ثقافي

قراءة في كتاب «هجرتي إلى بلاد المسلمين»مع العلماء والكتب والكتابة وقضايا الأمة.

فرج كندي 26 أكتوبر، 2026
قراءة في كتاب «هجرتي إلى بلاد المسلمين»مع العلماء والكتب والكتابة وقضايا الأمة.

فرج كُندي

مقدمة:

حين تتحول الهجرة من تجربة شخصية إلى مشروع علمي

لا يندرج كتاب «هجرتي إلى بلاد المسلمين: مع العلماء والكتب والكتابة وقضايا الأمة» للدكتور علي محمد الصلابي ضمن كتب المذكرات الشخصية التي تستعيد أحداث الماضي بقصد تسجيل الذكريات أو توثيق مراحل الحياة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم تجربة إنسانية وعلمية وفكرية امتدت سنوات طويلة، تداخلت فيها محنة الغربة مع طلب العلم، ومعايشة العلماء مع قراءة الكتب، والاهتمام بقضايا الأمة مع متابعة التحولات السياسية والفكرية التي شهدها العالم الإسلامي.

فالكتاب، الذي صدر سنة 1448هـ/2026م، في نحو 540 صفحة بحسب الملف المرفق، ينطلق من تجربة هجرة بدأت من بنغازي أواخر سنة 1988م، في ظروف ارتبطت بالخوف من الاعتقال وما أعقب سنوات السجن من تحولات شخصية وفكرية، ثم امتدت الرحلة عبر مكة المكرمة وجدة وباكستان والمدينة المنورة والسودان واليمن، لتتحول من انتقال اضطراري عن الوطن إلى مسار طويل في التحصيل العلمي، وبناء العلاقات مع العلماء والدعاة، والانخراط في قضايا الفكر والسياسة والتاريخ والدعوة.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه يجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة: مستوى السيرة الذاتية التي تسجل تجربة الهجرة وما صاحبها من آلام وآمال؛ ومستوى السيرة العلمية الذي يتتبع أثر العلماء والمدارس الفكرية والمؤسسات التعليمية في تكوين المؤلف؛ ومستوى القراءة التاريخية والسياسية الذي يعرض تجارب الحركات الإسلامية، ومواقف العلماء، والعلاقة بين الدعوة والدولة والمجتمع، وما تثيره هذه العلاقة من أسئلة تتعلق بالإصلاح والشرعية والشورى والعدل.

ومن هنا فإن القراءة العلمية الجامعة للكتاب لا ينبغي أن تتوقف عند متابعة محطات الرحلة الجغرافية، بل ينبغي أن تبحث في المعنى الذي ينتظمها، وفي الصلة بين التجربة الفردية والتحولات العامة، وبين تكوين العالم ومسؤولية الداعية، وبين المعرفة النظرية واختبار الأفكار في ميدان الحياة.

أولًا: الهجرة من بنغازي؛ من المحنة إلى إعادة بناء الذات

تبدأ الحكاية في أواخر ديسمبر 1988م، حين غادر المؤلف بنغازي متوجهًا إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، وانتظار بدء دراسته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وفي أثناء توقفه في قبرص، تلقى اتصالًا من والدته تخبره فيه بأن رجال الأمن جاؤوا للقبض عليه، وتوصيه بألا يعود إلى البلاد، وأن يهاجر في أرض الله الواسعة.

لم يكن ذلك مجرد حدث عابر في سيرة شخصية، بل كان نقطة تحول أعادت تشكيل مسار حياته. فالهجرة التي بدأت في ظروف يغلب عليها القلق والخوف من العودة إلى السجن، تحولت مع مرور الزمن إلى فرصة لمواصلة التعلم، والتعرف إلى بيئات إسلامية مختلفة، والاتصال بالعلماء، ومتابعة قضايا الأمة من مواقع وتجارب متعددة.

وهنا يبرز المعنى الأول الذي يقدمه الكتاب: أن المحنة قد تتحول إلى نقطة انطلاق جديدة إذا أحسن الإنسان التعامل معها، وأعاد تنظيم حياته حول غاية واضحة، واستطاع أن يجمع بين الصبر والعمل والأخذ بالأسباب.

