اجتماعيةعاممقالاتمقالات تربوية

رباعية السالك للنجاة من المهالك:صدق، ومحبة، وعفة، ودعاء

 

الشيخ د/بن سالم باهشام أستاذ العلوم الشرعية

المحاور الأساسية

المقدمة

أولا: صدقٌ مع الله

ثانيا: محبةٌ في الله

ثالثا: عفةٌ عن الحرام.

رابعا: دعاءٌ لا ينقطع.

خامسا: المرض وعلاجه، أربع بأربع

الخاتمة

✦ المقدمة ✦

الحمد لله الذي جعل النجاة طريقًا، وجعل لكل سالكٍ إليه دليلًا، وفتح لعباده أبواب القرب، ولم يحجب عنهم سبيل الوصول، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من صدق معه صدقَه، ومن أقبل عليه قرّبه وهداه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، دلّ الأمة على أبواب النجاة، وحذّرها من سبل الهلاك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد،

فإن السير إلى الله؛ ليس كلمات تُقال، ولا مشاعر عابرة تُعاش، بل هو مجاهدة قلب، وصدقُ توجّه، وتربية نفس، وسلوك طريق…

وإن من أعظم ما يحتاجه السالك في زمن كثرت فيه الفتن، وتشعبت فيه الطرق، وتزيّنت فيه المهالك… أن يتزوّد بأصولٍ جامعة، وقواعد مانعة، تحفظ عليه دينه، وتُنقذ قلبه، وتثبّت قدمه.

وفي هذا المقام؛ نقف مع رباعية جامعة، هي زاد السالك من المهالك، وعدّة النجاة، وأركان الثبات:

صدقٌ مع الله… ومحبةٌ في الله… وعفةٌ عن الحرام… ودعاءٌ لا ينقطع.

فمن صدق نجا، ومن أحب ارتقى، ومن عفّ سَلِم، ومن دعا وُفِّق…

فهي ليست كلمات، بل مفاتيح أبواب، وأسرار قلوب، ومنازل طريق.

أولا: صدقٌ مع الله

سُئل أحد العارفين بالله، أربعة أسئلة، فأجاب إجابة حكيمة تنجينا من المهالك، وتنير الطريق لكل سالك، في حياتنا اليومية.

فكان السؤال الأول هو:

ما أفضل القلوب؟

فأجاب قائلا:

(أفضل القلوب، قلب لا يغيب عنه الصدق)،

نعم، أفضل القلوب قلب صادق…

لا يتلوّن، ولا ينافق، ولا يخادع، قلب

إذا قال صدق،

وإذا وعد وفّى،

وإذا عمل أخلص.

وأقصر طريق ليكون لك قلب صادق، لابد من صحبة صادقة للصادقين، قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِینَ﴾  [التوبة 119]، أي يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، اعملوا بشرعه، وامتثلوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه في كل ما تفعلون وتتركون، وكونوا قلبا وقالبا مع الصادقين في إيمانهم وعهودهم، وفي كل شأن من شؤونهم.

الصدق ليس كلمة تقال، بل حال يُعاش…

1 – صدق مع الله في العبادة،

2 – وصدق مع الناس في المعاملة،

3 – وصدق مع النفس في التوبة والرجوع.

القلب هو ملك الجوارح، إذا صلَح، صلَح الجسد كله، وإذا فسد، فسد الجسد كله، والقلب إذا امتلأ صدقًا؛ امتلأ نورًا، وإذا امتلأ كذبًا؛ امتلأ ظلمةً ووحشة.

ثانيا: محبةٌ في الله

أما السؤال الثاني الذي وجه لهذا العارف بالله فهو:

من أفضل الناس؟

فكان جوابه:

أفضل الناس شخص لا ينساك…

لأنه يحبك في الله.

الله أكبر…

حب في الله، لا لمصلحة، ولا لمنفعة، ولا لدنيا…

حب يبقى إذا تغيّرت الأحوال،

ويثبت إذا انقطعت الأسباب.

روى البخاري ومسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، عن النَّبيّ – صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ : … وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا…) [أخرجه البخاري 2/138 ( 1423 )، ومسلم 3/93 ( 1031 ) ( 91 )].

وروى أحمد، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين، المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء) [أخرجه أحمد (5/328 ، رقم 22834) ، وابن حبان (2/338 ، رقم 577) ، والحاكم (4/186 ، رقم 7314) ، والضياء من طريق الطبرانى (8/312 ، رقم 376)].

أيها المؤمن، أيتها المؤمنة،

هل لك في الله أحباب؟

هل هناك من تَذْكرهم بالدعاء؟

هل هناك من يحبك لأنك تُذكّره بالله؟

تلك هي العلاقات التي لا تموت…

فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

ثالثا: عفةٌ عن الحرام.

