المنهاج النبوي وأثره في تزكية النفوس وترسيخ القيم

الشيخ د. بن سالم باهشام.
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
مقدمة:
إن الحديث عن رسول الله ﷺ في موسم مولده العطر، يوقظ في القلوب مشاعر المحبة والشوق والتعظيم، وهذه المشاعر خير عظيم، لكنها تحتاج إلى ثمرة تدل على صدقها. فأعظم دليل على محبة رسول الله ﷺ هو السير على طريقه، والاهتداء بهديه، والتخلق بأخلاقه. قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾،[آل عمران: 31]، فالاقتداء بالنبي ﷺ ليس أمرا ثانويا في حياة المؤمن، بل هو ترجمة المحبة، وبرهان الإيمان، وطريق الوصول إلى محبة الله تعالى. قال سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، [الأحزاب: 21]، وهذه الآية تفتح أمامنا بابا عظيما:
إن رسول الله ﷺ ليس مجرد شخصية نتحدث عن تاريخها، ولا سيرة نروي أحداثها، بل هو أسوة حية، ومنهاج عملي، ومدرسة ربانية لبناء الإنسان.
أولا: مفهوم المنهاج النبوي والتزكية:
1 – مفهوم المنهاج النبوي:
هو مجموع الأصول والوسائل والتطبيقات التربوية، التي اعتمدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء الإنسان، وتربية الجماعة، وتبليغ رسالة الإسلام. وهو منهاج يستمد أصوله من الوحي، ويتجسد في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتحول إلى واقع عملي في حياة الصحابة رضي الله عنهم.
2 – مفهوم التزكية:
هي تطهير النفس من أدران الشرك والمعصية والأخلاق الذميمة، وتنميتها بالإيمان والطاعة والفضائل الحميدة. ولذلك جمع القرآن بين معنى التطهير والتنمية في قوله تعالى من سورة الشمس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.[الشمس:9 – 10]، فالتزكية ليست انسحابا من الحياة، ولا مجرد مشاعر وجدانية، وإنما هي عملية تربوية شاملة، تهدف إلى بناء إنسان يمتلك قلبا حيا، وعقلا راشدا، وضميرا يقظا، وسلوكا مستقيما. ومن هنا كانت التربية النبوية قائمة على حقيقة أساسية، وهي أن
– إصلاح الواقع، يبدأ بإصلاح الإنسان،
– وإصلاح الإنسان، يبدأ بإصلاح القلب.
روى البخاري ومسلم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ.)، [رواه البخاري ( 52 و 2051 ) ومسلم ( 1599 ) واللفظ له].
ثانيا: المنهاج النبوي وتزكية النفس، وترسيخ القيم:
تُعَدُّ قضية تزكية النفس، وترسيخ القيم، من أعظم القضايا التي جاء الإسلام لمعالجتها، إذ لم تكن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم مجرد دعوة إلى معرفةٍ ذهنية، أو أحكامٍ مجردة، وإنما كانت مشروعا متكاملا لصناعة الإنسان الصالح، الذي يستقيم قلبه، ويصح فكره، ويحسن سلوكه، ويؤثر في مجتمعه. ومن هنا جاء القرآن الكريم مبينا الغاية التربوية العظمى للرسالة المحمدية في قوله تعالى من سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. [الجمعة: 2]، فالمنهاج النبوي، منهاج بناء وتغيير، يجمع بين:
– الإيمان والعلم والعمل، وبين:
– تربية الفرد وإصلاح المجتمع، وبين:
– تزكية الباطن وتقويم الظاهر.
وقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المنهاج، أن ينقل جيلا من واقع الجاهلية، بما كان فيه من عصبية وظلم وفوضى أخلاقية، إلى مجتمع رباني قائم على الإيمان والعدل والرحمة والأخوة والمسؤولية. وعليه؛ فإن دراسة المنهاج النبوي في التزكية والقيم، ليست استحضارا لتجربة تاريخية مضت، وإنما هي بحث في منهاج تربوي متجدد، يحتاج إليه الإنسان المعاصر، في زمن كثرت فيه وسائل المعرفة، وضعفت فيه صناعة الإنسان، واتسعت فيه مظاهر التقدم المادي، مع ما يصاحبها من أزمات روحية وأخلاقية.