ولا يقدم المؤلف تجربته باعتبارها قصة نجاح شخصية مجردة من سياقها، بل يربطها بمعاني الهجرة في القرآن الكريم، وبما تتضمنه من مفارقة الأهل والوطن، واحتمال المشقة، والبحث عن سعة تحفظ الدين والنفس وتتيح مواصلة الطريق.

وتظهر في هذه المرحلة مكانة القرآن الكريم في تكوين المؤلف؛ إذ يذكر أن حفظه للقرآن، وما ارتبط به من مراجعة وتدبر، كانا من أهم ما خرج به من تجربة السجن. فالقرآن في نظره ليس مجرد محفوظات علمية، وإنما زاد روحي ومنهجي يساعد على فهم الحياة والتاريخ والإنسان، ويمنح صاحب الرسالة معيارًا يرجع إليه في مواجهة تقلبات الواقع.

وهذه نقطة تستحق الوقوف عندها؛ لأن المؤلف يجعل البناء العلمي متصلًا بالبناء الإيماني، ولا يفصل التحصيل المعرفي عن التزكية والصبر واستقامة المقصد. فالإنسان الذي يطلب العلم، وفق هذه الرؤية، لا يحتاج إلى الكتب والمؤسسات التعليمية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى أساس أخلاقي وروحي يعينه على مواصلة الطريق.

ثانيًا: مكة المكرمة وجدة؛ بدايات التكوين العلمي والإنساني

مثلت مكة المكرمة أولى محطات الإقامة بعد مغادرة ليبيا، ومنها بدأت مرحلة جديدة من العبادة والقراءة وحضور مجالس العلم والتعرف إلى أهل الفضل.

ويكشف الكتاب في هذا الجانب عن أهمية البيئة العلمية والاجتماعية التي وجدها المؤلف في الحرمين، وعن أثر اللقاءات الشخصية في فتح أبواب جديدة أمام طالب العلم. فقد كان الاتصال بالعلماء والدعاة، والاطلاع على مكتباتهم وتجاربهم، وسيلة لتوسيع المعرفة، والتعرف إلى مسارات فكرية ودعوية متعددة.

ويبرز في هذا السياق أثر الشيخ فتحي الخولي، الذي كانت تربطه بالأسرة صلة قديمة، وأسهم في رعاية المؤلف وتيسير بعض شؤون دراسته وانتقاله. وتكشف هذه العلاقة عن جانب مهم في تاريخ الحركة الإسلامية العربية؛ إذ إن الهجرة العلمية والسياسية لم تكن دائمًا انتقالًا فرديًا منفصلًا عن المجتمع، بل قامت في حالات كثيرة على شبكات من العلاقات الإنسانية والعلمية التي تجاوزت الحدود الوطنية.

كما يعرض الكتاب أثر الأسرة في تكوين المؤلف، ولا سيما ما يذكره عن والده ووالدته وجدته، وما حملته البيئة الأسرية من اهتمام بالقرآن والتاريخ والشخصيات الليبية والإسلامية. وبهذا المعنى لا تبدأ عملية التكوين العلمي من الجامعة وحدها، بل تتأسس في البيت، وتتعمق في المسجد، وتتسع بالقراءة والصحبة، ثم تنضج بالتجربة والممارسة.

وتظهر هنا دلالة تربوية مهمة: فالمؤسسات التعليمية ضرورية، لكنها لا تعمل في فراغ؛ إذ تستند فاعليتها إلى منظومة من القيم والعلاقات التي تشجع على التعلم، وتمنح المعرفة معناها الأخلاقي والاجتماعي.

ثالثًا: باكستان وأفغانستان؛ العلم في قلب التحولات السياسية

انتقل المؤلف إلى باكستان، حيث التحق بالجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد، والتقى الدكتور أحمد العسال، الذي يعرضه بوصفه عالمًا ومربيًا وداعية جمع بين المعرفة وحسن الخلق والاهتمام بشؤون الطلبة.

لكن الإقامة في باكستان لم تكن تجربة دراسية محضة؛ فقد تزامنت مع مرحلة من أكثر المراحل تأثيرًا في تاريخ المنطقة، حين كان الصراع محتدمًا في أفغانستان مع الاحتلال السوفييتي، وتدفقت المساعدات والمتطوعون، وبرزت شخصيات دعوية وسياسية كان لها أثر كبير في مسار الأحداث، ومن بينها الشيخ عبد الله عزام.