أما السؤال الثالث الذي وجه إلى هذا العارف بالله هو:

ما أفضل الأيام؟

فقال: أفضل الأيام، يوم يمر بك بلا ذنب.

تأملوا هذا الجواب الحكيم…

ليس أفضل يوم هو يوم كسبت فيه مالًا،

ولا يوم نلت فيه منصبًا،

بل أفضل يوم… هو يوم نجوت فيه من معصية!

يوم حفظت فيه سمعك وبصرك ولسانك،

يوم لم تعص الله فيه في سر ولا علن.

حتى قال بعض العارفين بالله:

(كل يوم مرّ بي بلا ذنب فهو يوم عيد)، ولذلك قال الله تعالى في سورة يونس:

﴿ قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَ ⁠لِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [يونس 58]، وأي فضل أعظم من أن يعصمك الله من الذنب؟

وأي رحمة أعظم من أن تمر عليك الساعات ولم تكتب عليك سيئة؟

رابعا: دعاءٌ لا ينقطع.

أما السؤال الرابع الذي وجه لهذا العارف بالله، فهو:

ما أفضل إهداء؟

فكان جوابه الحكيم:

أفضل إهداء أهدي للشخص، هو دعاء يُرفع لك على ظهر الغيب وأنت لا تعلم. من قلب صادق، لصديق في الله،

صديق إذا ذكرت الله أعانك،

وإذا غفلت ذكّرك،

وإذا غبت عنه دعا لك،

نعم، أعظم الهدايا ليست مالًا…

وليست هدية تُرى بالعين…

بل دعوة صادقة، في جوف الليل، يقول فيها أخ لك في الله:

“اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم فرّج كربه.”

روى أحمد بن عمرو بن الضحاك أبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني، عن أُمِّ الدَّرْدَاءِ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (دَعْوَةُ الأَخِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ لا تُرَدُّ، وَيَقُولُ الْمَلَكُ: وَلَكَ مِثْلُ ذَلِكَ)، بظهر الغيب: أي في غيبة المدعو له، وفي سره، لأنه أبلغ في الإخلاص. [رواه أحمد بن عمرو بن الضحاك أبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني (5/ 508) (ح 3356)].

فيا عبد الله… ويا أمة الله،

أكثر من الدعاء لإخوانك…

فلعل دعاءك لهم يكون سببًا في نجاتك أنت.

هذه أربع منارات لعارف بالله، سلك الطريق فخبرها، وعرف عقباتها وانعراجاتها ومخاطرها:

1 – قلب صادق…

2 – وصاحب يحبك في الله…

3 ويوم بلا ذنب…

4 ودعاء على ظهر الغيب…

فمن جمعها فقد جمع الخير كله.

خامسا: المرض وعلاجه، أربع بأربع

إن القلوب تمرض، ودواؤها الصدق…

والعلاقات تفسد، وعلاجها الإخلاص…

والأيام تضيع، وربحها ترك الذنوب…

والأرواح تشتاق، وغذاؤها الدعاء.

فاجعل لنفسك نصيبًا من هذه الأربع:

1 – راقب قلبك… هل هو صادق؟

2 – وراجع علاقاتك… هل هي لله؟

3وحاسب يومك… كم ذنبًا وقعت فيه؟، فقد روى الحسن البصري رحمه الله، (أنه ما من يوم يُشق فجره، إلا وينادي ذلك اليوم فيقول: يا ابن آدم، أنا يومك الجديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة).

4 – وأكثر من الدعاء لإخوانك على ظهر الغيب… سرًا لا جهرًا.

الخاتمة

هذه الرباعية ليست ترفًا إيمانيًا، ولا مقامًا خاصًا بالخواص…

بل هي ضرورة لكل من أراد النجاة في زمن الفتن، والسلامة في طريق مليء بالمهالك.

فاحفظوا صدقكم… فإنه أصل كل خير،

ونقّوا محبتكم… لتكون لله لا لغيره،

واضبطوا شهواتكم… فبالعفة تُصان القلوب،

وارفعوا أكفّكم بالدعاء… فبه تُفتح الأبواب وتُدفع الكروب.

واعلموا أن الطريق إلى الله لا يُقطع بكثرة الخطوات…

ولكن يُقطع بصدق التوجه، وخفاء العمل، ودوام الافتقار إليه سبحانه.

اللهم اجعلنا من الصادقين، وارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، وزيّنا بالعفة والطهر، ولا تحرمنا لذة الدعاء ومناجاتك.

اللهم نجّنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعل هذه الرباعية نورًا في قلوبنا، وسبيلاً لنجاتنا، وثباتًا لنا حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.

اللهم أصلح قلوبنا، وطهّر سرائرنا، واجعلنا من الصادقين.

اللهم اجعل أيامنا طاعة، وخواتيمنا سعادة، وأعمالنا خالصة لوجهك الكريم.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

Related Articles

Back to top button