المنصّات الرَّقمية وتآكل العلاقات الإنسانية

د.شيروان الشميراني
يتفق جميع المعنيين من علماء التربية والاجتماع على أن النمط الحديث في بناء المدن القائم على المجمعات السكنية والشقق الكبيرة والصغيرة المكتظة، قد غيرت معها طبيعة الحياة الاجتماعية، وتسببت في انعزالية كبيرة بين الأسر الساكنة في تلك المجمعات بعد الثورة الصناعية والغلبة الحضارية الغربية على باقي مناطق العالم، خاصة في دولالجنوب، جاءت معها النظريات الغربية القائمة على الفردانية والمادية، وبناء العلاقات على أسس المنفعة وسوء الظن، والتربص بالفوز وسحق الآخر وصرعه، أو الليبرالية في السلوك والتعامل الإجتماعي، فانضافت الى عزلة الاسر العزلة الفردية على المستوى الشخصي، وأثناء البحث عن معالجة هذا العطب الكبير حدثت الطفرة التكنولوجية، الإنرتنت، انحسر بسببه التواصل الفيزيكي المباشر مع ظهور الأجهزة واللوحات الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي الذي تسببت بتقوية الاسلاك الالكترونية الحاجزة، وهو العصر الذي نعيشه الآن، الجمع بين عزلة السكن والفردانية والمنصات التواصلية الحديثة، فحصل ما كتب عنه“ تريستان هاريس“ المؤسس المشارك لمركز التكنولوجيا الإنسانية في مقال في لوس انجلوس تايمز–مايو 2019 وهو “تآكل العلاقات الإنسانية“، الذي يتبع جزئياً من الصلات بين التقنيات المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، فهو تآكل من جهتين، جهة التواصل المباشر الجسدي، وجهة روحانية التواصل، فكان الخراب لإفتقارها للإحساس والروح الإنسانية السامية.
تساءل أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد“رولاند فراير“ في صحيفة وول ستريت جورنال 26- يوليو 2026–، ﻟﻣﺎذا ﯾﺑدو أن اﻟوﺣدة ﻓﻲ ازدﯾﺎد؟ ثم يجيب على السؤال ويقول:ﺟزﺋﯾﺎ ﻷﻧﻧﺎ ﺟﻌﻠﻧﺎ اﻟﺣﯾﺎة ﺧﺎﻟﯾﺔ ﻣن اﻻﺣﺗﻛﺎك والفعالية”، فجميع أو الغالبية الساحقة من قضاء احتياجاتنا اليومية نقضيها عبر الطلبيات الالكترونية، من دون الاحتكاك المباشر، وبما أنّ طبيعة البشر خلقها الله سبحانه لا تأخذ صورتها الكاملة ولا تتجسد مميزاتها الإنسانية إلا عبر الاختلاط والتجمعات، تكون الوحدة والانعزالية من الحالات الشاذة التي لا تنسجم مع النمط الذي ينبغي له السير عليه، وحسب رولاند: “ أصبحت الوحدة واحدة من المشاكل الغريبة في الحياة الحديثة. في عام 2023، وصف جراح عام أمريكي الوحدة والعزلة الاجتماعية بأنها مشكلة صحية عامة. أفاد حوالي نصف البالغين الأمريكيين بأنهميعانون من الشعور بالوحدة. تصف منظمة الصحة العالمية الانفصال الاجتماعي بأنه تحدٍّ صحي عالمي، يؤثر على ما يقرب من 1 من كل 6 أشخاص في جميع أنحاء العالم. في العديد من البلدان الغربية يبدو أن الشعور بالوحدة المبلغ عنهاذاتياً بين الشباب قد ارتفع على مدى العقود الأربعة أو الخمسة الماضية؛ ويبلغ الشباب عن الشعور بالوحدة أكثر من البالغين في منتصف العمر أو كبار السن“.
وهذه من غرائب الحياة الحديثة التي لا تتوافق مع مراحل العمر التي يمرُّ بها الانسان، فمن خاصية مرحلة الشباب والمراهقة أنها لا تحبذ البقاء جالساً، ولا المكوث في البيت كثيراً، من ساعات الصباح الأولى يبحث عن مكان يقضي أوقات نهاره فيه خارج المنزل، مع الأصدقاء على الأكثر، أو إمضاء أوقات الضحى في المقهى والمساء تجوالاً في الأسواق أو المنتزهات مع المجموعة، هذا ان لم يكن صاحب عمل، لكن الحياة الالكترونية وخصائصها أثقلت الشباب جاعلاً منهم كتلاً من اللحم والعظم، يجد راحته في وحشته عن الناس، وتراه مرتبكاً عند مجيء ضيف أو سؤال صديق عنه،هذه الصفات النفسية المتوقع أنها هي الغالبة عند العجائز، العجائز بمعنى العاجز عن الحركة، والفاقد لشهية الحديث مع الناس، لكن الحياة التي كوّنها التكنولوجيا ولوّنهاقلّب الأمور رأساً على عقب، الأسنُّ أكثر حيوية ونشاطاً وصحة وبحثاً عن الأصدقاء والأقرباء والمعارف.
في الرؤية الإسلامية الحياة مختلفة، هذا النمط الحديث من الحياة لا تنسجم مع الطبيعة الاسلامية، فالمجتمع له لون آخر، سواء كانت الحياة حديثة أو أسلوبممارساتها قديمة، لأن الأساسيات الاجتماعية التي وضعها الإسلام محمية من التأثربتغيّر الأسلوب، الأساسيات ترتبط في كثير منها بالعبادات المفروضة، والمتبقي جعلمنه ديناً يتقرب به المسلم الى الله سبحانه، الإطار الديني الإسلامي يحمي المسلم من الانجراف مع تلك التغيرات التي تأتي بها رؤى وتصورات بشرية مبتورة عن البعد الديني، ويعالج به هذا البلوى من الوحدة والبرودة في العلاقات الإنسانية، منها: –
الأولى: – في الرؤية الإسلامية لا تقتصر العلاقات الإنسانية بين المسلمين لوحدهم، وإنما بين البشر أو الإنسان من حيث هو، من دون النظر الى الدين أو العرق إذا ما توفرت الشروط الأخلاقية العامة، لهذا أحل الله طعام أهل الكتاب وأحلّ للمسلمين دعوتهم الى البيوت والأكل على مائدتهم.
الحالة الثانية: – هي العقيقة، أو الذبيحة تهللاً بالمولود الجديد، حيث يذبح أهل الوافد الجديد الى الدنيا ويدعون الأهل والعشير يجتمعونلمشاركتهم فرحهم وتكريمهم بالأكل عندهم، وهذه من المناسبات القليلة من حيث الوقت او البعيدة من حيث الزمن، لكنها مؤثرة للغاية.
بهذه الإجراءات يعالج الإسلام الوحدة والإنعزالية وهي إجراءات تستعصي على تغيرات الحياة مهما كانت شرسة، لكن وجودها يرتبط مباشرة بالإحياء الديني التصوري والروحي، والتقليل من الوقت أمام الأجهزة الذكية ومنصاتها الرقمية،التي تسرق العقل وتحاصر الروح وترمي بها في زاوية البيت والمكتب، وذلك من أجل علاقات إنسانية أدفأ، ومجتمع أكثر صحة وأرحم.