ويعرض المؤلف هذه المرحلة من موقع من عايش بيئتها، واطلع على جانب من تفاعلاتها، فأتاحت له التعرف إلى العلاقة المعقدة بين الدعوة الإسلامية والعمل العام، وبين المقاصد الشرعية والحسابات السياسية والدولية.

والأهمية التحليلية لهذه التجربة أنها تكشف عن انتقال المؤلف من دائرة التحصيل العلمي إلى مجال أوسع من الوعي بالواقع السياسي. فلم يعد السؤال متعلقًا بطلب المعرفة في ذاتها، بل بكيفية توظيفها في فهم الصراعات والتحولات التي تمس الأمة، وكيف يمكن للداعية والباحث أن يوازن بين الحماسة للقضايا العادلة، وفهم الواقع، وتقدير النتائج المترتبة على المواقف.

وهنا تتضح إحدى الأفكار المركزية في الكتاب: أن سلامة المقصد لا تغني عن صحة التقدير، وأن الحماسة للعمل لا ينبغي أن تنفصل عن العلم بالواقع والمآلات.

وهي فكرة تكتسب أهمية خاصة حين ننظر إلى الحركات الإسلامية التي وجدت نفسها في قلب صراعات دولية وإقليمية، واضطرت إلى التعامل مع تداخل الاعتبارات الشرعية والسياسية والإنسانية.

رابعًا: المدينة المنورة؛ من التحصيل الجامعي إلى الصحبة العلمية

احتلت المدينة المنورة موقعًا مركزيًا في المسيرة العلمية للمؤلف، فقد التحق بالجامعة الإسلامية، ودرس علوم القرآن والتفسير والحديث والعقيدة والفقه وأصوله واللغة والسيرة والتاريخ ومناهج البحث، إلى جانب حضوره حلقات العلم في المسجد النبوي.

ويكشف هذا التداخل بين الدراسة النظامية والمجالسة العلمية عن تصور متكامل للتعليم؛ فالمعرفة لا تُكتسب من المناهج والكتب وحدها، بل تتعزز بمشاهدة طرائق العلماء في الاستدلال، وملاحظة أخلاقهم، والوقوف على كيفية تعاملهم مع الأسئلة والاختلافات.

ويذكر المؤلف عددًا من العلماء الذين تأثر بهم أو انتفع بمجالسهم، ومنهم الشيخ عطية محمد سالم، والشيخ أبو بكر الجزائري، والشيخ عمر حسن فلاتة، والشيخ عبد المحسن العباد، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ محمد المختار الشنقيطي، والدكتور أكرم ضياء العمري، وغيرهم.

 

ولا تقتصر قيمة هذه الأسماء في الكتاب على مكانتها العلمية، بل تكمن في الدور الذي أدته في تكوين شخصية الباحث، وفي إظهار التنوع في طرائق التدريس والتأليف والبحث، وفي إبراز أثر القدوة العلمية في تربية طالب العلم.

ويؤكد المؤلف أن العالم الرباني لا تصنعه كثرة المعلومات وحدها، بل تتكامل في شخصيته الصلة بالله، والإخلاص، والتواضع، والرحمة بالناس، والعدل مع المخالف، والصبر على التعليم.

وهذا المعنى يفتح بابًا لنقد التصور الذي يختزل العلم في الشهادة أو التخصص أو كثرة المحفوظات؛ فالعلم، في هذه الرؤية، مسؤولية أخلاقية واجتماعية، وتظهر قيمته الحقيقية في أثره على صاحبه وعلى الناس الذين ينتفعون به.

خامسًا: أزمة الخليج؛ اختبار المعرفة أمام تعقيدات السياسة

يتناول الكتاب مرحلة غزو العراق للكويت عام 1990م، وما ترتب عليه من أزمة إقليمية وحرب الخليج، وما صاحبها من مواقف وبيانات متباينة صدرت عن العلماء والحركات الإسلامية والمؤسسات.

