من عمارة البنيان إلى عمارة الإنسان رؤية قرآنية من خلال سورة التوبة

الشيخ د.بن سالم باهشام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
المقدمة :
من عمارة البنيان إلى عمارة الإنسان
خلق الله تعالى الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وأناط به مهمة الإصلاح والبناء، قال تعالى في سورة هود: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، [هود: 61].ولم تكن العمارة في المنظور القرآني مقصورة على تشييد المباني، أو إقامة المنشآت، أو تشييد المساجد بأفخم الطرز الهندسية، وإنما هي مشروع حضاري متكامل يبدأ بعمارة القلب بالإيمان، ويثمر عمارة الإنسان بالأخلاق والقيم، ثم ينعكس أثره في عمارة الأرض، وإقامة العمران الأخوي. ومن هنا جاءت عناية القرآن الكريم بالمساجد، لا بوصفها أبنيةً من حجارة وطين، بل باعتبارها مصانع للرجال، ومدارس للإيمان، ومراكز للتربية والتزكية، ومنها تنطلق رسالة الإصلاح في المجتمع. فالمسجد في التصور الإسلامي، ليس غايةً في ذاته، وإنما هو وسيلة لبناء الإنسان الذي يحمل رسالة الاستخلاف، ويحقق العبودية لله تعالى في نفسه وأسرته ومجتمعه. ولهذا لفتت سورة التوبة الأنظار إلى حقيقة دقيقة حين قالت: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾.[التوبة: 18] فالآية لم تجعل معيار عمارة المسجد كثرة البناء، ولا زخرفة الجدران، ولا ضخامة الإنفاق، وإنما ربطت العمارة بجملة من الصفات الإيمانية والعملية التي تصنع الإنسان الصالح؛ فبدأت بالإيمان، وثنّت بالصلاة، وأتبعتها بالزكاة، وختمتها بتحقيق كمال التوحيد والخشية لله وحده. ومن هنا يتبين أن القرآن ينقل مفهوم العمارة، من دائرة المادة، إلى دائرة الرسالة؛ فالبناء الحقيقي ليس بناء الجدران وحدها، وإنما بناء النفوس التي تعبد الله، وتذكره، وتتعلم دينه، وتحمل همّ الدعوة والإصلاح. وإذا كانت عمارة البنيان تحفظ المسجد من الخراب، فإن عمارة الإنسان، تحفظ رسالة المسجد من الضياع. وقد شهد التاريخ الإسلامي، أن أعظم المساجد لم تكن أعظمها زخرفة أو اتساعًا، وإنما كانت أعظمها أثرًا في صناعة الإنسان. فمن المسجد النبوي، خرج جيل الصحابة رضي الله عنهم، الذين غيّروا مجرى التاريخ، وحملوا نور الإسلام إلى الآفاق، لأن المسجد كان مركزًا للإيمان، والتعليم، والتزكية، والشورى، والجهاد، والتكافل الاجتماعي. ومن هذا المنطلق يسعى هذا الكتاب إلى إبراز الرؤية القرآنية لعمارة المساجد من خلال آية العمارة في سورة التوبة، مبينًا أن المقصود الأسمى ليس تشييد الأبنية فحسب، بل الانتقال من عمارة البنيان إلى عمارة الإنسان؛ لأن الإنسان هو محور الاستخلاف، وغاية الرسالات، ووسيلة إقامة الدين في الأرض. فكلما ازدهرت العمارة المعنوية للمسجد، ازدهرت شخصية المؤمن، وصلَحت الأسرة، واستقام المجتمع، وقامت الحضارة على أساس الإيمان والعدل والإحسان. ومن ثم فإن هذا البحث ينطلق من سؤال جوهري: كيف ترسم سورة التوبة معالم الانتقال، من عمارة المسجد باعتباره بناءً ماديًا، إلى عمارة الإنسان باعتباره حامل رسالة المسجد وغايتها؟ وهو السؤال الذي سيحاول هذا الكتاب الإجابة عنه من خلال دراسة تأصيلية وتحليلية لآية العمارة، واستنباط أبعادها الإيمانية والتربوية والاجتماعية والحضارية، وصولًا إلى بيان أن أعظم عمارة للمساجد، هي أن تثمر رجالًا ونساءً يعمرون الأرض بطاعة الله، ويحققون مقاصد الاستخلاف والإصلاح.
