تربوي · دعوي

أخلص نيَّتك قبل أن تنشر كلمتك!

د. وصفي أبوزيد 15 أكتوبر، 2026
أخلص نيَّتك قبل أن تنشر كلمتك!
د. وصفي أبوزيد
قد تكتب منشورًا نافعًا، وتحرص على أن يصل إلى أكبر عدد من الناس، ثم تجد نفسك تعود إلى هاتفك مرة بعد مرة، تراقب عدد المشاهدات والإعجابات والمشاركات؛ فإن ارتفعت الأرقام انشرح صدرك، وإن قلَّ التفاعل تسلل إليك شيء من الضيق، وربما ازداد ضيقك حين ترى غيرك ينشر الفكرة نفسها فتحظى كلماتُه بما لم تحظَ به كلماتُك؛ وهنا ينبغي أن تسأل نفسك سؤالًا لا يسمعه أحدٌ سواك: “هل كنتُ أبتغي أن ينتفع الناسُ بما كتبتُ، أم كنتُ أرجو أن يلتفتوا إليَّ أنا؟”.
إن وسائل التواصل الاجتماعي لم تَخلق حبَّ الظهور في النفوس، لكنها جعلت له أبوابًا واسعة ومغرياتٍ متجددةً؛ فالأرقامُ حاضرة أمام أعيننا، والإشعارات تستدرج انتباهنا، والخوارزميات تدفع إلى ما يستثير التفاعل، حتى قد ينزلق المرء – دون أن يشعر – من الحرص على نفع الناس – إن أحسنَّا النية – إلى الحرص على استحسانهم، ومن الاجتهاد في جودة ما يقدم إلى الانشغال بمقدار ما يناله من ثناء!
ولهذا كان إصلاح النية أصلًا لا غنى عنه في أخلاق النشر والتفاعل؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (متفق عليه)؛ فليست قيمة الكلمة عند الله بما تحصده من إعجابات، ولا بما تحققه من انتشار وحده، وإنما بما اجتمع فيها من صدق القصد وصواب العمل ونفع الخلق، وقد يتشابه منشوران في ظاهرهما، وتختلف منزلة صاحبيهما عند الله اختلافًا عظيمًا!
وما أعمق كلمة ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: «الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها»؛ فقد تنشر ما يوقظ القلوب، وتغفل عن قلبك أنت، وقد تدعو الناس إلى فضيلة، ثم يؤلمك أن يذكروا غيرك بها ولا يذكروك، وقد تفرح بثناء المتابعين أكثر مما تفرح بأن إنسانًا انتفع بكلمتك؛ وليس المقصود أن نتهم أنفسنا بكل خاطر يعرض لها، وإنما أن نتعهد نياتنا بالمراجعة والتصحيح، وألا نجعل من معرفة عيوب النفس ذريعةً للحكم على سرائر الآخرين!
وليس من الرياء أن تحرص على انتشار الخير، أو تفرح بوصول العلم إلى الناس، أو تسرَّ بثناء صادق لم تطلبه؛ فقد يكون توسيع دائرة النفع من تمام الإخلاص وحسن أداء الرسالة، وإنما موضع الخطر أن تصبح أنظارُ الناس هي التي تحدد ما تقول وما تسكت عنه، وأن تستبدل بما تراه حقًّا ونافعًا ما تظن أنه أكثر جذبًا للتفاعل، أو تهجر عملًا صالحًا لمجرد أنه لا يجلب لك شهرة ولا انتشارًا!
فإذا هممتَ بالنشر، فاسأل قلبك: لماذا أكتب؟ وإذا رأيتَ غيرك قد نجح في إيصال الخير إلى الناس، فهل تفرح لانتفاعهم، أم يحزنك أن الخير لم يأتِ عن طريقك؟ وإذا قلَّ التفاعلُ مع كلماتك، فهل تبحث عما يحسنها وينفع قارئها، أم تفقد حماستك لأن أحدًا لم يصفق لك؟ ثم امضِ في الخير، وجدِّد نيتك كلما احتجتَ إلى تجديدها، ولا تجعل أرقامَ المنصة ميزانًا لقيمة عملك عند الله!
اجتهد – إذن – أن تبلغ كلماتُك أبعد مدى، ولكن احرُسْ قلبَك من أن يصبح ذلك المدى غايتَك؛ فما قيمةُ أن ترتفع أرقامُ المشاهدات والإعجابات، ويَغفُلَ صاحبُ الكلمة عن منزلتها عند الله؟ وما أجمل أن يكتب الإنسان كلمة طيبة، يبتغي بها وجه الله ونفع عباده، ثم لا يشغله مقدارُ ما نالته من ثناءٍ عن رجاء قبولها عند ربه؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]
فلا تجعل أعظم أمنياتك أن تصعد كلماتُك إلى صدارةِ المنصات؛ واجعل أعظم رجائك أن تصعد إلى الله طيبةً، وأن تكون عنده مقبولةً!
د
د. وصفي أبوزيد