ثقافي · فكري

الصومال الذي لا يعرفه ترامب… حضارة عريقة وشعب قاوم الاستعمار ويسعى إلى النهوض

26 أكتوبر، 2026
الصومال الذي لا يعرفه ترامب… حضارة عريقة وشعب قاوم الاستعمار ويسعى إلى النهوض

بقلم: عبد الله محمد فارح

كاتب وأكاديمي صومالي

إن الشعوب التي صنعت تاريخها، وحافظت على هويتها، وقاومت الاحتلال، لا تفقد مكانتها بين الأمم حين تتعرض للحروب والفقر واضطراب الحكم. ومن هذا المنطلق، فإن التصريحات المهينة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحق الصومال وشعبه تكشف عن جهل مؤسف بتاريخ أمة عريقة، وعن استخفاف بمعاناة شعب دفع أثماناً باهظة للاستعمار والاستبداد والصراعات المسلحة. وقد تحدثالرئيس ترامب عن الصوماليين بأحكام ارتجالية عامة لا تليق بمسؤولية رئيس دولة عظمى، وتجاهل أن وراء الأزمات التي يعيشها الصومال تاريخاً طويلاً من التدخلات الأجنبية، وأن أبناء هذا البلد كانوا على مدى قرون شركاء في بناء الحضارة الإسلامية والتجارة الدولية. ومن حقنا، نحن الصوماليين، أن نرفض هذه الإساءات، وأن نعرّف العالم بتاريخ بلادنا، وأن نؤكد أن كرامة الشعوب لا تخضع لأحكام السياسيين ولا لموازين الثروة والقوة.

أولاً: الصومال وحضوره في التاريخ الإسلامي والإنساني

عرف الصومال منذ العصور القديمة بموقعه الجغرافي الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وكانت سواحله ممراً للتجارة بين الجزيرة العربية والهند وشرق أفريقيا. وازدهرت مدن مقديشو وزيلع وبربرة ومركا وبراوة، وأصبحت مراكز للتبادل التجاري والثقافي، وظهرت في المنطقة سلطَنات إسلامية أسهمت في تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية، ومن أبرزها سلطنتا عدل وأجوران. وقد احتفظت هذه المدن بعلاقات واسعة مع المراكز الحضارية المحيطة، وأسهمت في انتقال السلع والمعارف والتقاليد الإسلامية بين الشعوب (الجزيرة نت، 2007أ).

وكان للإسلام أثر عميق في تشكيل الهوية الصومالية، فقد انتشرت المساجد والمدارس وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وامتدت الصلات العلمية إلى الحجاز واليمن ومصر. وعُرفت مدينة زيلع التاريخية بانتساب عدد من العلماء إليها، ومنهم جمال الدين الزيلعي صاحب «نصب الراية لأحاديث الهداية»، وعثمان بن علي الزيلعي صاحب «تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق». كما حفظ الصوماليون تاريخهم من خلال الشعر والرواية الشفوية، وكانت القصائد سجلاً للأحداث ومواقف المجتمع من الحرب والسلم والعدل والظلم. وقد تناولت الدراسات التاريخية هذه الروابط الحضارية والاجتماعية التي تشكلت عبر قرون طويلة (Cassanelli, 1982).

وإن هذا الإرث العلمي والثقافي يوضح أن الصومال كان حاضراً في تاريخ المنطقة قبل ظهور الدولة الحديثة، وأن المجتمع الصومالي امتلك مؤسساته وأعرافه ووسائله في حفظ المعرفة وتنظيم الحياة.

ثانياً: الاستعمار وتقسيم الصومال ومقاومة الاحتلال

تعرضت الأراضي الصومالية في أواخر القرن التاسع عشر للتوسع الاستعماري البريطاني والإيطالي والفرنسي، بالتزامن مع امتداد السيطرة الإثيوبية إلى مناطق يسكنها الصوماليون. وقد مزق هذا التقسيم الروابط الاجتماعية والاقتصادية، وفرض حدوداً سياسية فصلت بين أبناء المجتمع الواحد، وخلّف نزاعات استمرت آثارها بعد الاستقلال. وكانت المصالح الاستراتيجية للقوى الاستعمارية، ولا سيما السيطرة على الموانئ وطرق التجارة البحرية، عاملاً رئيسياً في التنافس على المنطقة (الجزيرة نت، 2007ب).

وقد قاوم الصوماليون الاحتلال مقاومة طويلة، وكانت حركة الدراويش بقيادة السيد محمد عبد الله حسن من أبرز حركات التحرر في القرن الأفريقي. فقد خاضت مواجهات متواصلة مع القوات البريطانية والقوى المتحالفة معها منذ سنة 1899م، واستطاعت الصمود نحو عشرين عاماً، حتى تعرضت معاقلها لحملة عسكرية بريطانية استخدمت فيها الطائرات سنة 1920م. وبقي محمد عبد الله حسن رمزاً وطنياً للمقاومة، ودليلاً على تمسك الصوماليين بحريتهم واستقلالهم (نايل، 2017).