وتكشف هذه المرحلة عن انتقال مهم في اهتمام المؤلف من متابعة التجارب الدعوية والعلمية إلى محاولة فهم العلاقة بين الحكم الشرعي والتقدير السياسي، وبين نصرة المظلوم وحفظ سيادة الدول، وبين الشعارات المعلنة والنتائج العملية للمواقف.

ولا تكمن أهمية هذا المحور في تسجيل الأحداث فحسب، بل في ما يثيره من أسئلة حول صناعة القرار، ومسؤولية القيادة، ومخاطر الاستبداد بالرأي، وضرورة التمييز بين المبادئ الثابتة والاجتهادات التي تتأثر بتقدير الواقع.

ومن المنظور التحليلي، تبرز هنا قضية أساسية في الفكر السياسي الإسلامي: أن سلامة الأحكام المتعلقة بالشأن العام تتطلب فهمًا دقيقًا للوقائع، وإدراكًا للمصالح والمفاسد، وموازنة بين الواجبات، وعدم الاكتفاء بالاستدلال المجرد عن ظروف التطبيق.

كما أن اختلاف العلماء والحركات في المواقف السياسية لا يمكن تفسيره دائمًا باختلاف المقاصد أو المبادئ؛ فقد يرتبط أيضًا بتباين تقديرهم للوقائع، أو اختلاف معلوماتهم، أو تصورهم للنتائج المتوقعة.

وهذا لا يعني التسوية بين جميع المواقف، بل يقتضي إخضاعها للنقد والمراجعة على أساس الأدلة والنتائج، مع الفصل بين الثوابت الشرعية والاجتهادات البشرية التي تقبل الصواب والخطأ.

سادسًا: السودان؛ اتساع المشروع العلمي ومواجهة سؤال الدولة

انتقل المؤلف إلى السودان عام 1993م، حيث اتصل بعدد من الجامعات والمؤسسات العلمية، ودرس في جامعة أم درمان الإسلامية، واستفاد من البيئة العلمية التي ضمت علماء وباحثين وتيارات فكرية وسياسية متعددة.

وفي هذه المرحلة اتسع مشروعه البحثي، وانتقل من دائرة القراءة والخواطر المتفرقة إلى دائرة التأليف والبحث المنظم، وبدأ الاهتمام بالتاريخ الليبي وشمال إفريقيا، والدولة العبيدية الفاطمية، ودولة المرابطين، ودولة الموحدين، والحركة السنوسية.

كما ارتبط تكوينه العلمي في السودان بدراسات أكاديمية في موضوعات قرآنية وفكرية؛ منها رسالة الماجستير حول الوسطية في القرآن الكريم في العقيدة والأخلاق والتشريع، ومشروع الدكتوراه في فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم.

وتكشف هذه المرحلة عن التداخل بين البحث التاريخي والتأصيل القرآني؛ فالمؤلف لا يتعامل مع التاريخ باعتباره ماضيًا منقطعًا عن الحاضر، وإنما يبحث فيه عن السنن التي تساعد على فهم قيام الدول وسقوطها، ونجاح الحركات وإخفاقها، والقيم التي تدعم القدرة على الإصلاح والتمكين.

الحركة الإسلامية السودانية وتجربة الانتقال إلى الحكم

يخصص الكتاب مساحة لتجربة الحركة الإسلامية في السودان، وللشخصيات التي ارتبطت بها، وفي مقدمتها الدكتور حسن عبد الله الترابي، فضلًا عن مواقف نظام جعفر النميري وعلاقة الدولة بالحركة الإسلامية.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها من أنها تضع الفكر الإسلامي أمام اختبار التطبيق؛ فالحركة التي تعمل في المعارضة لا تواجه بالضرورة الأسئلة نفسها التي تواجهها حين تصبح جزءًا من السلطة أو تتولى مسؤولية الحكم.

في مرحلة المعارضة، يكون التركيز غالبًا على نقد السياسات القائمة، والدعوة إلى الإصلاح، وطرح البدائل. أما عند الوصول إلى الحكم، فتظهر أسئلة إدارة المؤسسات، وتنظيم المصالح، وتوزيع المسؤوليات، واحترام الحقوق، وتحقيق التوازن بين المبادئ والضرورات العملية.

