هزيمة العقل.

د. الخضر بن حليس اليافعي.
قد يختلّ في ذهنك مفهومٌ بدهيّ، فتقف حائرا أمام جَلائه؛ كيف التبس عليّ ما هو مُسَلَّمٌ؟ فتسعى لجمع الشواهد ترميما لتصوّرك، وإقناعا لعقلك، بيدَ أن عقلَك يأبى الانقياد. هنا تشعر بكسرك الشامل أمام الحقيقة الواضحة إذ يغدو عقلك — الذي طالما به اعتززت — عاجزا عن الاستجابة، وتقف أدواتِ حِجَاجِك ومقومات منطقك عاجزة عن نجدتك، لتجدَ نفسك طريحا أمام وهمٍ طارئ لا تملك دفعَه.
ثم تستحيل أشبه بحالة وسواس يقهرك على آرائه وفكرته.
ومع غرابة الحالة، تعجز عن البوح بها وتؤثر الصمت فتوقن أن الذي أزاغ تصوّرك عن العيان، قد عقد لسانك عن الشكوى والبيان، في تجلٍّ حيّ لسرِّ الحيلولة الإلهية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.
إن هذه «الحيلولة» ليست مجرد شللٍ فكري عابر، بل هي رسالةٌ تحذيرية صامتة تُعرّي كبرياء العلم، وتكشف لك أن أعتى جند الله ليس الزلزال، بل خاطر طارئ، وذهول مفاجئ، وانغلاق عن الفهم، تلقيك عجزا على سرير الاكتئاب والعزلة، جند خفي يتوغل في عمق الصدر بصمتٍ، يثبت لك أن قوى الأرض وأدوات المعرفة العقلية قاصرةٌ عن انتشالك إن أُريد بك الخذلان.
هنا يسقط وهمُ الاستغناء العقلي، وتتروّض النفس على مدارج الافتقار، ويتحول الضعف البشري من حالة هزيمةٍ نفسية إلى أعلى مقامات العبودية فتدرِكُ أن العجز توحيد، وأن الاستسلام لسرِّ القدرة قمة البصيرة، وأن الرضا بالضعف أصل المطلوب.
اللهم بصّرنا بعجزنا ولا تكلنا إلى معقولاتنا طرفة عين.