وفي سنة 1960م نال شمال الصومال استقلاله عن بريطانيا في السادس والعشرين من يونيو، ثم استقل الجنوب في الأول من يوليو، واتحد الإقليمان في الجمهورية الصومالية. غير أن الدولة الجديدة ورثت مشكلات إدارية وحدودية معقدة، ثم شهدت انقلاباً عسكرياً سنة 1969م، أعقبته سنوات من الحكم الاستبدادي والصراعات الداخلية والإقليمية، حتى انهارت السلطة المركزية سنة 1991م. وقد أسهمت آثار الاستعمار وأخطاء الحكم الوطني والتنافس على السلطة في تعميق الأزمة التي عانى منها الشعب الصومالي (مركز الجزيرة للدراسات، 2017).

ثالثاً: التدخل الأمريكي وكفاح الصوماليين لاستعادة دولتهم

يا فخامة الرئيس ترامب، إن الحديث عن الصومال يستدعي التذكير بالتدخل العسكري الأمريكي الذي بدأ في ديسمبر سنة 1992م، عندما دخلت القوات الأمريكية البلاد ضمن عملية «إعادة الأمل»، في ظل المجاعة والحرب الأهلية وانهيار مؤسسات الدولة. وقد جاء التدخل بتفويض دولي لتأمين وصول المساعدات الإنسانية، ثم تطورت العمليات إلى مواجهات مسلحة، بلغت ذروتها في معركة مقديشو في أكتوبر سنة 1993م، التي سقط فيها ضحايا أمريكيون وصوماليون، وأثارت جدلاً واسعاً بشأن جدوى التدخل العسكري وحدوده (U.S. Department of State, Office of the Historian, n.d.).

لقد أثبتت تلك التجربة أن معالجة أزمات الشعوب تحتاج إلى فهم ظروفها السياسية والاجتماعية، وإلى دعم المصالحة الوطنية وبناء المؤسسات، وأن استخدام القوة العسكرية لا يكفي لتحقيق الاستقرار. وقد تحمل الصوماليون نتائج الحرب والنزوح وتفكك الدولة، واضطر كثير منهم إلى الهجرة، فأسهموا في المجتمعات التي استقبلتهم، وحافظوا على ارتباطهم بوطنهم من خلال العمل والاستثمار وإعالة الأسر.

وما يزال الصومال يواجه تحديات أمنية واقتصادية كبيرة، لكنه يمتلك موقعاً استراتيجياً وثروات بحرية وحيوانية وطاقات بشرية قادرة على المشاركة في إعادة البناء. ويحتاج أبناؤه إلى ترسيخ المصالحة الوطنية، وتطوير التعليم، وإقامة مؤسسات عادلة، واستعادة الثقة بين المجتمع والدولة. وقد أظهرت التجربة الصومالية أن استمرار الانقسام يضعف فرص النهوض، وأن بناء الدولة يتطلب توافقاً سياسياً واجتماعياً يتجاوز المصالح الضيقة (مركز الجزيرة للدراسات، 2017).

خلاصة القول …

إن الصومال الذي عرف التجارة والعلم، وقاوم الاستعمار، وتحمل آثار الحروب والتدخلات الأجنبية، يستحق أن يُنظر إليه بإنصاف واحترام. ومن حق الشعب الأمريكي أن يحمي أمنه ويطبق قوانينه، ومن حق الصوماليين كذلك أن تُصان كرامتهم، وألا يتحول خطأ فرد إلى اتهام لأمة كاملة. وإننا ندعو الرئيس ترامب إلى قراءة تاريخ الصومال، والنظر إلى أبنائه باعتبارهم بشراً لهم حقوق وتطلعات، وإلى دعم الجهود التي تساعد بلادهم على استعادة الأمن والاستقرار. وقد قرر القرآن الكريم أساس العلاقة بين الشعوب بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]. وإننا على يقين بأن الصومال قادر على تجاوز محنته، وأن أبناءه يستطيعون استعادة مكانته، متى توحدت جهودهم وتوافرت لهم أسباب الأمن والعلم والعمل. وسيبقى تاريخ هذا الشعب شاهداً على قدرته على الصمود، وعلى أن كرامة الأمم لا تسقط حين تشتد عليها المحن.

المراجع:

Cassanelli, L. V. (1982). The shaping of Somali society: Reconstructing the history of a pastoral people, 1600–1900. University of Pennsylvania Press.

U.S. Department of State, Office of the Historian. (n.d.). Somalia, 1992–1993. In Milestones in the history of U.S. foreign relations.

الجزيرة نت. (2007أ، 8 أبريل) .جمهورية الصومال... أرض اللبان والبخور التي أنهكتها الحروب. موسوعة الجزيرة.

الجزيرة نت. (2007ب، 10 أبريل) .موجز تاريخ الاستعمار في الصومال.

مركز الجزيرة للدراسات .(2017). قراءة في استعصاء مشروع الدولة في الصومال.

نايل، سليمان. (2017). المقاومة الشعبية ضد الاحتلال البريطاني 1899م–1921م: ثورة محمد عبد الله حسن أنموذجاً. المجلة الجزائرية للدراسات التاريخية والقانونية، 2(2)، 25–