✍️ د. سعد الكبيسي
نستكمل معكم في هذه التدوينة الثالثة والأخيرة بقية التحديات والمشكلات التي تواجه الشباب المسلم.
تاسعا: المشكلات الحضارية
قد يكون بداية القرن التاسع عشر بداية الظهور الجلي للتباين الحضاري، بين العالم الإسلامي وبين العالم الغربي، الذي بدا أنه القوة القادمة التي ستقدم نموذجا حضاريا يتمثل بنظم سياسية جديدة، ومنظومات فكرية وسلوكية حداثية عن الدين والمجتمع والإنسان، مصحوبة بتقدم صناعي سريع وهائل يضمن لها التفوق على من سواها، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم كان هناك صراع حضاري ظاهر أو خفي بين الأمة وشبابها، وبين العالم الغربي وحتى العالم الشرقي، أدى إلى انقسام النخب والجماهير إلى مناد باللحاق بركب هذه الحضارة على سبيل التبعية، ومناد ببيان عوارها والتحفظ على مخرجاتها خوف الذوبان فيها.
ولقد كان العنوان الكبير للمنادين باللحاق بهذه الحضارة هو تجاوز الدين كنظام حياة واعتباره العائق الأكبر، حيث لم تصنع الحضارة المعاصرة إلا بتجاوزه، لكن ما حصل فعلا في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي أنهم مع تجاوز هذا الدين فإن الفشل كان حليفهم، فلا هم حافظوا على هويتهم ولا هم لحقوا حقيقة بالحضارة التي انبهروا بها وتابعوها!!.
واليوم وبعد أحداث غزة حدث تحول عالمي هائل وإسلامي على وجه الخصوص في انكشاف الكثير من القيم الزائفة لهذه الحضارة، وخبا بريقها بسرعة لم يتوقعها أحد.
ومواجهة هذا التحدي إنما يكون في إيجاد النموذج الحضاري الخاص بالأمة، وبيان خريطة الطريق في الوصول إليها، وعدم الاقتصار على توضيح عوار الحضارة المنافسة فقط، دون النظر اليها باتزان بملاحظة عناصر القوة والضعف فيها معا، والاستفادة من التجربة والمشترك الإنساني، مع رفض كل ما يهدد الهوية ويخل بالقيم، وتكثيف الجهود نحو العمل الفكري الجاد وإشراك الشباب النابه والذكي في صياغة نموذج حضاري يستطيع ملء الفراغ.
عاشرا: المشكلات الرسالية والإصلاحية
لم تعد نزعة التأكيد على حرية الفرد سائدة في البيئة التي نشأت فيها في العالم الغربي، بل انتقلت وبقوة إلى المجتمعات الإسلامية، من خلال تزايد الناي بالنفس عن الشأن الإصلاحي العام، ومن هنا فقد تعرضت مفاهيم رسالية وإصلاحية كثيرة للتسقيط والاتهام، وأن المتدين يمارس نوعا من التسلط، وقد تجلى ذلك في أمور ثلاثة:
الأول: استدعاء النموذج الغربي في الحرية والاستدلال على صلاحيته بتقدم هذا الغرب وتراجعنا وتخلفنا بالنسبة إليه.
الثاني: تربية الفرد في البيت والمدرسة والمسجد والشارع على أن يكون صالحا لا مصلحا وتجريم فكرة التدخل في شؤون الآخرين بالمطلق.
الثالث: تعميق فكرة الحرية وتوسيع مدياتها دون ضابط، لتحاصر أي مفهوم إصلاحي ديني أو عرفي، مثل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتدخل الأعراف والتقاليد في الحد من هذه الحرية.
ومواجهة هذا التحدي إنما يكون ببناء الحس الرسالي وتعميق المنهج الإصلاحي فكرا وسلوكا، بفقه عميق في خطوات الإصلاح، وأحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالشاب وهو مليء بالحماسة الإصلاحية، دون فقه يضبطه قد يتجاوز الأحكام ويقع في الغلو، وبهذا فمعادلة الاتزان تقتضي بناء الرسالية والإيجابية ومعها الضابط الفقهي الذي يجعله يتحرك على بصيرة.
تلك عشرة كاملة من التحديات والمشكلات التي يواجهها الشباب المسلم توصيفا ومعالجة، ولهذا نقترح في هذا الصدد:
1_ العمل على مشروع علمي يمكن تسميته بالنوازل الشبابية، يكون مرجعا للعاملين مع الشباب ونقصد هنا النوازل الفكرية والفقهية والتربوية معا، وتوضيح فقه الواجب في التعامل معها تأصيلا وتنزيلا، وتجاوز المسائل الفكرية والشرعية التقليدية التي لم تعد تهم كثيرا شباب اليوم وما يواجهونه من تحديات ومشكلات.
2_ إنشاء مجلس تنسيقي للأكاديميات والمنظمات الطلابية، يجتمع فصليا، لتبادل الخبرات النظرية والعملية وإقامة الأنشطة المشتركة.
3_ العمل على وضع منهاج نظري وعملي يكون صالحا لبناء الشباب فكريا وسلوكيا، والاجتهاد في اختيار أفضل الوسائل النظرية والعملية في ذلك، ثم يترجم للغات عدة.
4_ الاتصال بوزارات الشباب في الدول الاسلامية حسب المتاح، وتبني دعم وعمل الأنشطة المرئية والمسموعة والمكتوبة، فكثير من برامج هذه الوزارات تتيح خيرا كثيرا في تقديم ما يحتاجه الشباب من أنشطة.
5_ تكثيف الورش الشبابية التي تعطينا تصورا حقيقيا عن تحدياتهم الواقعية لا الافتراضية، وفهم واقهم بأدوات البيانات والإحصاءات والعلوم الإنسانية والاجتماعية في التحليل والتوصيف، مع الأخذ بنظر الاعتبار خصائص وسمات المستهدفين هنا وهم الشباب.
6_ تأهيل المربين والمتعاملين مع الشباب، منهجيا وعمليا وميدانيا، من خلال دورات ودبلومات متخصصة.

