بين رعي الغنم وقيّادة الأمم

✍️ بقلم الأستاذ : إبراهيم بن ساسي
🔴 في اختيّار مهنة رعي الأغنام لرسول الله وللأنبياء قبله حِكَمٌ جليلةٌ ودلالاتٌ واضحة فرعيُ الغنم فيه سكينةٌ وهدوءٌ للنّفس وتربيّة على الصّبر والوقار والتّواضع ، فإذا تأمّلنا الغنمَ وجدنا رؤوسَها إلى الأرض عنوانُ التّواضُعِ والوقار ، عكس الإبل تماماً ، ومهنة رعيِ الغنمِ فيها المجال الكافي للتّأمّل في ملكوت الله وآياته ، إذ التّأمّل مبدأ الفكر والمعرفة ، بل هو أعظم وسائل تحصيلهما لأنّ الغنم إذا انشغلت بموطن الرّعي لا تتحرّكُ منه إلاّ بعد ساعاتٍ ، وليلُ الرّاعي بمحاذاة غنمه يتيح ُله مناجاة الله في هدأة اللّيل وضيّاء القمر ونسمات السّحَر المنعشة تصله بالله الخالق المبدع
🔵 ورعيَ الغنم فيه تدريب على قياّدة الشّعوب والأمم ، قال القرفي في الذّخيرة : [ أُلهمَ كلُّ نبي في صغره رعايةَ الغنم ليتعوّد سيّاسة النّاس ، لأنّه في الغنم يمنع قويّها عن ضعيفها ـ ويسير بسير أدناها ويرفق بصغارها ويلمّ شعثها في سقيها ومرعاها وكذلك يفعل بأمّته عند نبوّته ]
🍳 وهذا مثال جليّ واضح يلخّصُ حكمة اختيّار رعي الغنم دونَ غيرها من الأعمال كما أن رعْيَ الغنم فيه الكدُّ والسّعيُ وراء القوت ، ولو شاء الله أن يغني رسوله ويهيئ له وسائل العيش والرّفاهية لكان سهلاً ميسوراً ولكنّه درسٌ لنا أنَّ خيرَ مالِ الإنسان ما اكتسبه بجهده وعرقه ، ففي الحديث عن المقدام رضي الله عنه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلّمَ قال : [ ما أكل أحدٌ طعاماً قطُّ ، خيراً من أن يأكلَ من عمل يده … ] رواه البخاري
🟡 فالعاقل لا يرتضي العيش عالةً على الناس ، لذلك ظهر رسول اللهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلّمَ في هذه الفترة من شبابه بذوقه الرّفيع وإحساسه المرهف البديع ، وهو تحت كفالة عمّه يحوطه بعين العناية والرعاية والحنان يفكر في رفع ما يمكن رفعه من مؤونة الإنفاق عن عمّه ببذل الوسع وشهامة الطّبع وبرّ المعاملة ، فاختار العمل لئلاّ يعيش عالةً على عمّه من جهة وليكون مرفوعَ الهامةِ شريفَ النّفسِ من جهة أخرى
🟢 وهكذا وجب أن يكون القادة والدّعاة والهُداة وأهل العلم أحراراً ، لا ينظر أحدُهم إلى ما في أيدي النّاس أو يستجديهم فيمُنَّ عليه غيرُه بفضلٍ يمنعُه من القيّام بواجب الدّعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأنه إن فعل ذلك ذهب عزُّه ، فليرفعْ العلماءُ والدّعاةُ والصّالحون رؤوسهم شامخةً ، دون ولاءٍ لجاهٍ ولا مالٍ أو سلطانٍ ، حتى لا يصيبهم من هذا الدنس أو ذاك الدّرن ، ولله في خلقه شؤون (*)
…………………………………
(*) المجلس الثامن من كتاب المختصر في دروس السيرة
الطبعة الثانية مزيدة ومنقخة مطبعة (الإمام مالك) البليدة سنة 2023م