ومن هنا يبرز الدرس الذي يقدمه المؤلف عن ضرورة المؤسسات والشورى والعدل والمراجعة، وعن أهمية التمييز بين ثوابت الدين واجتهادات البشر.

وهذه من أكثر القضايا اتصالًا بواقع الحركات الإسلامية المعاصرة؛ إذ لا يُقاس نجاح المشروع الفكري بقدرته على إنتاج خطاب نقدي فحسب، بل بقدرته على تقديم نموذج عملي في إدارة الدولة، وحماية الحقوق، وتحقيق المصلحة العامة، وتصحيح الأخطاء.

كما أن التجربة السودانية، بما شهدته من تداخل الدعوي والسياسي، تثير سؤالًا أعمق: هل تكفي سلامة الفكرة لإنتاج حكم رشيد، أم أن ذلك يحتاج إلى مؤسسات فعالة، وثقافة سياسية، وكفاءة إدارية، وقواعد للمساءلة، وآليات تمنع احتكار السلطة؟

سابعًا: اليمن؛ استعادة المدرسة العلمية وتجارب الإصلاح

تأتي اليمن محطة أخرى في الرحلة، لكنها تحمل خصوصية مختلفة؛ إذ ينتقل مركز الاهتمام فيها إلى التراث العلمي، وإلى العلماء الذين جمعوا بين التأليف والتدريس والإفتاء والإصلاح.

ويعرض الكتاب تجربة المؤلف في صنعاء، واتصاله بعلماء ودعاة، واطلاعه على مدارس علمية وتاريخية متعددة، ومن أبرز الشخصيات التي يتناولها القاضي محمد بن إسماعيل العمراني، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، ومحمد بن علي الشوكاني، والإمام ابن الوزير، وعبد الكريم زيدان، وناصر الدين الألباني، وعبد المجيد الزنداني، وغيرهم.

ولا تقتصر هذه التراجم على سرد المولد والنشأة والوفاة، بل تتناول في جوانب منها التكوين العلمي، والشيوخ، والمؤلفات، والمواقف الفكرية، ومناهج البحث، والأثر في المجتمع.

ومن خلال هذه الشخصيات، يبرز الكتاب جملة من القضايا التي تتصل بالتجديد العلمي، والاجتهاد، وإحياء السنة، والعلاقة بين الفقه والواقع، وطرق بناء المؤسسات التعليمية والدعوية.

وتظهر في هذا المحور أهمية تنوع المدارس العلمية داخل العالم الإسلامي، وما يمكن أن يحققه التعرف إلى تجاربها من توسيع أفق الباحث، وتحريره من الاقتصار على بيئة علمية واحدة.

كما يتيح عرض تجارب الإصلاح في اليمن قراءة العلاقة بين العالم والمجتمع؛ فالعالم لا يؤثر من خلال مؤلفاته فقط، بل عبر حلقات التعليم، والإفتاء، والتربية، وتكوين التلاميذ، والمشاركة في الشأن العام.

وهذه النظرة تجعل تاريخ العلماء جزءًا من تاريخ المجتمع ومؤسساته، لا مجرد تراجم منفصلة عن سياقها الحضاري.

ثامنًا: العلماء والكتب؛ كيف تتشكل الشخصية العلمية؟

من العناوين الدالة على طبيعة الكتاب اقتران الهجرة بالعلماء والكتب والكتابة وقضايا الأمة. فهذه العناصر ليست موضوعات متجاورة فحسب، بل تمثل مسارات متكاملة في بناء شخصية الباحث.

العلماء يمثلون الخبرة الحية التي تنقل العلم من النص إلى الممارسة، والكتب توفر المجال الأوسع للقراءة والمقارنة والتراكم المعرفي، أما الكتابة فهي الوسيلة التي يتحول بها التحصيل إلى إنتاج علمي منظم. وتأتي قضايا الأمة لتمنح المعرفة سؤالها العملي، وتختبر قدرتها على تفسير الواقع والمساهمة في معالجته.

ومن خلال هذا التداخل، يمكن استخلاص تصور للتكوين العلمي يقوم على أربعة أركان:

– التحصيل المنظم: عبر الدراسة الجامعية والتخصص ومناهج البحث.

