تربوي

من أمراض الحركة الإسلامية

د. شيروان الشميراني 21 أكتوبر، 2026
من أمراض الحركة الإسلامية

د.شيروان الشميراني

لم تكن تخطر ببالي ولا كانت ضمن مخطط كتاباتي كتابة هذا المقال.

كنت أعيشها وأراها وأتلمسها في أكثر من مكان وأكثر من بلد في أسفاري، لكن ليس لحدّ الكتابة، وإنما الإكتفاء بالتأمل والدردشة، والدافع المباشر لتسجيل تلك التأملات والدردشات هو القرآن الكريم.

فمن عادتي وأنا أقرأ القرآن محاولةُ إسقاط آياته المباركات على الواقع المعيش، ليس على التاريخ ولا على ما مضى، وإنما على الحاضر وعلى ما أرى، لا اهتم كثيراً بأحداث انتهت ولم تعد تؤثر في الحياة إلا من أجل المراجعة في حال بقاء تأثيرها، وإنما فهم الحاضر وصياغته من أجل المستقبل، فالآيات الواردة في الأسطر التالية هي الفاعل والموحي للكلمات التي تلييها وتلك التي تحيط بها.

هي تشخيص لأمراض تصيب العاملين في الحقل الإسلامي، ومن طبيعة الجسد انه لا يبقى على حالة واحدة، يتقلب بين المرض والتعافي، ومن مرض الى أخرى، أو العناد وسوء التقدير وضعف الإرادة يدفعه إلى التعايش معها، ما يجعل المرض تتفشى وتتوالد وتأخذ أشكالاً متنوعة داخل الجسد المرهَق.

أولاً: – غرور المستغني.

 يقول رب العالمين: {وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضْ، وَلَكِنْ يُنَزّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاء، إِنَّهُ بِعَبادِه خَبيِرٌ بَصِيِرْ} [الشورى: 27].

 في هذه الآية تفصيل دقيق من حيث المعاني حسب المنهج القرآني البليغ المجمل، عرض للقاعدة النفسية الاجتماعية التي يأتي تقريرها في آية أخرى:{كلاّ إنّ الإنسانَ لَيَطْغى، أنْ رّآه استَغنى} [العلق: 6-7]. وهذا الإستغناء يكون في جميع المجالات لكن أكثر ما يكون واضحاً ومجسداً هو في المجال المالي وامتلاك الثروات، حينما يطغى صاحب المال الكثير المدخّر أو الوارد المستمرّ على الآخرين، وإشعارهم بخدّ مُصَعَّر بانعدام الحاجة اليهم،ليس مادياً وإنما في عموم الحياة كما جاءت في آية سورة العلق، ولو أخذنا الرزق بمعناه الواسع، وهو الأصح، فقد يكون ذلك في المجال السياسيوالعمل الجمعوي عندما يغترّ المسؤول أو الشخص المنتمي للحركة ويتكون لديه شيء من الكبرياء والتبختر لما يتشكل له من قاعدة جماهيرية لمميزات ذاتية فيه، أو سمعة دعوية تبليغية حازها، أو من قيادة حَكَم له التاريخ بها،فتصيبه حالة التضخم الذاتي الداخلي، والتعالي على الأقران والقرارات والتوجيهات والتعامل الفوقي مع من هم دونه، وعدم الإستسلام للقيادة،والإستسلام ليس المقصود به السكوت والتنازل عن حرية الرأي، وإنماالتمرّد والإكتفاء الذاتي النابعين من البغي، أي تجاوز الحدّ على ما هو ليس له. فيظهر لديه عدم الإكتراث أو قلة الاهتمام للدائرة العامة واستشاراتهم، وقد يحاول السيطرة على الجوّ العام وهو في حالة من النشوة والتكابر، وإظهار الاستغناء وإنتفاء الحاجة.

فلا يرى نفسه أنه بهم قائم، وإنما يراهم إنهم عليه يستندون.

 ولو تفكرنا في آية سورة الشورى، لنرى أن الله نزّل الرزق “بمعناه الواسع“بقدَر، بحيث لا يسبب بالبغي للإنسان السويّ، بمعنى أن البغاة المغترّين بما لديهم من مال وحضور طغوا بأقل مما ينبغي أن يسبب لهم الطغيان، إذاً،إنهم ليسوا أسوياء. لأنهم انتفخوا للشيء البسيط جداً في ميزان وتقدير الله للطبيعة البشرية عند خلقها. فهم بغاة مستغنون ومرضى نفسيون في وقت واحد.

