اجتماعي

فساد الطبقية في المجتمع..

أ.مصباح بوكرش الورفلي 11 أكتوبر، 2026
فساد الطبقية في المجتمع..

أ. مصباح الورفلي

حين يصبح الفساد امتيازا ويصبح الحق مطلبا
ليس خطر الفساد المالي والإداري في الأموال التي تُنهب من خزينة الدولة فحسب، بل في الطبقية التي يصنعها، وفي الفوارق الاجتماعية التي يرسخها، حتى يصبح المجتمع درجات متفاوتة من الحقوق والامتيازات، لا درجات متفاوتة من الكفاءة والعطاء.
في ليبيا، تبدو هذه الطبقية أكثر وضوحا حين نتأمل أحوال بعض المتنفذين من العسكريين والوزراء والنواب، ممن تحيط بثرواتهم وأساليب اكتسابها شبهات الفساد والإثراء غير المشروع، ثم تتحول الأموال الضخمة إلى مشاريع عقارية ومنتجعات ومولات تجارية، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين من يملكون النفوذ والثروة، وبين من لا يملكون إلا مرتباتهم المحدودة، وتزداد خطورة الأمر حين تحتمي المصالح غير المشروعة بالسلاح والنفوذ، وتصبح المساءلة بعيدة المنال.
وتأتي بعد ذلك طبقة من كبار المسؤولين والعاملين في بعض الأجهزة الرقابية والمحاسبية والقضائية، ممن يتمتعون بمرتبات ومزايا وظيفية تجعلهم في وضع معيشي أفضل من قطاعات واسعة من الموظفين، ثم العاملون في قطاع النفط والطاقة، بما يحصلون عليه من مرتبات وامتيازات وتأمين صحي، في مقابل قطاعات أخرى لا تزال تعاني ضعف الأجور وغياب كثير من مقومات الحياة الكريمة.
لسنا هنا بصدد الاعتراض على تحسين أوضاع العاملين في القطاعات الحيوية، ولا على منح أصحاب المسؤوليات والكفاءات ما يستحقونه من مزايا، وإنما الاعتراض على أن تتحول الوظيفة العامة إلى سلم للامتيازات غير المتوازنة، وأن يصبح الانتماء إلى قطاع معين طريقًا إلى الرفاه، بينما يظل الانتماء إلى قطاعات التعليم والخدمات والأعمال المرهقة طريقًا إلى المعاناة والانتظار.
وفي هذا السياق، يأتي اعتصام المعلمين ومطالبتهم بحقوقهم بوصفه تعبيرا عن أزمة أعمق من مجرد خلاف عن المرتبات. فالمعلم الذي يُطلب منه أن يصنع مستقبل الأجيال، ويغرس في أبنائنا قيم العدالة والمواطنة واحترام القانون، لا يجوز أن يُترك أسيرا لمرتب لا يفي بمتطلبات الحياة، ثم يُطالب بالصبر والاحتساب والتضحية من أجل مستقبل الأبناء؛ وكأن الصبر واجب على الفقراء وحدهم، وكأن التضحية لا تُطلب إلا ممن لا يملكون سلطة ولا نفوذا.
أما إصدار المرتب الموحد الجديد، على أهميته، فلا يعني بالضرورة أن مشكلة العدالة في الأجور قد حُلّت، ولا أن جميع الفوارق غير المبررة قد زالت. فالعبرة ليست بمجرد توحيد المرتبات في النصوص، وإنما بمدى تحقيق الإنصاف في التطبيق، ومراجعة الامتيازات والمخصصات، وضمان التناسب العادل بين الأجور وتكاليف المعيشة، وبين المسؤولية المهنية والحقوق المترتبة عليها.
إن مطالبة المعلمين بتحسين أوضاعهم ليست خروجا عن الواجب، ولا تنكّرا لظروف البلاد، بل هي مطالبة بحق مشروع ينبغي أن يُناقش بجدية ومسؤولية، وإذا كانت الحكومة تطالبهم بمراعاة مستقبل أبنائنا، فإن أول ما يحفظ هذا المستقبل هو أن يجد المعلم نفسه قادرا على العيش بكرامة، وأن يرى في المجتمع عدالة لا ازدواجية، وقانونا لا يُطبّق على الضعفاء وحدهم.
إن أخطر ما تفعله الطبقية هو أنها تجعل الفساد طريقًا إلى الثراء، والعمل الشريف طريقا إلى العوز، والنفوذ وسيلةً للحصول على الامتيازات، والمطالبة بالحقوق عبئًا ينبغي احتماله.
ولن يتحقق الاستقرار الاجتماعي بمجرد الدعوة إلى الصبر، ولا بإصدار جداول جديدة للمرتبات، ما لم تُواجه مظاهر الفساد المالي والإداري، وتُسترد الأموال المنهوبة وفق القانون، وتُراجع الامتيازات غير المبررة، وتُضمن العدالة في توزيع موارد الدولة.
فالحقوق لا ينبغي أن تُقاس بمدى قرب أصحابها من السلطة، ولا بقدرتهم على فرض مطالبهم بالقوة، بل بمبدأ المواطنة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون، وليس من العدل أن يُطلب من المعلم أن يصبر على ضيق العيش، بينما ينعم غيره بامتيازات لا تتناسب مع ما يقدمه من خدمة.
إن العدالة الاجتماعية ليست منّة من الحكومة، بل أساس من أسس شرعيتها، وحق للمواطن لا يجوز أن يتحول إلى منحة مؤجلة أو وعد يتكرر كلما طالب به أصحابه.

أ
أ.مصباح بوكرش الورفلي