– الصحبة العلمية: من خلال مجالسة العلماء والتعرف إلى طرائقهم في التعليم والاستدلال.

– القراءة المستمرة: التي توسع أفق الباحث وتربطه بتجارب ومدارس فكرية متنوعة.

– الممارسة والكتابة: اللتان تحولان المعرفة إلى بحث وتحليل وإنتاج فكري.

وهذه العناصر تتكامل ولا يغني أحدها عن الآخر؛ فقد يمتلك الإنسان حصيلة كبيرة من المعلومات، لكنه لا يحسن توظيفها في البحث. وقد يتوسع في القراءة، لكنه يظل عاجزًا عن بناء مشروع علمي متماسك ما لم يكتسب أدوات التحليل والنقد والتوثيق.

وتتضح في الكتاب أيضًا أهمية الاستمرار والمثابرة؛ فالمشروع العلمي لا ينشأ في لحظة واحدة، وإنما يتكون عبر سنوات من التعلم والتجربة والمراجعة، ومن تراكم الأسئلة والقراءات والكتابات.

تاسعًا: التاريخ وقضايا الأمة؛ من الذاكرة إلى التفسير

يمثل التاريخ أحد المحاور الرئيسة في مشروع المؤلف، ولا سيما تاريخ ليبيا وشمال إفريقيا والحركات والدول الإسلامية. ويظهر من المقدمة أن العودة إلى التاريخ لم تكن في نظره هروبًا من الحاضر، بل محاولة لفهم السنن التي تحكم قيام الدول وسقوطها، ونجاح الحركات وإخفاقها.

وهذا التوجه يطرح سؤالًا منهجيًا مهمًا: ما الذي يجعل التاريخ معرفة نافعة؟

إن التاريخ لا يؤدي وظيفته الحضارية بمجرد تسجيل الوقائع أو استحضار أمجاد الماضي، بل حين يساعد على تفسير التحولات، وفهم أسباب النجاح والإخفاق، والتمييز بين العوامل الثابتة والمتغيرة، واستخلاص الدروس التي يمكن اختبارها في الواقع.

ومن هنا فإن الكتابة التاريخية تحتاج إلى الجمع بين الوفاء للماضي والنقد العلمي، وبين الاعتزاز بالهوية والتحقق من الروايات، وبين استلهام التجارب السابقة وإدراك اختلاف الظروف.

ويصرح المؤلف في مقدمته بأنه حرص على التمييز، قدر استطاعته، بين الشهادة الشخصية والنقل التاريخي، وبين التقدير البشري والحقيقة القطعية، كما يقر بأن ما يكتبه عن العلماء والدعاة والحركات والدول اجتهاد قابل للتصحيح والاستدراك.

وهذا الإقرار يمثل نقطة مهمة في تقويم الكتاب؛ لأنه يضع التجربة الذاتية ضمن حدودها المعرفية، ويتيح للقارئ أن يميز بين ما عاينه المؤلف مباشرة، وما نقله عن غيره، وما استخلصه من الوقائع بوصفه حكمًا أو تقديرًا.

ومع ذلك، فإن القراءة الأكاديمية التفصيلية تقتضي فحص الروايات التاريخية ومصادرها، ومقارنة الأحكام بالتوثيق المتاح، وعدم الاكتفاء بمكانة صاحب التجربة أو قربه من بعض الأحداث. فالمذكرات مصدر مهم للتاريخ، لكنها تظل بحاجة إلى المقارنة والتحقيق، ولا سيما حين تتناول قضايا خلافية أو شخصيات عامة.

عاشرًا: البعد الإنساني والأسري في تجربة الهجرة

على الرغم من حضور قضايا العلم والسياسة والتاريخ في الكتاب، فإن البعد الإنساني لا يغيب عن صفحاته. فالهجرة ليست رحلة فكرية مجردة؛ إنها أيضًا فراق للأهل والوطن، وبناء حياة جديدة، وتكوين أسرة، ومواجهة أعباء الاستقرار والتنقل.