ثانياً: تقديم صاحب الضجيج أو العابس.

في سورة “عبس” يوجه الله الرؤوف اللطيف لوماً شديداً لرسوله – صلى الله عليه وسلم – لأنه عبس بوجهه وتولى لمّا جاءه الأعمى “عبدالله بن أممكتوم“، {عَبَسَ وتَوَلّى، أنْ جاءَهُ الأَعْمى، وَما يُدريِكَ لَعَلَّهُ يَزّكّى، أَو يَذّكّرُ فَتَنْفَعُهُ الذّكْرى، أَمّا مَنِ اسْتَغْنى، فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى، وَما عَلَيْكَ أَلّا يَزكّى، وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى، وَهُو يَخْشى، فَأَنْتَ عَنْهُتَلَهّى} [عبس: 1–10]. هذه الآيات تتعامل مع النفس البشرية، وليس ذلكغريباً فالله الخالق لتلك النفوس بصفات هو غرسها فيها، ويوجهها إلى ما يزكيها ويهذبها، فكل التوجيهات تستند إلى العلم الإلهي بالطبيعة البشرية.ومجموع الآيات العشر في بداية السورة تُبرز هذا الجانب الخفيّ الذي لا يرى أنّ صاحبها غادَرَ نطاق مرضاة الله، لكن لله سبحانه قول مختلف، وهو تولّي الظهر ـ التجاهل– وإهمال المقبل على دين الله ودعوة النبوة اقبالاً ذاتياًوهو صادق في التزكي والعمل والإقبال على الله، والإهتمام بمن يظهرالاستغناء أو نوعاً منه، هذا الموقف تجاه مدعوَّين مختلفَين ولو أنه ليس لدواع بشرية دنيوية، وإنما من تأويل في إطار مصلحة الدعوة والتبليغ الديني، لكنه مرفوض غير مستساغ في ميزان الله، فتقدير الله سبحانه للأمور والأشخاص ليس بهذا الشكل ولا يقوم على مثل هذه الأمور، وبالتالي هو منهج أو أصل في إدارة الدعوة مرفوض.

 هذا التبيين من الله هو من القواعد والأسس القرآنية الهادفة، تجلي قاعدة معهودة داخل تنظيمات الحركة الإسلامية ولو عهداً نسبياً، وهي: “ طحن العامل الجادّ الهاديء والإقبال على ضجيج المعترض المستغني والإهتمام بهلأسترضائه“، وعن هذا الخطاب يقول سيد قطب –رحمه الله – في الظلال: إنه “يبين حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها، واستغناءها عن كل أحد. وعن كل سند. وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها، كائناً ما كان وضعهووزنه في موازين الدنيا… [هذه الدعوة] عزيزة لا يتصدى بها للمعرضينالذين يظهرون الاستغناء عنها، فهي فقط لمن يعرف كرامتها ويطلب التطهر بها“.

من مضارّ هذا الأسلوب في التعامل: –

منح المتولي العابس نفوذاً لا يستحقه.. وتحويل طريقته في الإزعاج وإثارة الأزمات إلى وسيلة للنفوذ.. ظلم أهل البناء الصامت.. تهميش العامل الهادئ “لأنه مضمون الولاء” والتركيز على العضو الأكثر صخباً مما يدفع بالآخرين الى تقليد أسلوبه بغية نيل استحقاق مهضوم.. مطاردة بيئة الإخلاص.. إقصاء الكفاءات الحقيقية.. إضعاف الجانب الفكري في الحركة وذلك حين مكافأة الإثارة وصاحب المواقف الاستفزازية في سبيل إسكاته..تفشي ثقافة النفاق والتملق التنظيمي لأن استرضاء المشاغب يرسل رسالة سلبية تقول: إن من يزعج القيادة ويعلي صوته يحظى بالإهتمام والعناية ومن يعمل في صمت يُهمَل، والإهمال مدمّر كما يقول الفيلسوف الألماني–غوته- في آلام فارتر، فإنّ تأثير الإهمال على الشخص أكثر عليه من المكر والخبث المتعمَّدَين.. وبروز الغرور التنظيمي.. التناقض في إدعاء المبادئوالإلتزام بها في الواقع.. ولابدّ من التنويه الى أن المؤلفة قلوبهم لن تدخل في النطاق التنظيمي ولن يكون مما يستأنس بها بغية التبرير والتسويغ، كما أنها لن تقوم على غصب حقوق الآخرين.

