ثقافة ومجتمعخواطر دعويةعاممقالاتمقالات تربوية

نداءُ العشر.. حين يطوفُ القلبُ بالفقراء قبل الكعبة

أ. محمد العوامي

مع إطلالة هلال ذي الحجة، تشرئبُّ الأعناق نحو مكة، وتخفق القلوب تلبيةً لنداء الخليل إبراهيم عليه السلام، في موسمٍ هو من أعظم أيام الدنيا، أقسم الله بلياليه فقال:
{وَلَيَالٍ عَشْرٍ}.
هي أيامٌ تتجلّى فيها رحمة الله، وتتجدد فيها أشواق الأرواح لزيارة البيت العتيق، وتتعاظم فيها رغبة المؤمن في القرب من الله بالطاعة والعمل الصالح.

لكن المؤمن الفقيه هو من يقرأ مراد الله في خلقه، ويعلم أن العبادة ليست مجرد طقوسٍ معزولة، بل استجابةٌ لنداء الواجب حيثما كان. وفي ظل ما تعانيه أمتنا اليوم من جراحٍ نازفة، وجوعٍ وحصارٍ وتشريد، تبرز أمامنا قضيةٌ مهمة من قضايا فقه الأولويات:
متى يكون تقديم الصدقة والإغاثة أولى من تكرار نافلة الحج أو العمرة؟

أولاً: فقه الموازنات.. لماذا قد تُقدَّم الصدقة على النافلة؟
إن الشريعة الإسلامية قامت على مقاصد عظيمة، قوامها جلب المصالح ودرء المفاسد، وقد قرر العلماء أن المصالح تتفاوت مراتبها بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات.

1. حفظ النفس مقدَّم على التحسين:
إغاثة المنكوبين، وإطعام الجائعين، وعلاج المرضى، وحماية الأرواح؛ كل ذلك يدخل ضمن مقصد “حفظ النفس”، وهو أحد الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها. أما تكرار الحج والعمرة بعد أداء الفريضة، فهو من أبواب الفضائل والنوافل.

ولهذا قرر أهل العلم أن الضروري يُقدَّم على التحسيني عند التعارض، كما ذكر العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام.

وقد أثنى الله على أعمال الإطعام والرحمة فقال:
{أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ” يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ” أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ}.

2. النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر:
الحج والعمرة عبادة عظيمة يعود نفعها المباشر على صاحبها، أما الصدقة والإغاثة فهما من الأعمال المتعدية التي يمتد أثرها إلى الآخرين، بإنقاذ أسرة، أو تفريج كربة، أو مداواة جريح.

وقد قرر جمعٌ من أهل العلم أن العمل المتعدي النفع قد يكون أفضل من العمل القاصر إذا اشتدت حاجة الناس إليه، ولهذا كان السعي في مصالح الخلق من أجلِّ القربات.

ومع ذلك، ينبغي التأكيد أن هذا الكلام يتعلق بالحج والعمرة النافلة، أما حج الفريضة فهو ركنٌ واجب لا ينبغي التساهل فيه لمن استطاع إليه سبيلاً.

ثانياً: من هدي السلف.. حين قدَّموا المحتاج على النافلة:
لم يكن سلف الأمة أصحاب نصوصٍ جامدة، بل كانوا أصحاب قلوبٍ حية وفقهٍ عميق.
فقد ذُكر عن الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه خرج للحج، فرأى امرأةً دفعتها الحاجة إلى أكل ما لا يحل، فرقَّ لها، وأعطاها نفقته، ثم عاد، ورأى أن تفريج كربتها أولى في ذلك الظرف من سفر النافلة. وقد أورد ابن عساكر أصل القصة في تاريخ دمشق، وإن كانت بعض تفاصيلها تحتاج إلى تثبت.

وكان كثير من السلف يرون أن قضاء حاجة المسلم، وتفريج كربته، وإدخال السرور عليه، من أعظم أبواب القرب إلى الله، مستندين إلى المعاني الثابتة في نصوص الشريعة، ومنها قول النبي ﷺ:
«أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس».

لقد أدركوا أن تعظيم شعائر الله لا ينفصل عن الرحمة بعباد الله، وأن المؤمن الحق يجمع بين العبادة والإحسان.

ثالثاً: كيف نستثمر عشر ذي الحجة؟
إن عدم ذهابك للحج أو العمرة نافلةً، إيثارًا لإغاثة محتاج أو تفريج كربة، لا يعني انقطاعك عن العبادة، بل قد يكون من أعظم أبوابها إذا صدقت النية وأُحسن القصد.

وللفوز ببركة هذه الأيام المباركة، يمكن للمسلم أن يجعل لنفسه برنامجًا إيمانيًا متوازنًا:
□ التوبة الصادقة:
ابدأ العشر بقلبٍ جديد، وتخفف من الذنوب والمظالم، وأقبل على الله بروحٍ منكسرة راجية.

□ تجديد النية:
من نوى عمرةً أو حجًا نافلة ثم رأى أن حاجة المسلمين أشد، فحوَّل نفقته إلى إغاثة ملهوف أو إطعام جائع، نرجو له أجر نيته وأجر إحسانه.

□ الإكثار من العمل الصالح:
من ذكرٍ وصيامٍ وصدقةٍ وقيامٍ وبرٍّ وصلة رحم، فهذه الأيام أحب الأيام إلى الله.

□ قطع ما يصدّ عن الله:
خفف من ضجيج الدنيا، ومن كل ما يسلب قلبك حضوره وخشوعه، واجعل من هذه الأيام هجرةً صادقة إلى الله.

☆ بناء الإنسان قبل الطواف بالبنيان:
إن الفقه الحقيقي ليس في كثرة الأعمال فحسب، بل في معرفة “خير الخيرين” و“أولى الأولويات”. وفي أوقات الكوارث والمجاعات والحروب، قد يكون إحياء نفسٍ جائعة، أو ستر أسرةٍ منكوبة، أو علاج جريح، أعظم أثرًا عند الله من تكرار بعض النوافل.

وليس المقصود التقليل من شأن الحج أو العمرة، فهما من أجلِّ العبادات وأعظم القربات، وإنما المقصود التذكير بأن العبادة الكاملة هي التي تجمع بين حق الله وحق عباده، وبين تعظيم الشعائر ورحمة الخلق.

فلنجعل شعارنا في هذه العشر:
“أغيثوا الإنسان.. يبارك لكم الديّان”.

اللهم بلّغنا عشر ذي الحجة، وأعنا فيها على طاعتك، واجعلنا من الساعين في نفع عبادك، والمتقربين إليك بالإحسان والرحمة، وتقبل من الحجيج حجهم، وانصر المستضعفين في كل مكان.

المراجع:
* القرآن الكريم.
* سنن الترمذي.
* قواعد الأحكام في مصالح الأنام — العز بن عبد السلام.
* الفتاوى الكبرى — ابن تيمية.
* تاريخ دمشق — ابن عساكر.
* حلية الأولياء — أبو نعيم الأصبهاني.

Related Articles

Back to top button