ويستعيد المؤلف بعض ذكرياته الأسرية، وولادة ابنتيه خلال مرحلة السودان، وما ارتبط بالإقامة في البلدان المختلفة من علاقات اجتماعية وصلات بالجالية الليبية، فضلًا عن وفائه لمن أسهموا في تيسير رحلته أو تركوا أثرًا في تكوينه.

وتمنح هذه التفاصيل الكتاب بعدًا يتجاوز السيرة العلمية الرسمية؛ فهي تكشف أن المشاريع الفكرية لا تتشكل بمعزل عن الحياة اليومية، وأن مسيرة الباحث تتداخل فيها المسؤوليات الأسرية مع التزامات العلم والعمل والدعوة.

كما أن استحضار المعلمين والأصدقاء وأهل الفضل يبرز قيمة الوفاء في الذاكرة العلمية. فالمعرفة ليست حصيلة جهد فردي محض، وإنما تقوم في جانب منها على شبكات من الرعاية والتعليم والمساندة والتعاون.

وهذه من الرسائل الإنسانية المهمة في الكتاب: أن الاعتراف بفضل الآخرين ليس مجرد أدب شخصي، بل جزء من الأمانة في كتابة السيرة وتوثيق تاريخ الأفكار والمؤسسات.

الحادي عشر: المنهج الذي يمكن استخلاصه من الكتاب

من خلال تتبع المحاور السابقة، يمكن استخلاص عدد من الملامح المنهجية التي تنتظم تجربة المؤلف.

أولها الربط بين التجربة الفردية والسياق العام؛ فالهجرة الشخصية تتحول إلى نافذة لفهم أوضاع ليبيا، وتجارب الحركات الإسلامية، والتحولات التي شهدتها البلدان التي أقام فيها المؤلف.

وثانيها الجمع بين التكوين الشرعي والاهتمام التاريخي والسياسي؛ إذ لا يفصل الكتاب بين دراسة النصوص الدينية وفهم المجتمعات والدول والحركات التي تعمل في إطارها.

وثالثها الاستفادة من اللقاء المباشر بالعلماء والمؤسسات؛ فالخبرة لا تُكتسب من الكتب وحدها، بل من معايشة طرائق التعليم والإدارة والدعوة، وملاحظة أثر الأفكار في الممارسة.

ورابعها الاهتمام بالتجربة التطبيقية للأفكار؛ فالانتقال من المعارضة إلى الحكم، ومن النظرية إلى الممارسة، يكشف جوانب لا تظهر بالضرورة في مرحلة التنظير.

وخامسها الاعتراف بقابلية الاجتهاد للمراجعة؛ إذ لا يعرض المؤلف تقديراته باعتبارها حقائق معصومة، بل يقر بإمكان الخطأ والتصحيح، وهو مبدأ مهم في البحث التاريخي والفكري.

لكن هذه الملامح ينبغي أن تُفهم بوصفها استنتاجًا من طبيعة الكتاب وتجربة مؤلفه، لا باعتبارها منهجًا بحثيًا مكتمل الأركان في جميع فصوله. فالحكم التفصيلي على درجة التوثيق والتحليل يتطلب فحص كل محور ومصادره، والتمييز بين السرد الذاتي والتوثيق التاريخي والاستنتاج السياسي.

الثاني عشر: تقويم علمي للكتاب؛ القيمة والحدود

تنبع القيمة الأساسية للكتاب من جمعه مادة واسعة عن تجربة علمية ودعوية وسياسية عابرة للبلدان، ومن إتاحته للقارئ فرصة الاطلاع على جوانب من الحياة العلمية والمؤسسات التعليمية والحركات الإسلامية في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.

كما أن تنوع الشخصيات التي يتناولها، وتعدد البيئات التي يصفها، يجعلان منه مادة نافعة للباحثين في تاريخ الدعوة الإسلامية، والسير العلمية، وتطور الحركات الإسلامية، والعلاقة بين العلم والسياسة.

وتظهر قيمته أيضًا في تسجيل بعض التفاصيل الشخصية التي قد لا تحضر في الدراسات التاريخية العامة، وفي توثيق جوانب من العلاقات بين العلماء والمؤسسات، وفي إظهار أثر الهجرة في توسيع التجربة العلمية والفكرية.