ثالثا: الاقتداء انتقال من الإعجاب إلى الاتباع:
قد يعجب الإنسان بعظمة النبي ﷺ، وبشجاعته، وبرحمته، وعدله، وحسن أخلاقه، لكن الإعجاب وحده لا يصنع الإنسان. فالاقتداء الحقيقي هو أن يسأل المسلم نفسه:
– كيف كان النبي ﷺ يتعامل مع الناس؟
– كيف كان يعامل أهله؟
– كيف كان يتصرف عند الغضب؟
– كيف كان يتعامل مع الإساءة؟
– كيف كان يعيش مع القرآن؟
– كيف كان يربي أصحابه رضي الله عنهم؟
– كيف كان يجمع بين العبادة والعمل؟
– كيف كان يواجه الشدائد؟
ثم يحاول أن يجعل الجواب سلوكا في حياته.
– فليس الاقتداء أن نقول: كان رسول الله ﷺ رحيما، ثم نقسو على أهلنا.
– وليس الاقتداء أن نتحدث عن تواضعه، ثم نحتقر الناس.
– وليس الاقتداء أن نمدح أمانته، ثم نخون الوعود والعهود.
– وليس الاقتداء أن نذكر قيامه الليل، ثم تكون حياتنا بعيدة عن الصلاة والقرآن.
المحبة كلام القلب، أما الاقتداء فهو عمل الجوارح، وحركة الحياة.
رابعا: الاقتداء بالمنهاج النبوي اقتداء شامل:
من الخطأ أن نختزل الاقتداء في بعض المظاهر الجزئية، مع أن رسول الله ﷺ جاء بمنهاج كامل لإصلاح الإنسان. لقد اقتدى الصحابة بالنبي ﷺ في:
1 – عبادته: تعلموا منه الصلاة والخشوع والذكر والدعاء والتوكل.
2 – أخلاقه: تعلموا منه الصدق والأمانة والحياء والرحمة والحلم.
3 – معاملاته: تعلموا منه العدل والوفاء وحسن المعاشرة وأداء الحقوق.
4 – دعوته: تعلموا منه الحكمة والصبر والرفق والتدرج في الإصلاح.
5 – قيادته: تعلموا منه الشورى وتحمل المسؤولية وخدمة الأمة.
6 – جهاده لنفسه: تعلموا منه الصبر والثبات ومقاومة الهوى.
وهكذا كان النبي ﷺ قرآنا يمشي على الأرض؛ لأن القرآن لم يكن عنده معلومات محفوظة، بل كان يتحول إلى أخلاق ومواقف وعلاقات وسلوك.
خاتمة:
إن المنهاج النبوي في تزكية النفوس، وترسيخ القيم، هو منهاج رباني متكامل، يقوم على بناء الإنسان من الداخل، قبل أن يطالبه بإصلاح الخارج. فهو
– يبدأ بالإيمان،
– ويغذيه بالوحي،
– ويزكيه بالعبادة،
– ويُقوّمه بالقدوة،
– ويثبته بالصحبة،
– ويترجم ذلك كله إلى أخلاق عملية في واقع الحياة.
وقد نجح النبي صلى الله عليه وسلم في بناء جيل لم يكن عظيمًا بما امتلكه من ثروة أو قوة مادية، وإنما بما حمله من إيمان عميق، ونفوس مزكاة، وقيم راسخة. ومن هنا فإن النهضة الحقيقية للأمة، لا تبدأ من تغيير المظاهر وحدها، وإنما من إعادة صناعة الإنسان على هدي النبوة. إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى تربية تعيد للقلب حياته، وللعقل رشده، وللأخلاق سلطانها، وللقيم حضورها في الواقع. وذلك هو جوهر الرسالة النبوية التي لخصها القرآن الكريم في كلمات جامعة:
1 – تلاوةٌ تهدي.
2 – وتعليمٌ يبني.
3 – وتزكيةٌ تُحيي.
4 – وحكمةٌ تُرشد.
وبذلك يصبح الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مجرد محبة عاطفية، أو احتفاء موسمي، وإنما منهاج حياة، ومشروع بناء للإنسان والأمة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصاحات



