ومن الدعاة المخلصين يتسرع بالجنوح إلى تحريم الحلال والمباح وحتى المكروه، استنادا لأشياء معتبرة شرعا مثل سد الذرائع والاحتياط في الفتوى واتقاء الشبهات والروع، بأدنى علامة وأخف إشارة إلى أن هذا الحلال والمباح في ذاته، ربما تكون منه مفسدة متوقعة، حتى لو لم تكن راجحة، أو لوجود أدلة تحريم، حتى لو كانت أدلة ضعيفة.
2_ إن هذا المنهج منهج خاطئ يؤدي إلى توسيع دائرة المحرمات إلى أكبر مما يريدها الله تعالى لها، حيث أرادها سبحانه أن تكون دائرة صغيرة محدودة بما يتناسب مع مصلحة الخلق وحماية للأوامر والواجبات، دون أن يكون هناك تمييع وتساهل مع هذه المحرمات أبدا في حال ثبوتها.
3_ إن من أكبر الإشكالات أن تتحول فتاوى سد الذرائع والاحتياط واتقاء الشبهات والورع إلى فتاوى دائمة باقية، وإلى منهج مستمر على طول الزمان والمكان والأشخاص، مع أن الحكم الشرعي قد يكون محرما أو مكروها سدا لذريعة أو احتياط أو اتقاء شبهة في زمان دون آخر، ومكان دون آخر، وشخص دون آخر، فقد امتنع النبي ﷺ عن قتل المنافقين سدا لذريعة القول بأنه يقتل أصحابه، ولم يعد بناء الكعبة خوفا من توهم من أسلم حديثا أنه تلاعب ببيت الله، ومنع الفقهاء بيع العنب لمن يتخذه خمرا، كما حرموا بيع السلاح في الفتنة حتى لا يؤذى به مسلم، وكل ذلك من باب سد الذرائع الراجحة الحصول، لكنه سدٌ في ظرف ما وزمن ما وحدث ما، عند اليقين أو الظن القريب من اليقين من حصول مفسدة إذا ما بقي باب الجواز مفتوحا، مع أن أصل العقوبات وإعادة بناء الكعبة وبيع العنب والسلاح جائز، وقد عاقب رسول الله من غدر وخان في حوادث أخرى، وأعيد بناء الكعبة من بعد النبي ﷺ ، وبقي أصل جواز بيع العنب والخمر باقيا.
4_ إن فتاوى الورع فتاوى خاصة واختيارية الإلزام من المستفتي وليست منهجا لعموم الأمة، وكثير من الورع اجتهادي أيضا، فقد يكون الورع أو الاشتباه عند فقيه ولا يكون عند فقيه آخر، وإن الاحتياط يكون معتبرا مع وجود قرائن قوية على احتمال الحرمة، وليس مجرد الاحتمال المطلق.
5_ إن توسيع دائرة المحرمات والمكروهات على حساب المأمورات والمندوبات والمباحات دون تأن مناقضة لمقاصد الشريعة، فالشريعة في أصلها أرادت فتح الذرائع لبناء الحياة وإطلاق الطاقات الإنسانية، لكن قد يطرأ استثناء في وقت أو ظرف ما يكون فيه من مقاصدها أن تسد الذريعة حماية لمقاصد الشريعة من الأذى، فالاصل فتح الذرائع لا سدها والاصل في المعاملات الإباحة حتى يرد دلبل التحريم .
6_ من الضروري التحقق التام والاستقراء الكافي لاعتبار أن مصلحة مباح من المباحات، قد تحولت إلى مفسدة راجحة تقتضي تحريم هذا المباح، سدا لذريعة الوقوع في الحرام أو احتياطا من الوقوع فيه أو اتقاء للشبهات، وإلا وقعنا وأوقعنا الناس في المشقة والحرج وتحريم ما أحل الله دون بينة كافية.
7_ إننا نتحسس ونخاف عادة من تحليل الحرام أكثر من تحريم الحلال، بسبب دافع الخوف من فعل ما نهى الله عنه، لكن تحريم الحلال مما نهى الله عنه أيضا، وهذا ما يقع فيه كثير من المفتين والمتدينين.
8_ إن كثيرا مما يبدو لأول وهلة أنه مباح يؤدي إلى الحرام، في قضايا من مثل قضايا الفنون والترويح والمعاملات المالية والسياسة وغيرها، فإننا نحتاج فيه إلى اجتهاد في وضع الضوابط الشرعية له، لا غلق بابه وسد ذريعته وتحريمه بالكامل، والفرق بين الأمرين شعرة يتقنها أهل الصنعة من أهل الفقه والفتوى.
وفي الأمر تفصيلات أصولية وفقهية طويلة ومتشعبة لا يتسع لها المقام، لكن المقصود الإشارة إلى الفكرة العامة التي نريد توضيحها وهي أن ” تحريم ما أحل الله كتحليل ما حرم الله في منع الشريعة منه”.

 

✍
✍️ د. سعد الكبيسي