مدخل إلى مفهوم العمارة المعنوية
مفهوم العمارة المعنوية
إن من أبرز خصائص القرآن الكريم، أنه ينقل الإنسان من ظاهر الأشياء إلى حقائقها، ومن الصور إلى المقاصد، ومن البناء المادي إلى البناء الإيماني. ومن هذا المنطلق؛ جاء مفهوم العمارة في القرآن الكريم مفهومًا شاملًا لا يقتصر على إقامة الأبنية وتشييد العمران، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء الإنسان، وإصلاح القلب، وإحياء المجتمع بالإيمان والعمل الصالح. وقد جاء أصل كلمة العمارة من مادة (ع م ر)، وهي تدور في اللغة حول معنى البقاء، والإصلاح، والسكن، وضد الخراب. يقال: عَمَرَ المكان إذا أصلحه وسكنه، وعَمَّره إذا جعله عامرًا بعد خراب. ومنه قوله تعالى في سورة هود: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾،[هود: 61]، أي طلب منكم إعمارها بالإصلاح والعبادة وإقامة العدل. غير أن القرآن حين تحدث عن المساجد؛ لم يجعل عمارتها مقتصرة على تشييدها أو صيانتها، وإنما جعل حقيقتها مرتبطة بالإيمان والعمل الصالح، فقال تعالى في سورة التوبة: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾.[ التوبة: 18]، فالآية لم تقل: إنما يعمر مساجد الله من بناها أو زينها، وإنما ربطت العمارة بأوصاف إيمانية وسلوكية، مما يدل على أن المقصود الأول، هو العمارة المعنوية قبل العمارة المادية. ويمكن تعريف العمارة المعنوية بأنها: (كل ما يؤدي إلى إحياء رسالة المسجد الإيمانية والتربوية والعلمية والاجتماعية، من خلال إقامة العبودية لله تعالى، وبناء الإنسان الصالح الذي يحمل رسالة الإصلاح في الأرض.)، فالعمارة المعنوية تشمل:1 – إحياء الصلاة والخشوع فيها. 2 – تلاوة القرآن وتدبره. 3 – حلقات العلم والتعليم. 4 – الذكر والدعاء. 5 – تزكية النفوس.6 – نشر الأخوة والمحبة. 7 – إصلاح المجتمع. 8 – تربية الأجيال. 9 – إعداد الدعاة والعلماء. 10 – خدمة قضايا الأمة. ولهذا كان المسجد في عهد النبي ﷺ جامعةً، ومدرسةً، ومجلس شورى، ومركزًا للدعوة، ومأوى للفقراء، ومنطلقًا للجهاد، ولم يكن مجرد مكان تؤدى فيه الصلاة ثم يغادره الناس. ومن هنا يتبين أن عمارة المسجد تبدأ بعمارة القلب؛ لأن القلب إذا عُمّر بالإيمان، عُمّر المسجد، وإذا خُرّب القلب، خربت رسالة المسجد ولو كان أجمل الأبنية.
التمييز بين العمارة الحسية والعمارة المعنوية:
جمع الإسلام بين العنايتين: عناية بالبناء، وعناية بالإنسان، لكنه جعل الإنسان هو الغاية، والبناء وسيلة لخدمته. ولذلك فإن عمارة المساجد، تقوم على ركنين متكاملين: العمارة الحسية، والعمارة المعنوية، ولا يستغني أحدهما عن الآخر.
