عامقضايامقالاتمقالات الرأي

حيُّ المغاربة في القدس: الذاكرة والعدالة وحقُّ العودة

بين الوقف الإسلامي والجريمة الاستعمارية واستحقاق التصحيح التاريخي

بقلم:  فرج كندي

ليس حيُّ المغاربة في القدس مجرد حيٍّ سكني أزيل من الوجود، ولا مجرد صفحة من صفحات التاريخ الفلسطيني، وإنما يمثل أحد أهم الشواهد الحضارية على عمق الحضور الإسلامي في مدينة القدس، وتجسيدًا عمليًا لفكرة الوقف الإسلامي الذي ارتبط بخدمة المسجد الأقصى، وإسناد المرابطين، وحماية حائط البراق، وترسيخ الهوية الحضارية للمدينة المقدسة عبر قرون طويلة.

لقد نشأ حيُّ المغاربة بوصفه وقفًا إسلاميًا خالصًا، أقامه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين الأيوبي عقب تحرير القدس، ليكون موطنًا للمجاهدين والمرابطين القادمين من بلاد المغرب الإسلامي، وليظل شاهدًا حيًا على وحدة الأمة الإسلامية وتكامل أقاليمها في الدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. ومنذ ذلك التاريخ أصبح الحي جزءًا أصيلًا من النسيج العمراني والاجتماعي للقدس، وحمل رسالة حضارية تتجاوز حدود المكان إلى ترسيخ معاني الرباط والوقف والهوية والانتماء.

غير أن هذا الإرث الحضاري تعرض لأبشع صور الاجتثاث المنهجي عقب احتلال القدس الشرقية سنة 1967، حين أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على هدم حي المغاربة بالكامل خلال ساعات قليلة، وتشريد سكانه، ومصادرة أوقافه، وإزالة معالمه التاريخية، في محاولة لطمس الذاكرة الإسلامية للمدينة وفرض واقع استعماري جديد يخدم الرواية الصهيونية. ولم يكن ذلك مجرد عمل هندسي أو إجراء عسكري، بل كان جريمة حضارية مكتملة الأركان استهدفت الإنسان والمكان والذاكرة والوقف في آنٍ واحد، في مخالفة صريحة لأحكام القانون الدولي، واتفاقيات حماية الممتلكات الثقافية، وحرمة الأوقاف الدينية.

ومن هنا فإن قضية حي المغاربة ليست قضية ماضٍ انقضى، وإنما قضية عدالة تاريخية وحق قانوني وأخلاقي لا يسقط بالتقادم. فالأوقاف الإسلامية لا تفقد صفتها الشرعية بالاحتلال، والحقوق الثابتة لا تمحوها قوة الأمر الواقع، كما أن هدم العمران لا يعني محو الذاكرة، بل يزيدها رسوخًا في وجدان الأمة. ولذلك يبقى حق العودة إلى الحي، واسترداد منازله وأوقافه، وإعادة الاعتبار لتاريخه، جزءًا أصيلًا من معركة استعادة القدس وحماية هويتها العربية والإسلامية.

إن إعادة إحياء حي المغاربة ليست مجرد مشروع لإعادة بناء الأبنية الحجرية، بل هي مشروع لإحياء الذاكرة الحضارية، وتصحيح خطيئة تاريخية، واستعادة أحد أهم الشواهد الوقفية التي جسدت وحدة الأمة الإسلامية حول المسجد الأقصى. فالحضارات لا تحفظ نفسها بالنصوص وحدها، وإنما تحفظها أيضًا معالمها العمرانية، وأوقافها، ورموزها التاريخية التي تشكل ذاكرة الشعوب وضميرها الجمعي.

ومن هذا المنطلق، فإن استعادة حي المغاربة تمثل معركة وعي بقدر ما هي معركة حقوق، ومعركة هوية بقدر ما هي معركة قانون، وهي خطوة أساسية نحو استعادة التوازن الحضاري والأخلاقي لمدينة القدس، باعتبارها مدينة الرسالات، ورمزًا للعدل، وأمانةً في أعناق الأمة كلها.

فالقدس لا تستعيد توازنها الكامل إلا باستعادة ذاكرتها، ولا تستعيد ذاكرتها إلا بردِّ الحقوق إلى أصحابها، وفي مقدمة تلك الحقوق حيُّ المغاربة؛ الوقف الإسلامي الخالد، والشاهد الحي على وحدة الأمة ورباطها عبر التاريخ.

Related Articles

Back to top button