اجتماعيةعامقضايامقالاتمقالات الرأيمقالات تربوية

الفلسطينيون أهلنا… فلا تجعلوا اسمهم سُبَّة

أ. محمد العوامي
في الأيام الأخيرة، تابعنا بأسفٍ بالغ تصاعد حملات التحريض ضد إخواننا الفلسطينيين المقيمين في ليبيا، حتى وصل الأمر إلى أن أصبح وصف الإنسان بأنه “فلسطيني” يُستخدم عند بعض الناس على سبيل السخرية أو الانتقاص، وكأن الانتماء إلى فلسطين تهمة، أو أن الانتساب إلى أرض الإسراء والمعراج عارٌ يُعاب به الإنسان.
وهذا قلبٌ للحقائق، وتزييفٌ للتاريخ، ومخالفةٌ لما يجمع المسلمين من أخوةٍ ودينٍ ومصير.
إن الفلسطينيين ليسوا غرباء عنا، بل هم أهلنا وإخواننا، يجمعنا بهم الإسلام، وتوحدنا بهم عقيدةٌ واحدة، وقبلةٌ واحدة، وهم يحملون منذ عقود عبء الدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ويعيشون تحت ظروفٍ قاسية يعرفها القاصي والداني.
وللتاريخ شواهد لا تُنسى على عمق العلاقة بين فلسطين وبلاد المغرب الإسلامي. فعندما حرر السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس، كان لأهل المغرب الإسلامي حضورٌ مشرّف في معركة التحرير، تقديرًا لجهادهم وتضحياتهم، فأوقف لهم حيًّا كاملًا في القدس عُرف بـ حارة المغاربة، وجعل لهم مدخلًا عُرف عبر القرون باسم باب المغاربة، وظلت هذه المعالم شاهدةً على مكانة أهل المغرب الإسلامي في تاريخ القدس حتى هُدمت حارة المغاربة بعد احتلال القدس عام 1967.
وهذا التاريخ المشرق يذكّرنا بأن العلاقة بين فلسطين والمغرب الإسلامي لم تكن يومًا علاقة مصالح عابرة، بل علاقة عقيدةٍ وجهادٍ وأخوةٍ ومصيرٍ مشترك.
ومن الواجب الشرعي والإنساني أن يقف المسلم مع أخيه إذا اضطرته الظروف إلى مغادرة وطنه، وأن يؤويه ويكرمه ويعينه، لا أن يضيّق عليه أو يجعله هدفًا للتحريض والكراهية. وقد حث الإسلام على إغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، وجعل الإنفاق في سبيل نصرة المسلمين من أعظم القربات، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
ودعم أهل فلسطين، والوقوف إلى جانبهم، وبذل الصدقات والزكوات لهم عند الحاجة، وإغاثة أراملهم وأيتامهم ومهجريهم، من أعظم صور التكافل الإسلامي، وهو بابٌ من أبواب نصرة المظلومين والجهاد بالمال الذي أثنى الله تعالى عليه في كتابه.
وما ينبغي أبدًا أن يتحول اسم “فلسطيني” إلى كلمة يُنتقص بها من الناس؛ ففلسطين ليست عارًا، بل شرفٌ لكل مسلم، وأهلها أهل عزةٍ وصمودٍ وكرامة، قدّموا من التضحيات ما يجعلهم محل تقديرٍ واحترام، وإن اختلف الناس في بعض المواقف أو السياسات، فإن ذلك لا يبرر أبدًا التعدي على كرامة شعبٍ بأكمله أو التحريض عليه.
كما أن الإنصاف يقتضي ألا تُنسب مواقف بعض الأفراد إلى شعبٍ كامل، فالشعب الليبي عُرف عبر تاريخه بمواقفه المشرفة في نصرة فلسطين، كما عُرفت شعوب المغرب الإسلامي جميعًا بحملها لهمّ القدس والدفاع عنها، ولا تزال هذه الروابط أعمق من أن تنال منها حملات التحريض أو أصوات الكراهية.
فلنحفظ ألسنتنا، ولنكتب كلمة الحق، ولنجعل صفحاتنا منابر لنشر الأخوة والرحمة والعدل، ولنقف مع المظلوم أيًا كان، امتثالًا لأمر الله تعالى، وحفاظًا على وحدة أمتنا، وتأكيدًا أن فلسطين ستبقى قضية كل مسلم، وأن أهلها سيبقون أهلنا وإخواننا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا.
نسأل الله أن يحفظ فلسطين وأهلها، وأن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يرزقنا الصدق والعدل والرحمة في أقوالنا وأعمالنا.

Related Articles

Back to top button