العمارة الحسية للمسجد:
ويقصد بها تشييد المسجد وإقامته وصيانته وتجهيزه بكل ما يحتاج إليه المصلون، حتى يكون مكانًا لائقًا بعبادة الله تعالى. وتشمل العمارة الحسية:1 – اختيار الموقع المناسب. 2 – بناء المسجد على أسس متينة.3 – نظافته وصيانته. 4 – توفير الماء والإنارة والفرش. 5 – العناية بجماله دون إسراف أو مباهاة. 6 – توسعته عند الحاجة. 7 – تهيئته لخدمة جميع فئات المجتمع. وقد رغب النبي ﷺ في بناء المساجد، روى الطبراني في “الصغير”، والبيهقي، وصححه ابن حبان، وعن جابر بن عبد الله عند ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ). [أخرجه الطبراني في “الصغير” (1105) و (1159)، والبيهقي 2/437، والقضاعي في “مسند الشهاب” (479)، وصححه ابن حبان (1610) و (1611) . وعن جابر بن عبد الله عند ابن ماجه (738)، وصححه ابن خزيمة (1292)]، [ومَفْحَصُ القطاة: قال في “النهاية”: موضعها الذي تجثم فيه وتبيض، كأنها تفحص عنه التراب، أي تكشفه، والفحص: البحث والكشف].غير أن الإسلام نهى عن المبالغة في الزخرفة إذا أصبحت سببًا في الانشغال عن العبادة، أو التفاخر بين الناس، لأن المقصود من المسجد، تحقيق العبودية لله، لا التنافس في المظاهر. فالعمارة الحسية هي الوسيلة التي تهيئ المكان، لكنها لا تحقق وحدها رسالة المسجد. روى البخاري معلقا، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما أمرْتُ بتشييدِ المساجدِ). قال ابنُ عباسٍ: (لَتُزَخْرِفُنَّها كما زخرَفَتِ اليهودُ والنصارى). [أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم قبل حديث (446) الموقوف منه، وأخرجه موصولاً أبو داود (448) واللفظ له.]، كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن تزيين المساجد؛ من أجل ألا تدخل الدنيا بيوت الله التي تقربهم من الآخرة، فيتعلق الناس بها فينصرفوا عن خشوعهم وخضوعهم لله عز وجل. وفي هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أمرت”، أي: ما أمرني الله عز وجل ولا كلفني، “بتشييد المساجد”، والتشييد: هو المبالغة في البناء والتطويل فيه، والمقصود عدم التكلف في بناء المساجد، وعدم رفع بنائها والتطويل فيه. ثم علق عبد الله بن عباس رضي الله عنهما – راوي الحديث- قائلا: “لتزخرفنها”، أي: سوف تزينون المساجد، وتبتعدون عن وصية نبيكم لكم، “كما زخرفت اليهود والنصارى”، أي: كما زينت اليهود صوامعهم، وكما زينت النصارى كنائسهم، وهذا القول له حكم الرفع؛ كأنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو من أمور الغيب التي لا تعلم إلا بالوحي. وفي الحديث: النهي عن تزيين المساجد.
العمارة المعنوية:
أما العمارة المعنوية، فهي روح المسجد وحقيقته، وهي التي تجعل المسجد حيًا برسالته وإن كان بسيط البناء. وتتحقق العمارة المعنوية من خلال:1 – إقامة الصلاة بخشوع وانتظام. 2 – دوام الذكر وتلاوة القرآن.3 – نشر العلم الشرعي. 4 – تربية الشباب. 5 – إصلاح الأسرة.6 – تقوية الأخوة الإيمانية. 7 – التكافل الاجتماعي.8 – احتضان قضايا المسلمين. 9 – إعداد الدعاة والمربين. 10 – تزكية النفوس وربطها بالله تعالى. ولذلك كان المسجد النبوي في المدينة المنورة، بسيط البناء، سقفه من الجريد، وأعمدته من جذوع النخل، لكنه كان أعظم مسجد في التاريخ أثرًا؛ لأنه صنع خير أمة أخرجت للناس. ومن هنا يتضح أن قيمة المسجد لا تقاس بارتفاع مآذنه، أو فخامة زخرفته، وإنما بما يخرجه من رجال ونساء عرفوا الله، وأقاموا دينه، وأصلحوا مجتمعاتهم. فالعمارة الحسية، تحفظ المسجد من الخراب، أما العمارة المعنوية، فتحفظ الأمة من الانهيار، وإذا اجتمع النوعان، تحقق المقصود الشرعي من إنشاء المساجد، وهو صناعة الإنسان المؤمن، الذي يعبد الله، ويعمر الأرض بالحق والعدل والإحسان.
