اجتماعيةثقافة ومجتمععاممقالاتمقالات تربوية
انتصار الغضب أم هيبة النفس وحصول الأجر؟!

د. وصفي أبوزيد
من أرفع منازل الشرف أن تقدر على الرد ثم لا ترد، وأن تملك أسباب الانتصار لنفسك ثم تختار أن تنتصر عليها؛ لا عجزًا، ولا خوفًا، ولا هوانًا، ولكن لأنك بلغت من سلطان النفس منزلةً لا تسمح فيها لغضب عابر أن يتولى قيادة أخلاقك.
ليس كظم الغيظ موتًا للغضب، بل سيادةٌ عليه؛ فالغيظ حاضر، والإساءة موجعة، واللسان قادر، والجواب مهيأ، وربما كان الخصم أمامك لا يحول بينك وبينه شيء؛ ثم تقول لنفسك: **لن أجعل خطأه يُسقطني، ولا إساءته تغيّرني، ولا غضبي يقودني إلى ما أندم عليه.
وهذه هي المنزلة التي أثنى الله على أهلها فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
تأمل هذا الصعود المهيب: كظمٌ للغيظ، ثم عفوٌ عن الناس، ثم إحسانٌ يورث محبة الله.
فأنت أولًا تنتصر على غضبك، ثم ترتفع فوق رغبة الانتقام، ثم تبلغ مقامًا لا يكتفي فيه القرآن بالثناء عليك، بل يخبرك أن الله يحب أهله.
ولهذا أعاد النبي ﷺ تعريف القوة تعريفًا يهدم أوهام البشر، فقال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». متفق عليه؛ رواه البخاري (6114)، ومسلم (2609).
فكم من رجل غلب الناس وغلبه غضبه!
وكم من قويٍّ أمام خصومه ضعيفٍ أمام نفسه!
وكم من إنسان حسب أن رفع صوته قوة، وأن قسوة جوابه هيبة، وأن جرح خصمه انتصار، وهو في الحقيقة يعلن أن كلمةً قيلت له استطاعت أن تنتزع منه زمام نفسه!
أما القوي حقًا فهو الذي لا يسلّم مفاتيح أخلاقه لمن أساء إليه.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37]، وقال سبحانه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43].
سماه الله عزمًا؛ لأن العفو عند المقدرة يحتاج إلى نفس عظيمة. أما من عجز عن الانتقام فقد حُرم القدرة، لكن من قدر ثم عفا فقد امتلك القدرة وامتلك نفسه معها.
ولهذا قال رسول الله ﷺ: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا». رواه مسلم (2588).
فلا تخشَ أن يسقط مقامك لأنك لم تنتقم؛ فقد يسقط الإنسان من أعين العقلاء بكلمة انتصر بها لنفسه، وقد يرتفع في قلوبهم بصمت كان يستطيع أن يملأ به الدنيا جوابًا.
وليس كظم الغيظ تركًا للحقوق، ولا سكوتًا عن الظلم، ولا استسلامًا للباطل؛ فالقرآن نفسه يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾[الشورى: 41]. ولكن الفرق بعيد بين **ردٍّ يقوده الحق، وردٍّ يقوده الغضب؛ بين أن تنتصر للمبدأ، وأن تنتقم للنفس.
وأجمل ما في كظم الغيظ أن معركته الكبرى لا يراها الناس؛ إنها تقع في أعماقك، في اللحظة الفاصلة بين الإساءة والجواب، حين يقول الغضب: انتقم، ويقول الإيمان: اعدل، وتقول النفس: أوجعه كما أوجعك، ويقول العقل: لا تجعل غيرك يحدد مستوى أخلاقك.
فإذا انتصر فيك الإيمان والعقل، فقد حققت نصرًا قد لا يصفق له أحد، ولكن الله يعلمه.
إن بعض الناس ينتصرون على خصومهم، والقليل من ينتصرون على أنفسهم.
وهؤلاء وحدهم يعرفون أن الهيبة الحقيقية ليست في كثرة ما يستطيع الإنسان أن يقوله، وإنما في كثرة ما يستطيع قوله ثم يملك نفسه عنه.