 كما أن رفع الصوت أحياناً لا يدل على غياب الإخلاص، ولا الهدوءوحده دليل على الإخلاص والإستحقاق وإنما القضية في اختلال الموازين، وغياب الرؤية الواضحة للأمور، لأنه بمرور الوقت قد يصبح الهادئ الفعّال أقل حضوراً، بينما يصبح صاحب الضجيج أكثر تأثيراً في صناعة القرار وتوزيع الاهتمام.

ثالثاً: المناطقية.

إن آفة المناطقية والعصبيات الجغرافية والجهوية تُعدّ من أخطر المعاول الهدّامة لكيان أي تنظيم إسلامي؛ لأنها تتناقض جوهرياً مع أصل الإخاء الإسلامي والوحدة العقدية في الفهم، وأصول التولية التخصصية في الممارسة.

وعندما تتسرب النعرات المناطقية إلى مفاصل الحركة الإسلامية، فإنها تحولها من “مشروع رسالي” إلى “تجمع عشائري أو إقليمي متصارع، أو على أقل تقدير متنافس“.  فتغدو الجغرافيا والانتماءات المحلية عاملاً مؤثراً في توزيع المواقع والنفوذ، بدلاً من أن تكون الكفاءة والإخلاص والمصلحة العامة هي المعايير الحاكمة

من الممكن مراعات حالاتٍ محددة لفترة قصيرة من الزمن استثناءً،لكن ان يتحول الإستثناء إلى قاعدة مقررة تُعتمد، فأما هذا فلا.. لأنها تعتمد الإنتماء إلى التراب معياراً للتفاضل وعاملاً للترجيح، وهو ذات الفكرة القومية المنبوذة التي ترى في المناطقية أو الإنتماء إلى جغرافية محددة ثقلاً في الميزان.. والأخطر من ذلك أن المناطقية حين تستقر داخل التنظيم لا تبقى مجرد انحيازات فردية متفرقة، بل قد تتحول تدريجياً إلى ثقافة تنظيمية؛ فتُعيد إنتاج نفسها في كل دورة من دورات الاختيار والتعيين.

من مضارّها: –

– تفكيك الوحدة الفكرية ومسح روح الأخوة وتبديلها برابطة إبن البلد أو إبن الإقليم والمحافظة. والولاء للمنطقة مقدم على الولاء للمؤسسة. وبذر بذور التعصب والتنافر المناطقي.
– نسف مبدأ الجدارة والكفاءة، وتقديم المحاصصة الجهويةعند توزيع المواقع القيادية والتنظيمية، وتأسيس التكتلات التصويتية في المؤتمرات العامة.

– إقصاء الكفاءات والقدرات العلمية والإدارية بذريعة إنه ليس من المنطقة الفلانية، بما يجعل التوازن الجغرافي الوهمي مقدماً على الكفاءة والإستحقاق ويحوله من إستثناء الى معيار دائم..ويجعل الموقف من القضايا مرتبطاً أحياناً بالجهة التي ينتمي إليها أصحاب القرار أكثر من ارتباطه بالمصلحة العامة للمؤسسة

– شلّ العمل المؤسسي في اتخاذ القرار، وانتهاج سياسة المحاور، وإبراز التكتلات الجغرافية للدفاع عن المصالح المناطقيةوالابتعاد عن الموضوعية.
– التحول إلى تنظيمات محلية صغيرة، والتفكير في نطاق جغرافية المنطقة، وتحول الأفراد المفتقرين إلى مناطق تتبناهم كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، ومن ثم انسحاب الكفاءات، لأن المناطقية والمحاباة الجهوية تدفع بالمغبون الى خارج صفوف التنظيم، وقد يغادر الحركة الى الأبد، وفي ذلك خسارة للطرفين.

د
د. شيروان الشميراني