أهمية آية العمارة في سورة التوبة كحجر الزاوية
قال تعالى في سورة التوبة: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.[التوبة: 18]. تعد آية العمارة في سورة التوبة، من أعظم الآيات التي رسمت التصور القرآني لرسالة المسجد، إذ لم تتحدث عن المسجد باعتباره بناءً مادياً، وإنما باعتباره مؤسسة إيمانية وتربوية واجتماعية، لا ينهض برسالتها إلا رجال ونساء تحققت فيهم صفات مخصوصة. ولذلك جاءت الآية بصيغة الحصر: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، لتقرر أن العمارة الحقيقية ليست لكل من يدخل المسجد أو يبنيه، وإنما لمن جمع بين الإيمان والعمل والخشية. وقد نزلت هذه الآية، في سياق المفاضلة بين أهل الإيمان الذين يعمرون بيوت الله بطاعته، وبين من كانوا يفتخرون بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام مع بقائهم على الكفر، فجاء القرآن ليقرر أن قيمة الأعمال، لا تكون إلا إذا قامت على أساس الإيمان. لهذا تعتبر الآية (18) من سورة التوبة، حجر زاوية في فهم مفهوم عمارة المساجد، وذلك لعدة أسباب: 1 – تحديد الهوية، 2 – تكامل الأدوار، 3 – توجيه الأولويات:
تحديد الهوية الإيمانية لعمار المساجد:
تحدد الآية (18) من سورة التوبة بوضوح، من هم المؤهلون لعمارة مساجد الله، وهم المؤمنون الصادقون، الذين تتجلى صفاتهم في أفعالهم. وهذا يميزهم عن المشركين الذين لا يحق لهم عمارة بيوت الله. وتبدأ الآية بأداة الحصر ﴿إِنَّمَا﴾، وهي من أقوى أساليب القصر في اللغة العربية، لتعلن أن عمارة المساجد ليست عملاً هندسياً مجرداً، وإنما هوية إيمانية قبل أن تكون وظيفة اجتماعية. فقد جعلت الآية أول صفات عُمّار المساجد: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وهذا يدل على أن الإيمان هو الأصل الذي تنبني عليه جميع الأعمال، وأن المسجد لا يمكن أن يؤدي رسالته إلا إذا كان القائمون عليه من أهل الإيمان الصادق. وتبرز الهوية الإيمانية لعمار المساجد في عدة معانٍ:
أولاً: الانتماء لله تعالى: فالمساجد أضيفت إلى الله تعالى في قوله في سورة الجن: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾، [الجن: 18]، وهذه الإضافة إضافة تشريف وتعظيم، لتؤكد أن المسجد ليس ملكاً لفرد أو جماعة أو قبيلة، وإنما هو بيت لله، يجتمع فيه المؤمنون على توحيده وعبادته.
ثانياً: الإيمان أساس كل عمل: قد يبني الإنسان مسجداً، أو ينفق عليه، أو يخدمه، لكن العمل لا يكون مقبولاً إلا إذا كان صادراً عن إيمان وإخلاص، ولذلك لم تذكر الآية البناء ولا الإنفاق أولاً، وإنما قدمت الإيمان، لأنه أصل الأعمال جميعاً.
ثالثاً: الهوية الإيمانية هوية سلوكية: فالإيمان في القرآن، ليس مجرد اعتقاد، بل يثمر سلوكاً عملياً، يظهر في الصلاة والزكاة والخشية والطاعة، ولذلك جاءت بقية أوصاف الآية ترجمة عملية للإيمان.
رابعاً: المسجد مصنع للهوية الإيمانية: كما أن الإيمان هو شرط لعمارة المسجد، فإن المسجد هو أيضاً المدرسة التي تحفظ الإيمان وتنميه، فهو مكان الذكر والعلم والتربية والتزكية، ومنه يتخرج الرجال الذين يحملون رسالة الإسلام. ومن هنا يتبين أن أول ما ينبغي أن تهتم به المساجد، هو صناعة المؤمن، لأن بناء الإنسان مقدم على بناء الجدران.
تكامل الأدوار في عمارة المسجد:
من تأمل ألفاظ الآية، وجد أنها لم تذكر خصلة واحدة، وإنما جمعت بين مجموعة من الصفات، مما يدل على أن عمارة المسجد مشروع متكامل، لا يقوم على جانب واحد دون غيره. فقد جمعت الآية بين أربعة أركان كبرى، إذ تربط بين: الإيمان (الاعتقاد)، وإقامة الصلاة (العبادة)، وإيتاء الزكاة (المسؤولية الاجتماعية)، وعدم خشية أحد إلا الله (الاستقامة الأخلاقية). هذا الربط؛ يوضح أن عمارة المسجد، هي عملية شاملة تتطلب تكامل هذه الأبعاد.