غير أن طبيعة الكتاب تجمع بين أجناس مختلفة من الكتابة؛ فهو سيرة ذاتية، ومذكرات، وتراجم، وتأملات فكرية، وعرض لتجارب سياسية وتاريخية. وهذا التنوع يمنحه ثراءً، لكنه يفرض على القارئ أن يميز بين مستويات الخطاب.

فالشهادة الشخصية ليست هي نفسها الرواية التاريخية الموثقة، والانطباع عن شخصية ليس بديلًا عن تقويم أعمالها، كما أن تحليل تجربة سياسية يحتاج إلى أكثر من استعادة المواقف والذكريات.

ولذلك فإن الاستخدام الأكاديمي للكتاب يستحسن أن يراعي ثلاثة ضوابط:

  1. الاستفادة منه بوصفه مصدرًا أوليًا لفهم تجربة المؤلف وما عايشه أو شاهده، مع التحقق من الوقائع القابلة للمقارنة.
  2. مراجعة المصادر الأصلية عند تناول الشخصيات والحركات والأحداث التاريخية، وعدم الاكتفاء بالمذكرات وحدها.
  3. الفصل بين تقدير المؤلف للشخصيات والتجارب، وبين الوقائع التي يسوقها عنها، مع فحص ما يقدمه من استنتاجات سياسية وفكرية.

وبهذه الضوابط يمكن الإفادة من الكتاب على نحو يجمع بين تقدير قيمته التوثيقية والإنسانية، والاحتفاظ بالمسافة النقدية التي تقتضيها الكتابة العلمية.

خاتمة:

الهجرة بوصفها مدرسة في العلم والإنسان والتاريخ

إن «هجرتي إلى بلاد المسلمين» ليس مجرد تسجيل لرحلة بدأت من بنغازي وانتهت إلى محطات متعددة من العالم الإسلامي، بل هو عرض لمسار تشكلت فيه شخصية علمية عبر المحنة، والقراءة، والصحبة، والتعليم، والتجربة السياسية، والاشتغال بالتاريخ.

فالهجرة التي بدأت اضطرارًا تحولت إلى فرصة للتعلم والتكوين، واللقاءات بالعلماء أصبحت جزءًا من بناء الوعي، والكتب فتحت آفاقًا لفهم المدارس الفكرية، بينما كشفت التجارب السياسية عن الفارق بين سلامة المقصد وصعوبة التطبيق، وبين امتلاك الفكرة والقدرة على تحويلها إلى مؤسسات وممارسات.

ومن أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن بناء المشروع العلمي يحتاج إلى صبر طويل، وأن المعرفة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن فهم قضايا الأمة يقتضي الجمع بين النص والواقع، وأن التجربة لا تُغني عن المراجعة، كما أن الإخلاص لا يعفي الباحث من واجب التثبت والتحليل.

ويقدم الكتاب كذلك مادة مهمة للتأمل في العلاقة بين العلماء والمجتمع، وبين الحركات الإسلامية والدولة، وبين التاريخ والنهضة. فالأفكار لا تُختبر في الكتب وحدها، وإنما تظهر نتائجها حين تدخل مجال الحياة، وتواجه تعقيداتها، وتتحمل مسؤولية القرار والعمل.

والخلاصة أن قيمة هذه التجربة لا تكمن في مسار الهجرة وحده، بل في ما تكشفه من تداخل العلم والعمل، والذاكرة والتاريخ، والتربية والفكر، والمبدأ والواقع. وهي تذكير بأن بناء الإنسان العالم لا يتحقق بالتحصيل المعرفي وحده، بل يحتاج إلى تجربة واعية، وقراءة نقدية، وصحبة صالحة، واستعداد دائم للمراجعة والتعلم.

فالهجرة في أعمق دلالاتها ليست انتقالًا من مكان إلى مكان فحسب، بل انتقال من حال إلى حال، ومن تجربة محدودة إلى أفق أوسع من المعرفة والمسؤولية؛ وحين تتحول المحنة إلى علم، والذاكرة إلى كتابة، والتجربة إلى درس، يصبح تاريخ الفرد جزءًا من ذاكرة المجتمع، وتصبح السيرة مدخلًا لفهم مرحلة من مراحل الأمة.

 

 

ف
فرج كندي