اجتماعيةعامقضايامقالات

عزيزتي ليبيا..

بقلم : خديجة الحبيشي

لا أعلم هل الذل هو العيش فيك؟ أم العيش مع مَن فيك؟، لأني، يا بلادي العزيزة، وكثير من أبنائك بل معظمهم يعيشون وسط سواد الظلم. من تقبل هذا الظلم اثنان، الأول فقير بائس عاجز، والآخر مشارك مستفيد من هذا الظلم، وقليل ممن يقاوم الظلم، فإما مكروه وإما شباب لا إمكانيات لهم، وهم بين مستنكر ناقم ومن في السجن يعذب.
أخبريني، هل تتذكرين تاريخك؟ هل مازالت سجلات الأرقام التي حققتها معك؟ هل مازلت تحتفظين بأرواح عظمائك؟ ماذا عن انتصاراتك على أقوى دول العالم؟ ماذا عن خيراتك؟ إسهاماتك؟ مواردك؟ أين ذهب كل هذا؟
أنا ابنة ستة عشر عاما، قضيت فيك من عمري هذا ثلاثة عشر عاما، لم أحصل منك على تعليم يجعلني أرتقي، لم أشعر بأن المواطنين مرتاحون ماديا أو فكريا، لم أظن يوما بأن أسباب نزاعاتك تجعل من النزاع نزاعا، لم أرَ منك مبادرات لجعل شبابك يتوهجون للعالم؛ حاملين رايتك بفخر على أكتافهم؛ إلا ما ندر من إسهامات خيّرين من أبناء شعبك، لا من الحكومة، وعلى ذكر الحكومة، فإن كل شخص يجلس على كرسي يمنحه السلطة والقوة والنفوذ هو هالك، إن ليس في الدنيا ففي الآخرة، فكل فرد منهم طبع عليه وشم الظلم والفساد، والشعب لا يدع يوما يمر دون حسبنة أو دعوة عليهم، ودعوة المظلوم مستجابة بإذن الله.
إهمالك لنا، يا دولتي وبلادي وأرضي العزيزة، جعلنا تائهين ضيقي الصدر. فكرة الخروج منك تترسخ في بالنا أكثر كل يوم، أصبحت الهجرة هدف كل مواطن، نجاح كل طموح، حرية كل مستعبد، ملجأ لكل هارب، ما بالكِ تجعلين التخلي عنك الدفء والحنان والنجاة، والمفترض بل الحق أن تكون أنت كذلك؟ إني لا أفهمك، صدقيني إني حاولت، حاولت التمعن في أناسك، أسلوب حياتك، نظامك، سياستك، علاقاتك، عطائك، لم أفهم شيئا، كله مقلوب كله فوضى، حتى بين الأحياء الصامتة جدرات تشتكي!
أنت لا تعلمين أن هناك روح صغيرة مكبوتة داخل كل قلب ابن وابنة لك، تلك الروح محبة مضحية، تلك الروح مصابة بداء يسمى الوطنية، كل فرد منا يحب تفاصيل أحياءك، في المدينة القديمة مثلا، كلا منا يحب الثقافة التي لاتزال حية تعمر أرجاءك، كالأزياء، والطعام، والأفراح، والروح الطيبة الكريمة “الفزاعة” في أهل هذا البلد، لكنك يا ليبيا تضيقين المساحة على هذه الروح، تقتلينها بتصرفاتك، تخذلينها بفسادك، وتخنقينها بقراراتك، أتعلمين ما تولد هذه الأفعال اللئيمة التي تفعلينها؟ من الكره والطغيان، الخيانة والبغض، القتل والسرقة، الثورات والحرب، الإهمال منا نحن الشعب، وهذا نتاجك وخطؤك، أخبريني عن الانقسام الغريب بين الغرب والشرق والجنوب؟ أخبريني عن التطرفات والتفرقات الدينية؟ أخبريني عن الأحكام المهلكة التي تحدث تحت الطاولة؟ لم نرد منك إلا قليلا من الاهتمام، بعض السلام وراحة البال.
بلاي الغالية، إن لي من الكلام الكثير إليك، وصمتي الذي ترينه ما هو إلا صبر عليك، لذا فكري قليلا، ضعي الناموس أمامك، قدمي الشرع على القانون، الواقع على المنطق، ضعي شعبك كبارا وصغارا بين يديك واحضنيهم بما يستحقون من أقل حقوقهم وأبسطها، فنحن شعب لا نعادي إلا من يعادي، ولا نهمل إلا من يهمل.

 

Related Articles

Back to top button