أولاً: الإيمان بالله واليوم الآخر(الاعتقاد): وهو الأساس العقدي الذي يمنح العمل معناه، ويجعل المسجد مرتبطاً بالله لا بالعادات أو المصالح.
ثانياً: إقامة الصلاة(العبادة): وهي الوظيفة التعبدية الأولى للمسجد، إذ لا معنى لمسجد لا تقام فيه الصلاة، ولا تجتمع فيه القلوب على ذكر الله. ولذلك كان أول عمل قام به رسول الله ﷺ بعد الهجرة، هو بناء المسجد، ليكون مركز العبادة والتربية.
ثالثاً: إيتاء الزكاة(المسؤولية الاجتماعية): ولم تقتصر رسالة المسجد على العبادة الفردية، بل ربطت بين الصلاة والزكاة، ليظل المسجد مؤسسة للتكافل الاجتماعي، وإغاثة المحتاجين، وتحقيق العدالة الاجتماعية. فالعبادة التي لا تنعكس على المجتمع، عبادة ناقصة الأثر.
رابعاً: تحقيق الخشية لله وحده(الاستقامة الأخلاقية): قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾. فالخوف من الله هو الذي يحرر الإنسان من الخوف من الناس، ويجعل المسجد منارة للحق، لا يخضع لضغوط المال، أو السلطان، أو الأهواء. ومن خلال هذه الصفات الأربع، تتكامل وظائف المسجد، فيكون:1 – مكاناً للعبادة. 2 – ومدرسة للعلم. 3 – ومركزاً للتربية.4 – ومؤسسة للتكافل. 5 – ومنطلقاً للدعوة. 6 – ومصنعاً للرجال. ولهذا كانت المساجد في صدر الإسلام محور الحياة الإسلامية كلها.
توجيه الأولويات في رسالة المسجد:
ترسم آية العمارة ترتيباً دقيقاً لأولويات العمل داخل المسجد، وهو ترتيب يحتاج إليه المسلمون في كل زمان.
أولاً: تقديم الإيمان على البناء: بدأت الآية بالإيمان، ولم تبدأ بالبناء أو الزينة أو الإنفاق، لأن إصلاح الإنسان هو الغاية، أما البناء فهو وسيلة.
ثانياً: تقديم العبادة على المظاهر: فقد ذكرت إقامة الصلاة، ولم تذكر جمال المسجد أو زخرفته، لأن الله ينظر إلى القلوب والأعمال، لا إلى الزخارف والأشكال.
ثالثاً: ربط العبادة بخدمة المجتمع: فبعد الصلاة جاءت الزكاة، لتؤكد أن المسجد لا ينعزل عن واقع الناس، بل يربي المؤمن على البذل والإحسان والتكافل.
رابعاً: تحرير الدعوة من الخوف: وختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾. وهذا يبين أن رسالة المسجد لا تؤدي وظيفتها إلا إذا قام عليها رجال صادقون، يصدعون بالحق، ويبلغون رسالة الله دون خوف أو مداهنة.
خامساً: الهداية ثمرة العمارة: قال تعالى: ﴿فَعَسَى أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. فالقرآن يجعل الهداية ثمرة لهذه الصفات كلها، لأن من جمع بين الإيمان، والعبادة، والبذل، والخشية، كان أقرب الناس إلى الهداية والثبات.
الخاتمة
تكشف آية العمارة عن رؤية قرآنية متكاملة، تجعل المسجد محوراً لبناء الإنسان قبل بناء العمران. فهي تحدد هوية عمار المساجد بالإيمان، وتجمع بين وظائف المسجد التعبدية والتربوية والاجتماعية، وترتب الأولويات بحيث يكون: 1 – بناء القلب مقدماً على بناء الجدران. 2 – والإخلاص مقدماً على المظاهر. 3 – والرسالة مقدمة على الزخرفة. ومن ثم فإن عمارة المسجد في المنظور القرآني، ليست مشروعاً عمرانياً فحسب، بل هي مشروع حضاري يهدف إلى صناعة الإنسان المؤمن الذي يعمّر الأرض بطاعة الله، ويحقق مقاصد الاستخلاف والإصلاح
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.




